مجموعة كتاب

مجموعة كتاب

مجموعة كتاب


نيث دانو وبات موني*

من المنتظر أن يبرز مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في باريس كافة مقومات الإنتاج المحكم التصميم في هوليود والذي يحقق شعبية هائلة، وسوف يكون فريق الممثلين ضخما: رؤساء دول ورؤساء وزراء في وسط المسرح يدعمهم الآلاف من "الكومبارس" بمن في ذلك المحتجون، وشرطة مكافحة الشغب، وعدد ضخم من وسائل الإعلام.

ولعل السيناريو لا يزال طي الكتمان حتى الآن، ولكن حبكة الرواية تسربت بالفعل، فهذه المرة -وفي تناقض حاد مع المفاوضات الفاشلة في كوبنهاغن عام 2009- سوف يكون الفوز من نصيب كوكب الأرض.

الواقع أن الحبكة جذابة وفاتنة، ولكنها ليست متماسكة بالضرورة، فسوف يقال للعالم إن النوايا الحسنة والصفقات الرابحة آتت أكلها، فقد اتفقت الحكومات على تخفيضات طوعية للانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي، وهي التخفيضات التي سوف تمنع درجات الحرارة على الكوكب من الارتفاع بما يتجاوز درجتين مئويتين.

ثم في تطور مفاجئ مذهل سوف يكشف النقاب عن توصل أكبر شركات الوقود الأحفوري في العالم إلى الاتفاق على خفض صافي الانبعاثات إلى الصفر بحلول عام 2100 من خلال احتجاز الكربون من المنبع وامتصاصه من الغلاف الجوي وتخزينه تحت الأرض، وبهذا ينقذ كوكب الأرض، ويصبح بوسع الاقتصاد أن يزدهر، وهنا تدخل الموسيقى وتنزل تترات النهاية.

التكنولوجيا اللازمة لخفض الانبعاثات لم تخترع بعد، وخفض صافي الانبعاثات إلى الصفر ليس في حكم الإمكان ببساطة، ومثله كمثل الإنتاج الهوليودي سوف تكون رسالة مؤتمر باريس شديدة التأثر بأولئك الذين يملكون القدر الأكبر من المال

والمشكلة هنا هي أن هذا السيناريو خيالي وليس وثائقيا، فالتكنولوجيا اللازمة لم تخترع بعد، وخفض صافي الانبعاثات إلى الصفر ليس في حكم الإمكان ببساطة، ومثله كمثل الإنتاج الهوليودي سوف تكون رسالة مؤتمر باريس شديدة التأثر بأولئك الذين يملكون القدر الأكبر من المال.

وليس من الصعب إجراء الحسابات، ذلك أن البنية الأساسية للطاقة على مستوى العالم المجهزة بدقة لاستخدام الوقود الأحفوري تعادل قيمتها 55 تريليون دولار، والقيمة الورقية لاحتياطيات الوقود الأحفوري -وأغلبها مملوكة لشركات الوقود الأحفوري العملاقة- تعادل نحو 28 تريليون دولار.

يتجلى نفوذ صناعة الوقود الأحفوري بوضوح في حقيقة مفادها أن الحكومات في مختلف أنحاء العالم من المتوقع أن تنفق نحو 5.3 تريليونات دولار هذا العام لدعمها، بما في ذلك النفقات الهائلة اللازمة لمكافحة تأثيراتها الصحية والبيئية السلبية. بعبارة أخرى، تنفق الحكومات التي ستجتمع بباريس على دعم أسباب تغير المناخ أكثر من كل ما تنفقه على الرعاية الصحية العالمية أو تخفيف حدة تغير المناخ أو التكيف معه.

ولكن هذا لن يكون جزء من القصة في باريس، فهناك سوف يعرض على الجمهور العالمي سرد يقوم على شكلين غير مثبتين من "الهندسة الجيولوجية" التي يسعى أنصارها إلى التلاعب بالنظام الكوكبي، أما الجهد الذي سوف يحظى بالقدر الأعظم من الاهتمام فيدور حول استخدام الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وتخزينه.

في مايو/أيار الماضي عقدت وزارة الطاقة في الولايات المتحدة اجتماعا خاصا لمناقشة هذه التكنولوجيا التي سوف تكون بمثابة ورقة التوت التي تستخدمها شركات الوقود الأحفوري العملاقة لحماية أصولها.

بيد أن نشر تكنولوجيا الطاقة الحيوية واحتجاز الكربون وتخزينه سوف يتطلب احتفاظ العالم بمساحة تعادل حجم الهند مرة ونصف المرة من الحقول أو الغابات القادرة على امتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، في حين تظل تزود سكان العالم الذين من المتوقع أن يتجاوز عددهم تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2050 بالقدر الكافي من الغذاء.

ويعدنا أنصار هذه التكنولوجيا بأن العزل البيولوجي سوف يصبح بحلول ذلك الوقت مدعوما ببرامج تتلخص مهمتها في احتجاز الانبعاثات فور انطلاقتها أو امتصاصها من الهواء لكي يتم ضخها إلى مهاوٍ جوفية عميقة بعيدا عن أنظارنا وبعيدا عن أذهاننا.

من الواضح أن منتجي الوقود الأحفوري يروجون لتكنولوجيا احتجاز الكربون للسماح لهم بالإبقاء على مناجمهم مفتوحة ومضخاتهم متدفقة، ولكن من المؤسف بالنسبة لكوكب الأرض أن العديد من العلماء يعتبرون هذه التكنولوجيا مستحيلة من الناحية الفنية وباهظة التكاليف من الناحية المالية، خاصة إذا كان لنا أن نتمكن من نشرها في الوقت المناسب لتجنب التغير المناخي الفوضوي.

وسوف يتطلب منع درجات الحرارة من الارتفاع إلى خارج نطاق السيطرة حلا هندسيا جيولوجيا ثانيا، والمعروف باسم إدارة الإشعاع الشمسي، وتتلخص الفكرة في محاكاة عمل التبريد الطبيعي للانفجار البركاني باستخدام تقنيات مثل نشر خراطيم تضخ الكبريتات لمسافة ثلاثين كيلومترا داخل الطبقة العليا من الغلاف الجوي "الستراتوسفير" لحجب أشعة الشمس.

خلافا لتكنولوجيا احتجاز الكربون فإن حجب أشعة الشمس كفيل بخفض درجات الحرارة العالمية بالفعل، ونظريا تعد هذه التكنولوجيا بسيطة ورخيصة، ومن الممكن نشرها بواسطة دولة منفردة أو مجموعة صغيرة من المتعاونين، ولن يكون إجماع الأمم المتحدة مطلوبا

وتعتقد الجمعية الملكية في المملكة المتحدة أن الاحتياج إلى مثل هذه التكنولوجيا قد يكون حتميا، وكانت تعمل مع نظرائها في بلدان أخرى لاستكشاف الطرق الواجبة لإدارتها.

وفي وقت سابق من هذا العام أعطت الأكاديميات الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة تأييدها الفاتر لهذه التكنولوجيا، وأعلنت الحكومة الصينية عن استثمار كبير في تعديل الطقس الذي قد يتضمن إدارة الإشعاع الشمسي، وتعكف روسيا بالفعل على تطوير هذه التكنولوجيا.

وخلافا لتكنولوجيا احتجاز الكربون فإن حجب أشعة الشمس كفيل بخفض درجات الحرارة العالمية بالفعل، ونظريا تعد هذه التكنولوجيا بسيطة ورخيصة، ومن الممكن نشرها بواسطة دولة منفردة أو مجموعة صغيرة من المتعاونين، ولن يكون إجماع الأمم المتحدة مطلوبا.

ولكن إدارة الإشعاع الشمسي لن تزيل الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي من الغلاف الجوي، بل إنها تعمل على حجب تأثيراتها فحسب، وإذا أغلقت الخراطيم فإن درجة حرارة الكوكب سوف تسجل ارتفاعا شديدا، وستسلم السيطرة على حرارة الكوكب لأولئك الذين يملكون الخراطيم، وحتى أنصارها يقرون بأن نماذج الحواسيب تتوقع أن تخلف هذه التكنولوجيا تأثيرا سلبيا قويا على المناطق المدارية وشبه المدارية، إن تغير المناخ أمر سيئ، ولكن الهندسة الجيولوجية قادرة على جعله أشد سوءا.

من الواضح أن القصة التي سوف يطلب منتجو مؤتمر باريس من المشاهدين تصديقها تعتمد على تكنولوجيات ليست أكثر فعالية من حيل الدخان والمرايا الخداعية، ومن الأهمية بمكان أن نتعلم كيف نرى أبعد منهم، وسوف يرفع الستار عن مجموعة من الوعود الكاذبة، ثم يسدل على سياسات لن تقودنا إلا إلى الفوضى والدمار ما لم يشارك الجمهور في القصة.
-----------------------------
*نيث دانو مديرة مجموعة (ETC Group) في آسيا.
بات موني مدير تنفيذي في مجموعة (ETC Group).

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك