نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


لا يبدو أن هناك خطوطا حمراء يحذر انقلاب مصر تجاوزها، أو يتجنب المساس بها، حتى مع الإسلام نفسه الذي يمثل هوية الشعب، ودين الدولة، وعقيدة أكثر المصريين، الإسلام الذي حاول نابليون بونابرت قبل أكثر من مئتي عام خداع الشعب المصري بإظهار احترامه له وإجلاله شعائره، وادعى جاك مينو من بعده اعتناقه وتزوج مصرية؛ لعلمهما بموضع هذا الدين من نفوس أهله.

ومن بعدهم، تجنب الإنجليز طوال عقود احتلالهم مصر (1882-1954) الاصطدام بالإسلام أو الإساءة إليه صراحة، مخافة إثارة مشاعر الناس ضدهم، وإن كانوا فعلوا بالإسلام الكثير والكثير من خلال وكلائهم وتشريعاتهم وتربيتهم أجيالا من المسلمين الغرباء عن هويتهم وأمتهم.

وأثناء ذلك وقبله وبعده، حرصت أسرة محمد علي ومَن بعدها من حكام ثورة يوليو وامتداداتها على التمسح بالإسلام والظهور بمظهر المتدين، بأداء صلاة الجمعة علانية ونشر ذلك إعلاميا، والاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر احتفالا مشهودا، وطباعة الكتب وإصدار المجلات الإسلامية، واتخاذ قارئ خاص من مشاهير قراء القرآن، وغير ذلك.

إن أمورا كثيرة وشواهد عديدة تدفعنا دفعا إلى ادعاء أن ما يجري في مصر الآن ليس أقل من حملة منظمة وغير مسبوقة على هذا الدين في بلد من بلدانه الأساسية، وقلعة من قلاعه القديمة الحديثة، فلم تزل مصر منذ دخلها الإسلام وهو شعارها ودثارها، ودينها وثقافتها، وشخصيتها

إن أمورا كثيرة وشواهد عديدة تدفعنا دفعا إلى ادعاء أن ما يجري في مصر الآن ليس أقل من حملة منظمة وغير مسبوقة على هذا الدين في بلد من بلدانه الأساسية، وقلعة من قلاعه القديمة الحديثة، فلم تزل مصر منذ دخلها الإسلام وهو شعارها ودثارها، ودينها وثقافتها، وشخصيتها وهويتها، ولون جماهيرها، وعقيدة خاصتها وعامتها، عُرفت بكثرة علمائها ومدارسها ومؤلفاتها في علوم الدين والدنيا، كما اشتهرت بالوقوف في وجوه عتاة الغزاة الزاحفين من الشرق والغرب.

فإذا جاء اليوم من يتعامل مع هذا الواقع وكأنه ليس موجودا، وذاك التاريخ وكأنه لم يكن يوما، أو يوجه أحداث مصر في الاتجاه النقيض لشخصيتها وهويتها، أو يدير شؤونها وكأنه يحكم نيبال أو سورينام، أو يبني منطلقاته وأهدافه وخططه في حكم الكنانة دون مراعاة الجذور العميقة التي حفرها الإسلام لنفسه في أرضها وإنسانها وبرها وبحرها- إذا جاء من يسلك هذا السلوك في توجيه الأمور في مصر، فمن حقنا أن نتهمه بأنه يخنق الإسلام، أو على الأقل يحاصره ويضيق عليه السبل.

وليس القول إن الإسلام يحاصر في بلده مصر نوعا من الدعاية السياسية لفصيل أو آخر، بل ليست مجرد دفاع واجب عن الشرعية المفقودة في إدارة البلاد، فالقضية أخطر من أن تكون اضطهاد فصيل سياسي، وأضخم من أن توصف بأنها مساع للسيطرة على كعكة الحكم في مصر، إنها طمس لهوية وطن، وتشويه لثقافة شعب، ومسخ لشخصية أمة، ولو طال مدى هذه السياسات دون أن تقاوم، ودون دفاع مستميت عن شخصية مصر العربية الإسلامية حتى تفرض نفسها على مغتصبي السلطة، فستكون عقبى الأمر وخيمة على مصر وأخواتها.

والمسألة في ذاتها ليست أبدا مجرد خصام أو صراع مع فصيل سياسي كما يمكن أن يحتج بعض الناس، أو كما يمكن أن يتأوله آخرون بنية حسنة أو سيئة، ومهمة السطور التالية أن تسوق ما هو ثابت ومؤكد من سلوك النظام المصري الحالي إزاء الإسلام نفسه، لنؤكد دعوى أننا بإزاء حملة منظمة من الدولة الرسمية في مصر على الإسلام بكل صوره الناطقة والمؤثرة، وإن كانت موعظة في مسجد، أو محاضرة في جامعة، أو مقالا في صحيفة، أو دعاء في جامع.

وحين نحاول أن نلقي نظرة على سجل الانقلاب في التعامل مع الفئات والهيئات والأعمال التالية:

- المؤسسات والهيئات الإسلامية مثل: الأزهر، ووزارة الأوقاف، وإذاعة القرآن الكريم، فضلا عن الجمعية الشرعية والجمعيات الأهلية العاملة في مجال العمل الخيري، ومعاهد القراءات، ومعاهد الدعوة الإسلامية.

- والشعائر الإسلامية، مثل: تنظيم الصلوات اليومية، وخطب الجمعة، وصلاة العيد.
- والشخصيات الإسلامية، مثل: أئمة المساجد، ومعلمي القرآن، وأساتذة العلوم الشرعية.
- والمناسبات الإسلامية والمعاني التي تروج فيها على لسان "رأس النظام" نفسه، مثلما حدث في الاحتفال الأخير بليلة القدر، وما جرى قبله في الاحتفال بالمولد النبوي.

حين نحاول أن نلقي نظرة على هذا كله سنجد المأساة شاخصة أمام أعيننا تحكي حال الإسلام في مصر، وتنذر بالخطر القريب الذي يمثله الانقلاب بسياساته التي يتبعها على شخصية مصر وثقافتها واختياراتها ومواقفها، وتؤكد أنها سياسات نظام وتوجهات دولة بقضها وقضيضها، وليست مجرد ردود أفعال أو تصرفات عابرة.

بلغ من هوان الأزهر وشيخه وسائر رجاله الرسميين أن يمثلوا الديكور الإجباري لممارسات النظام التي لا يملكون عليها تعقيبا، إلا ما يسوغونها به ويمنحونها المشروعية، في الوقت الذي تتسلط يد الخراب على التعليم الأزهري برمته جامعيا وغير جامعي

لقد صارت وظيفة الأوقاف ووزيرها "المقاتل" -مثلا- مطاردة كل صاحب رأي في الدين لا يتفق مع الانقلاب، والتضييق على كل صاحب كلمة يمكن أن توصل رسالة الإسلام الحرة، وانحصر تخصصهما في حماية ساحات المساجد من "الدخلاء"، والتصدي لأصحاب الرأي الشرعي في داخل البلاد وخارجها. وهجوم الوزير الشرس على بيان "نداء الكنانة" الأول ومطالبته بوضع الموقعين عليه على قائمة الترقب في مطارات مصر من تجليات هذه المهمة.

وقل مثل هذا عن توقيف القارئ الشهير الشيخ محمد جبريل لمجرد دعاء عام دعاه على الظالمين ولم يسمِّ أحدا، والدكتور أحمد المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية لإمامته الناس ركعتين برابعة، وأحمد عامر أمين عام نقابة محفظي القرآن الكريم لموقفه غير المتوائم مع النظام.

وقد نص قراران لوزارة الأوقاف على منع هذه الشخصيات العالمة والمعلِّمة للقرآن الكريم "من أي عمل دعوي بالمساجد، سواء كان إمامة أو إلقاء دروس من أي نوع، ومحاسبة أي شخص يمكّنهم من المسجد"، وأن قائمة الممنوعين الجدد ستُنشر تباعا.

وكذلك إضعاف وظيفة المساجد الاجتماعية والتثقيفية والتربوية بمراقبة أنفاس الأئمة، وتوجيههم في الصغيرة والكبيرة، وترهيبهم وتحويلهم إلى عيون أمنية على الناس، وإلغاء فكرة المسجد الأهلي، وتحويل خطبة الجمعة إلى بيان أمني ممسوخ، وإلغاء صلاة الجمعة أصلا في آلاف المساجد، ومنع أدعية معينة قد تُفهَم على أن المقصود بها هو النظام، ومنع الاعتكاف في شهر رمضان إلا بشروط تعجيزية حولت المساجد في مواسم الخير إلى ساحات مهجورة، وجعلت صلاة التراويح المباركة مسابقة في السرعة تنتهي قبل أن تبدأ.

وقل مثل هذا كذلك عن منع إقامة صلاة العيد في الساحات العامة إلا تحت أعين الأمن، وبأفواه حشيت بالتوجيهات والتحذيرات الأمنية، ومواجهة المخالفين لهذا بالرصاص والقنابل المدمعة، أي بالقتل وإزهاق الأرواح وما دونهما.

وأما الأزهر، فقد بلغ من هوانه وهوان شيخه وسائر رجاله الرسميين أن يمثلوا الديكور الإجباري لممارسات النظام التي لا يملكون عليها تعقيبا، إلا ما يسوغونها به ويمنحها المشروعية، في الوقت الذي تتسلط فيه يد الخراب على التعليم الأزهري برمته جامعيا وغير جامعي، وتعتقل السلطة وتقتل المئات من طلاب الأزهر وطالباته وأساتذته وشيوخه الأحرار دون صوت يخرج من الأزهر الرسمي مدافعا عن أبنائه ومناهجه ونظامه التعليمي.

وأما توظيف المناسبات والاحتفالات الدينية في بث أفكار وآراء تناقض صريح الدين، فحدث ولا حرج عن دين صارت نصوصه المحْكمة والمفصلة قديمة وتحتاج إلى إعادة نظر، وعن دعوة إلى تجديد الدين بلا مراعاة لأي قاعدة أو أصل شرعي أو حتى اختيار شخصيات مناسبة لهذه المهمة، وعن اعتراض على حكم أخروي يتعلق بمصير من لا يعتقد عقيدة الإسلام، وأن كثيرا من الشباب ألحدوا دون أن يخرجوا من الإسلام!

ولكن هل بين هؤلاء وبين الإسلام ثأر شخصي؟ هل هم مدسوسون لتخريب الدين وتشويهه، أو أنهم يطاردون فصيلا سياسيا بمطاردة الإسلام نفسه؟

من المعروف أن المبالغة في تشويه طائفة ترتبط بفكرة ما يؤدي إلى سحب صورتها الشائهة على فكرتها هذه (فتش عن أسباب الصورة النمطية الخاطئة التي تشكلت في العقل الغربي عن الإسلام)، وكم تعرض الإسلاميون في مصر للتشويه من خلال الأعمال الدرامية والمسرحية والمقالات الصحفية والبرامج المرئية والمسموعة التي بثها النظام حتى في إذاعة القرآن الكريم نفسها.

ليترك المصريون الغيورون خصوماتهم السياسية جانبا، ولينحوا اختلافهم مع الإسلاميين وغيرهم بعيدا، وليفهموا واقع ما يجري في بلدهم جيدا، ويدركوا بشكل صحيح ومحايد تماما ذاك المنحدر الخطر الذي تساق إليه مصر حيث تفقد مصريتها وعروبتها وإسلامها

لكن مع هذا نقول هل يجوز في الدين والعقل أن نمحو شعائر الإسلام، ونخرب مساجد الله، ونفسد على الناس صيامهم وعبادتهم بسيل من الأعمال الدرامية الفاشلة، ونصادر أموال مئات الجمعيات الخيرية القائمة على رعاية اليتامى والأرامل والمحوجين، بسبب خلافنا مع فصيل معارض ينسب نفسه إلى الإسلام؟

وهل من أجل عدم توافق جانب عريض من التيار الإسلامي مع النظام الحاكم يحق للإعلام الرسمي والقنوات الفضائية والصحف المستقلة الموالية للنظام أن تستضيف القادحين في الشريعة الإسلامية واللامزين في شعائر الدين وعقائده، وتستبعد العلماء الصادعين بالحق الموقِّعين بحق وعلم عن رب العالمين؟!

إن هذا السلوك المناهض للإسلام مناهضة صريحة لا تفسير له في نظري - عدا اتهام القائمين به بأنهم مدسوسون- سوى أن نقول إن النظام يشعر بأن أي صورة للإسلام مما عرفته مصر طوال تاريخها -وإن كان رسميا مؤسسيا يمثله الأزهر، أو بسيطا شعبيا يقدمه أئمة المساجد للعامة، أو شعبيا تقدمه بعض الجماعات الصوفية، أو ثقافيا صحيحا تقدمه بعض الأقلام- يمكن أن تفرخ معارضة إسلامية من نوع أو آخر، أو حتى تتيح التربة لنشأة مثل هذه المعارضة، أو تغذي المعارضة القائمة، وقد أثبتت أحداث الربيع العربي أن هذه المعارضة هي الأخطر على الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، فوجب إغلاق هذه المنافذ، وسد هذه الطرق أمام الجماهير، حتى لا تسقط في فخ الإرهاب!

وهذا معناه أن نضحي بالإسلام نفسه مقابل أن نؤمّن البقاء لنظام سياسي يناقض كل الثوابت، ولا يتوافق في سلوكه مع عقل ولا شرع.

ليترك المصريون الغيورون خصوماتهم السياسية جانبا، ولينحوا اختلافهم مع الإسلاميين وغيرهم بعيدا، وليفهموا واقع ما يجري في بلدهم جيدا، ويدركوا بشكل صحيح ومحايد تماما ذاك المنحدر الخطر الذي تساق إليه مصر حيث تفقد مصريتها وعروبتها وإسلامها، وتصبح مقاطعة عبيد تدار لحساب غيرهم ولمصلحة قوم آخرين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك