حمزة إسماعيل أبو شنب

حمزة إسماعيل أبو شنب

باحث ومحلل سياسي مختص بالشأن الفلسطيني


فحوى اللقاءات
خطوة غير كافية
عود على بدء
علاقات بلا ثمن
الآفاق المستقبلية

خطت حماس خطوة أولى نحو تحسين علاقتها مع المملكة العربية السعودية، بعد محاولاتها المتعددة لإعادة الدفء للعلاقات عقب انقطاع دام ثلاث سنوات وفتور منذ أحداث يونيو/حزيران 2007، حينما اعتبرت السعودية أن حماس نكثت باتفاق مكة.

وتأتي الخطوة الحمساوية في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة بُعيد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وتصاعد حدة الصراع الطائفي، مما أثار التساؤلات حول ما إن كانت حماس ترغب في أن تكون جزءا من المحور السعودي بعد خروجها من دمشق وضعف العلاقة مع طهران.

لم تحمل الزيارة بعدا سياسيا أثناء التنسيق لها، لكن حماس اجتهدت في تمرير أجندتها خلال زيارتها الدينية، لتحقق اختراقا يسهم في تخفيف الحصار عنها، وأضفت عليها صبغة سياسية تتوافق ورؤية حماس لطبيعة العلاقة مع السعودية.

لم تحمل لقاءات حماس والعاهل السعودي وولي عهده أي بعد سياسي، واقتصرت على لقاء معايدة قصير جدا في اليوم الأول لعيد الفطر، طلبت فيه حماس لقاء لمناقشة الأوضاع السياسية وما يهم الطرفين، وقد وعد الملك سلمان بترتيب اللقاء في أقرب وقت ممكن

فمنذ انطلاقتها، سعت حماس لفتح قنوات اتصال مع المملكة، اعتقادا منها بأن المضمون الفكري لسياستيهما يؤهلهما للتوافق في العديد من القضايا المتعلقة بالساحة الفلسطينية، لكن الزيارة لم تحقق خطوات عملية قد تنعكس إيجابا على أرض الواقع في ظل ما يشهده ملف المصالحة الفلسطينية من جمود، واستمرار الحصار على قطاع غزة، مع تزايد الملاحقات الأمنية لعناصر حماس في الضفة الغربية.

فحوى اللقاءات
لم تحمل لقاءات حماس والعاهل السعودي وولي عهده أي بعد سياسي، واقتصرت على لقاء معايدة قصير جدا في اليوم الأول لعيد الفطر، طلبت فيه حماس لقاء لمناقشة الأوضاع السياسية وما يهم الطرفين، وقد وعد الملك سلمان بترتيب اللقاء في أقرب وقت ممكن.

وقد حمل لقاء وفد حماس مع وزير الدفاع وولي ولي العهد محمد بن سلمان في طياته شكرا سعوديا على موقف الحركة المؤيد لعاصفة الحزم، لكنه لم يحمل أية إجابة على استفسارات حماس المتعلقة بالمصالحة الفلسطينية، والحصار المفروض على قطاع غزة، وملف التهدئة مع الاحتلال، بقدر الحديث عن الأوضاع السعودية.

لكن اللقاء الأكثر حيوية وإيجابية بالنسبة لحماس، هو اللقاء الذي جمع وفدها ومدير الاستخبارات السعودي، فنقلت عبره روايتها لملف المصالحة، ورغبتها في إحياء اتفاق مكة2، وأطلعته على مجريات حواراتها مع توني بلير حول التهدئة في قطاع غزة، وتمخض عن اللقاء استصدار عفو ملكي للإفراج عن كافة معتقلي حماس في السعودية، عقب دورهم في جمع الأموال أثناء العدوان على غزة عام 2014، ويعد أحدهم من قيادات الصف الأول في حركة حماس.

خطوة غير كافية
مثلت الزيارة خطوة إيجابية في رفع الحظر عن استقبال قيادات حماس في السعودية، ووقف ملاحقة مؤيديها داخل المملكة، لكن ذلك يبدو غير كاف في ظل التعقيدات الإقليمية والرغبة السعودية في تشكيل محور سني، مع اشتداد البعد الطائفي في المنطقة العربية، والمواجهة العسكرية غير المباشرة بين السعودية وإيران في اليمن، وخطواتها نحو تخفيف الاحتقان مع الإخوان المسلمين.

فحماس في هذه المرحلة لا تحتاج فقط إلى استقبال وتحسين علاقات، بقدر حاجتها إلى خطوات جريئة من المملكة لدعمها وتخفيف الحصار عنها، ولم يعد كافيا تقديم الدعم الإنساني عبر المؤسسات الدولية، فالمقاومة بترسانتها العسكرية تحتاج إلى من يقف معها، وعلى الرأي العام العربي عامة والسعودي خاصة إن كانا يرغبان في عدم رؤية قادة حماس في طهران، فعليهما توفير البديل الدائم لها.

صحيح أن السعودية لن تغير إستراتيجيتها تجاه قضية فلسطين، لكن بإمكانها إطلاق العنان للشعب السعودي ليقدم دعمه للمقاومة دون قيد أو شرط، كما سمحت للشعب السعودي بتقديم الدعم لسوريا.

اللقاء الأكثر حيوية وإيجابية بالنسبة لحماس هو اللقاء الذي جمع وفدها ومدير الاستخبارات السعودي، فنقلت عبره روايتها لملف المصالحة، ورغبتها في إحياء اتفاق مكة2، وأطلعته على مجريات حواراتها مع توني بلير حول التهدئة في قطاع غزة، وتمخض عنه استصدار عفو ملكي للإفراج عن معتقليها

عود على بدء
سعت السعودية لفتح قنوات اتصال مع حماس منذ انطلاقتها لدورها في الانتفاضة الأولى عام 1987، وحالة الاستياء والغضب من موقف قيادة منظمة التحرير المؤيد لاحتلال العراق لدولة الكويت، وتطورت العلاقات بينهما، حيث سمحت السعودية لحماس بفتح مكتب لها في جدة، كما قدمت السعودية لحماس دعما ماليا رسميا مرتين، كان الأول عام 1988، والثاني أثناء زيارة الشيخ أحمد ياسين عام 1998، والتي حظيت باهتمام رسمي وإعلامي واسع، وتركت لحماس الحرية في جمع التبرعات من مواطنيها، وإن فرضت على ذلك بعض الضوابط بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وقد أثرت التطورات السياسية على طبيعة العلاقة بين السعودية وحركة حماس، كاعتماد السعودية خيار التسوية، وطرحها المبادرة العربية التي لم توافق عليها حماس، كذلك انفتاح حماس على إيران، وانعكس موقف الملك الراحل عبد الله من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل إثر انهيار اتفاق مكة، وما تلاه من عداء المملكة للإخوان المسلمين، وحظرهم في السعودية، ودعمها الانقلاب العسكري في مصر، على علاقتها مع حماس.

ونتيجة لذلك، لم تقف موقف الداعم لها في عدوان 2014، وشنت حملة اعتقالات طالت العديد من نشطاء وقيادات حماس البارزين في السعودية، وعلى الرغم من حالات المد والجزر في العلاقات، فإنه بدا واضحا من سياق تطورها أن الطرفين لا يريدان الوصول إلى القطيعة التامة.

علاقات بلا ثمن
ثمة تساؤلات عدة حول حرص حماس على بناء علاقات جيدة مع السعودية رغم ما شابها من شوائب، فالسعودية -على المستوى الجماهيري- تشكل حاضنة شعبية متينة لحماس، اعتمدت عليها منذ تأسيسها كخط إمداد مالي لم ينقطع رغم توتر العلاقات الرسمية مع المملكة.

وعلى الصعيد الرسمي، يمثل الطابع الإسلامي للسياسة السعودية دافعا لكافة الحركات الإسلامية -بما فيها حماس- لبناء علاقات جيدة مع المملكة، كذلك الدور المركزي الذي تلعبه السعودية على الساحة العربية، كما أن الخلفية الدينية التي تركن إليها السعودية تجعلها غير قادرة على تأييد أي اتفاق سلام مع "إسرائيل"، وتحمل فاتورته التطبيعية دون حل مقبول في العالم الإسلامي لقضية القدس، فأي حل يُفرض ولا يناسبها يجعلها تستدعي علاقاتها مع حماس.

وعلى الرغم من رؤية السعودية لحل قضية فلسطين عبر الطرق السلمية والمنظمات الدولية، فإنها لم تطلب يوما من حماس أي ثمن سياسي، أو دعم توجهات المملكة نحو مؤتمر مدريد، أو قبولها المبادرة العربية للسلام التي طرحت عام 2002، ولم تعارض نهج حماس في العمل المسلح، وإن كانت طلبت منها منذ البداية محاولة الابتعاد عن استخدام السلاح في مواجهة "إسرائيل".

ورغم مشاركة السعودية في مؤتمر شرم الشيخ عام 1996، الذي لم يكن وديا تجاه المقاومة الفلسطينية، فإن ذلك لم يمنعها من استقبال الشيخ أحمد ياسين، وحث العاهل السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز الشيخ ياسين على الاستمرار على نهجه، وعدم التعويل على النظام العربي الرسمي.
مثلت هذه المواقف دافعا دائما لحركة حماس للإبقاء على ود علاقتها مع السعودية، وظل الإعلام بعيدا عن الخوض في تفاصيل الخلاف، وحافظت حماس على الصورة الحسنة للسعودية أمام الجمهور الفلسطيني.

الآفاق المستقبلية

تبقى السعودية دولة مهمة بالنسبة لحماس، والعلاقات معها تكسر العزلة العربية الرسمية على الحركة بعد إعلان الحرب على حركات "الإسلام السياسي"، وتلتقي حماس والسعودية في ملفات المصالحة وإعادة الإعمار، وتتباين في ملفات المقاومة المسلحة والحل السلمي
ستعود العلاقات بين حماس والسعودية إلى ما كانت عليه قبل اتفاق مكة، فالسعودية لا تمانع في إجراء المصالحة بين حماس وفتح وإعادة عقد اتفاق جديد بينهما، وقد أبلغت الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر أنه لا مانع لدى العاهل السعودي من توجيه دعوة لكل من فتح وحماس لإتمام المصالحة، لكن جهدها اصطدم بموقف الرئيس عباس الذي رفض التخلي عن الدور المصري.

كما لا تمانع السعودية في عقد اتفاق وقف إطلاق نار في غزة بين حماس و"إسرائيل" بوساطة أوروبية، وقد أبلغت توني بلير بذلك، وأوفدت مبعوثا زار قطاع غزة سرا قبل شهرين، لترتيب آليات تقديم الدعم السعودي لإعادة إعمار قطاع غزة.

وعلى الرغم من موقفها المبدئي من المصالحة والتهدئة، فإن ذلك لن يكون على حساب علاقتها بالسلطة الفلسطينية بزعامة عباس، وستبقى تعتبره بوابتها للملف الفلسطيني، وقد ترهن خطواتها مع حماس بعلاقة الحركة مع طهران، وستستفيد حماس من وقف التحريض المستمر عليها من قبل السلطة لدى دوائر صنع القرار في السعودية، وسيحافظ الطرفان على دفء العلاقة.

فحماس تحتاج السعودية رسميا وشعبيا، وتسعى السعودية لئلا يؤخذ عليها قطيعتها مع حركة لها امتداد جماهيري عربي وإسلامي واسع، ولن تحدث تحولا إستراتيجيا نحو العلاقة مع حماس كتقديم الدعم المالي والعسكري المباشر لها، إنما ستبقى على دعم جهودها الإنسانية والخطوات السياسية.

وتبقى السعودية دولة مهمة بالنسبة لحماس، والعلاقات معها تكسر العزلة العربية الرسمية على الحركة بعد إعلان الحرب على حركات "الإسلام السياسي"، وتلتقي حماس والسعودية في ملفات المصالحة وإعادة الإعمار، وتتباين في ملفات المقاومة المسلحة والحل السلمي.

إن هدف الزيارة هو ترتيب علاقات حماس مع السعودية، وترتيب البيت الفلسطيني، ولا تمثل الزيارة بديلا عن العلاقات مع إيران أو غيرها من الدول، لأن حماس حركة تحرر، تتعامل مع كل من يدعمها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك