كريس باتن

كريس باتن

رئيس جامعة أوكسفورد


دعونا نثني على من يستحق ذلك عن جدارة؛ فرغم كل الانتقادات التي واجهها الرجلان، تمسك الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري بمهمة التفاوض للتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن الحد من برنامجها النووي. وبالتعاون مع ممثلي المملكة المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا، نجحا الآن في مهمتهما.

الواقع أن الشروط الأساسية التي ينطوي عليها هذا الاتفاق التاريخي -الذي أبرم رغم المعارضة الشديدة من جانب إسرائيل، والمنافسين الإقليميين لإيران (وخاصة المملكة العربية السعودية)، واليمين السياسي في الولايات المتحدة- تسعى إلى كبح جماح أنشطة إيران النووية حتى يصبح من غير الممكن أن تتحول القدرات المدنية إلى قدرات لتصنيع الأسلحة بسرعة.

وفي مقابل مراقبة وتفتيش المواقع النووية، تُرفَع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على إيران منذ سنوات.

وهذه لحظة مهمة في العصر النووي. فمنذ عام 1945، كانت القوة التدميرية المرعبة التي تمتلكها الأسلحة النووية سببا في تشجيع القادة السياسيين على البحث عن سبل للسيطرة عليها.

عرض الإيرانيون قبل عشر سنوات تسوية تقضي باحتفاظ إيران بقدرة نووية مدنية، وهو ما من شأنه أن يحد من عدد أجهزة الطرد المركزي، ويبقي عملية التخصيب عند مستوى أدنى من إمكانية إنتاج السلاح النووي، ويحول اليورانيوم المخصب إلى أشكال حميدة من الوقود النووي

وبعد فترة ليست طويلة من تدمير هيروشيما، اقترح الرئيس هاري ترومان، ومعه رئيس وزراء كندا ورئيس وزراء المملكة المتحدة، أول خطة لمنع الانتشار النووي، والتي كانت تقضي بإزالة كل الأسلحة النووية، وتقاسم التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية والإشراف عليها من قِبَل هيئة تابعة للأمم المتحدة.

وفي وقت لاحق، ذهبت خطة ترومان إلى ما هو أبعد من ذلك، لكي تغطي أغلب قضايا منع الانتشار النووي التي ما زلنا نناقشها حتى يومنا هذا.

ولكن المقترحات واجهت معارضة صريحة من جوزيف ستالين، الذي لم يقبل فرض أي حدود لقدرة الاتحاد السوفياتي على تطوير أسلحة نووية خاصة به.

وهكذا بدأ سباق التسلح النووي، وفي عام 1960، حذّر الرئيس جون ف. كينيدي من أن العالم سوف يحتوي على 15 إلى 20، أو حتى 25 دولة نووية بحلول منتصف الستينيات. وفي عام 1963، قال كينيدي "أطالبكم بأن تتوقفوا وتفكروا للحظة واحدة ماذا يعني أن تكون الأسلحة النووية متوفرة بين أيدي بلدان كبيرة وأخرى صغيرة، مستقرة وأخرى غير مستقرة، مسؤولة وأخرى غير مسؤولة، ومتناثرة في مختلف أنحاء العالم".

ثم حدث تطوران تمكن العالم بفضلهما من تجنب الكابوس المتمثل في الانتشار النووي المتهور: أولا، أدركت بلدان عديدة قادرة على إنتاج الأسلحة النووية -وفي بعض الحالات، حتى بعد إطلاق برامج نووية- أن امتلاك هذه الأسلحة لن يزيد من أمنها، وتستحق دول مثل جنوب أفريقيا وعدد من بلدان أميركا اللاتينية التي سلكت هذا المسار الإشادة والثناء.

وثانيا، تعزز حس نكران الذات هذا إلى حد كبير بفضل معاهدة منع الانتشار النووي، التي تم التفاوض عليها بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، والتي تولت إدارتها الهيئة الدولية للطاقة الذرية.

منذ دخولها حيز التنفيذ عام 1968، كانت معاهدة منع الانتشار النووي ذات أهمية مركزية في كبح انتشار الأسلحة النووية. في الوقت الحاضر، وبعيدا عن القوى النووية الأصلية (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا) لا تمتلك هذه الأسلحة من الدول الأخرى غير الصين وإسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية.

كانت المفاوضات مع إيران بالغة الأهمية لضمان سلامة النظام، وكان الخطر متمثلا بطبيعة الحال في انتقال إيران من تطوير الطاقة النووية المدنية إلى تصنيع أسلحة نووية، وكان هذا سيتسبب حتما في دفع بلدان أخرى في المنطقة -ربما بدءا بالمملكة العربية السعودية- إلى سلوك المسار نفسه.

وبوسعنا أن نستخلص درسا مهما من أكثر من عشر سنوات من المفاوضات مع إيران؛ ففي الفترة من 2003 إلى 2005، كان رئيس إيران الحالي حسن روحاني كبير المفاوضين عن بلاده في المحادثات النووية، وكان رئيس إيران في ذلك الوقت الرجل المثقف المعتدل محمد خاتمي، الذي حاولت معه ذات يوم التفاوض على اتفاقية للتجارة والتعاون نيابة عن الاتحاد الأوروبي، ولكن التقدم توقف بفِعل الخلاف حول المسائل النووية.

ما تم التوصل إليه اليوم أقل جودة من الاتفاق الذي كان سيتم التوصل إليه قبل عشر سنوات، وهي النقطة التي تستحق أن نضعها جميعا نصب أعيننا، وخاصة عندما يبدأ أمثال ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصراخ من الكواليس

واصطدمت محاولات خاتمي لفتح حوار مع الغرب بجدار واشنطن الصخري في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وفي النهاية أتى خلفا له محمد أحمدي نجاد الرئيس الشعبوي المتشدد. ولكن في مناقشات روحاني حول الانتشار النووي في ذلك الوقت، عرضت إيران على دول الاتحاد الأوروبي الثلاث التي بدأت معها المفاوضات تسوية معقولة.

كانت تلك التسوية تقضي بأن تحتفظ إيران بقدرة نووية مدنية وليست عسكرية. وكان هذا من شأنه أن يحد من عدد أجهزة الطرد المركزي عند مستوى منخفض، ويبقي عملية التخصيب عند مستوى أدنى من إمكانية إنتاج السلاح النووي، ويحول اليورانيوم المخصب إلى أشكال حميدة من الوقود النووي.

وفي ذلك الوقت، صرّح المندوب البريطاني لدى الهيئة الدولية للطاقة الذرية السفير بيتر جنكينز بأن العرض الإيراني أبهر المفاوضين من الاتحاد الأوروبي، لكن إدارة بوش ضغطت على حكومة المملكة المتحدة لاستخدام حق النقض ضد أي اتفاق يقوم على هذه الأسس، زاعمة أن المزيد من التنازلات من الممكن أن تستخلص من الإيرانيين إذا مورست عليهم ضغوط أكثر شدة وهُدِّدوا بعقوبات أكثر صرامة، بل وحتى الرد العسكري.

ونحن نعلم الآن إلى أي شيء انتهت إستراتيجية بوش، فقد انهارت المحادثات: فلا تسوية ولا اتفاق. واليوم تم التوصل إلى اتفاق، ولكنه أقل جودة من الاتفاق الذي كان سيتم التوصل إليه قبل عشر سنوات، وهي النقطة التي تستحق أن نضعها جميعا نصب أعيننا، وخاصة عندما يبدأ أمثال ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصراخ من الكواليس.

إن الاتفاق الآن لن يضيف المزيد من الثبات والرسوخ لمعاهدة منع الانتشار النووي فحسب، بل إنه يمهد الطريق أيضا لذلك النوع من التفاهم مع إيران الذي يشكل ضرورة أساسية لأي تحركات دبلوماسية واسعة للسيطرة على العنف الذي يجتاح منطقة غرب آسيا ووقفه في نهاية المطاف.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك