حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


السياق الفكري والأيديولوجي
عولمة الجهاد الأفريقي
الوجه الأفريقي لداعش

لقد استطاعت جماعة بوكو حرام أن تسيطر على مساحة كبيرة من أقاليم شمال نيجيريا تعادل مساحة بلجيكا، وهو ما دعا زعيم الجماعة أبو بكر شيكاو في أغسطس/آب 2014 إلى إعلان دولة الخلافة في نيجيريا.

على أن التحول الفارق في مسيرة الحركات الجهادية الأفريقية بشكل عام واتجاهها نحو العالمية تمثل في إعلان بوكو حرام البيعة لزعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي في مارس/آذار 2015. ومن المعلوم أن بوكو حرام التي تعرف في أدبيات الجماعة الرسمية باسم "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد" تتبنى نفس الوسائل العنيفة التي يستخدمها "داعش" في مواجهة الدول والجماعات غير السنية، فضلا عن سعيها للتوسع صوب النيجر والكاميرون وتشاد.

وإذا كان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا يتعرض لحملة عسكرية من قبل قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة فإن بوكو حرام التي أضحت تشكل ولاية غرب أفريقيا في دولة الخلافة تتعرض لحملة عسكرية من قبل قوات أفريقية متعددة الجنسيات. فقد دعم الاتحاد الأفريقي إنشاء قوة إقليمية مشتركة قوامها 7500 جندي من مجموعة حوض بحيرة تشاد والتي تضم الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا وبنين.

إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا يتعرض لحملة عسكرية من قبل قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة فإن بوكو حرام التي أضحت تشكل ولاية غرب أفريقيا في دولة الخلافة تتعرض لحملة عسكرية من قبل قوات أفريقية متعددة الجنسيات

وثمة تقديرات متباينة بين الباحثين حول أهمية وتبعات هذا التحالف المعلن بين كل من بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية. وسوف يسعى هذا المقال إلى تحليل أوجه الشبه والاختلاف بين التنظيمين من حيث السياق المجتمعي والأسس الفكرية والمعرفية من جهة والتبعات المترتبة على ذلك من حيث المكاسب والمنافع للطرفين من جهة أخرى.

السياق الفكري والأيديولوجي
لعل ما يميز جماعة بوكو حرام التي تعني حرفيا بلغة الهوسا "التعليم الغربي حرام" أنها قامت على أسس أيديولوجية مناهضة للغرب وحضارته المادية وذلك تحت تأثير قوي لآراء الزعيم المؤسس محمد يوسف الذي رفض تفسيرات التطور العلمي لبعض الظواهر الطبيعية مثل سقوط الأمطار.

وكانت الجماعة في سنواتها الأولى يُطلق عليها اسم "طالبان نيجيريا" نظرا لمحاولتها تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل صارم يختلف عن الإطار السياسي الذي تم بمقتضاه تطبيق الشريعة في 12 ولاية نيجيرية عام 1999.

على أن التحول في الفكر الجهادي لجماعة بوكو حرام يوازي نفس مسيرة التحول الذي حدث لمؤسس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. ففي أعقاب مقتل الشيخ محمد يوسف على أيدي قوات الأمن النيجيرية عام 2009 أعلنت قيادة الجماعة على لسان زعيمها المؤقت ساني عمر أنها نموذج لتنظيم القاعدة في أفريقيا، كما أنها تدين بالولاء لأسامة بن لادن.

ولعل ذلك يعيد إلى الأذهان المرحلة التي ارتبط فيها أبو مصعب الزرقاوي بتنظيم القاعدة في العراق. وقياسا على تحولات كل من الزرقاوي وأبو عمر البغدادي ونزوعهما إلى التكتيكات العنيفة تجاه الأعداء من أجل إنشاء الدولة الإسلامية فقد أضحت بوكو حرام تحت قيادة أبو بكر شيكاو أكثر عنفا وميلا لتكفير كل من الدولة والمجتمع في نيجيريا.

وتمثل تقاليد الجهاد من أجل بناء دولة الخلافة الإسلامية في الشمال النيجيري تحت قيادة الشيخ عثمان دان فوديو في القرن التاسع عشر أحد المؤثرات الفكرية المهمة في أيديولوجية بوكو حرام.

ففي أحد التسجيلات المصورة التي بثتها الجماعة في فبراير/شباط 2015 قال أبو بكر شيكاو "إن بعض علماء الدين لا يعلمون كيف كانت مملكة عثمان دان فوديو وكيف كان يحكم باتباع القرآن".

وعليه يمكن تصور بوكو حرام -كما هو الحال بالنسبة لتنظيم داعش- باعتبارها إحدى مراحل التحول في الفكر الجهادي في غرب أفريقيا. إنها تستعيد كذلك خبرة وتقاليد "جماعة إقامة السنة وإزالة البدعة" التي أسست في السبعينيات وفقا لتعاليم كبير القضاة الشيخ أبو بكرغومي والمستوحاة من تقاليد المدرسة السلفية الوهابية.

ومن جانب آخر فهي تعكس روح التمرد العنيف الذي قادته حركة الإسلام الثوري (ميتاتساين Maitatsine) في ثمانينيات القرن الماضي والتي نظرت إلى سلطة الدولة العلمانية في نيجيريا باعتبارها غير شرعية.

وبشكل عام يمكن القول إن ما يجمع كل هذه الجماعات الجهادية يتمثل في الهدف العام المشترك وهو إقامة الشريعة ولكن ما يفرق بينها هو الأسلوب والوسيلة. فالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لعموم نيجيريا، وهو الهيئة الرسمية تحت قيادة سلطان سوكوتو يسعى إلى تطبيق الشريعة ولكن في سياق الدولة القائمة.

كما أن جماعة الشيخ أبو بكر غومي السلفية التي ناصبت التنظيمات الصوفية العداء وسعت إلى تطبيق الشريعة لم تحارب التعليم الغربي مثل بوكو حرام، ولكنها نظرت إليه بحسبانه وسيلة للارتقاء بالمجتمعات المسلمة بما يقضى على أوضاع عدم المساواة بينهم وبين المسيحيين في نيجيريا.

تبنت بوكو حرام ابتداء من عام 2011 إستراتيجية "الذئاب المنفردة"، أو إن شئت الدقة فقل "الكلاب الضالة" لتنفيذ عمليات انتحارية، وهو ما جعلها أكثر ارتباطا بالقاعدة في ذلك الوقت. وقد شهد عام 2015 تزايدا ملحوظا في عمليات بوكو حرام الانتحارية، ولا سيما من خلال استخدام الفتيات الصغيرات السن. ولا شك أن هذا المتغير المرتبط بتجنيد النساء يمثل تحولا تكتيكيا فارقا في عمليات بوكو حرام حيث إنه يضاعف من نسب نجاح العمليات.

إذا كانت قضايا التهميش والطائفية في العراق بعد صدام حسين تفسر صعود التنظيمات الجهادية السنية ومنها تنظيم الدولة الإسلامية، فإن قضايا الإثنية والتدهور الاقتصادي في نيجيريا بعد الاستقلال تساعد في فهم البيئة التي ظهرت فيها بوكو حرام

وإذا كانت قضايا التهميش والطائفية في العراق بعد صدام حسين تفسر صعود التنظيمات الجهادية السنية ومنها تنظيم الدولة الإسلامية فإن قضايا الإثنية والتدهور الاقتصادي في نيجيريا بعد الاستقلال تساعد في فهم البيئة التي ظهرت فيها بوكو حرام.

إن إعلان أبو بكر شيكاو مدينة "جوزا" في ولاية بورنو عاصمة لدولة الخلافة وهي معقل شعب الكانوري إنما يمثل تحديا للسلطة التقليدية التي تمتعت بها نخبة الهوسا والفولاني في الشمال النيجيري، كما أن هجوم بوكو حرام على ولايات الشمال الغربي في كانو وكادونا ومناطق الحزام الأوسط إنما يستهدف جماعة "أنصار المسلمين في بلاد السودان"، وهي جماعة منشقة عن بوكو حرام منذ عام 2012.

لعل أبرز ما يميز بوكو حرام عن الدولة الإسلامية يتمثل في السياق الثقافي والاقتصادي الذي يشكل بيئة حاضنة لـ"التطرف الديني" في نيجيريا. ففي السياسة النيجيرية بعد الاستقلال تتداخل قضايا الدين والإثنية والإقليمية. فكل شعوب الهوسا التي تقطن الشمال تدين بالإسلام. وكل قبائل الإيبو الذين يتركزون جغرافيا في الشرق مسيحيون. كما أن قبائل اليوروبا التي تتركز بشكل رئيسي في غرب نيجيريا يتوزع أفرادها بين الإسلام والمسيحية. وعليه فقد كانت سياسات الاستقطاب الطائفي والعرقي هي السائدة في مرحلة ما بعد الاستقلال.

وقد نظرت قبائل الهوسا بعين الشك للتعليم الغربي وهو ما دفعها للتمسك بالمدارس القرآنية والتربية الإسلامية الأساسية. أضف إلى هذا المكون الثقافي والعرقي البعد الاقتصادي. فقد أدت الثروة النفطية إلى خلق أوضاع حادة من عدم المساواة الاقتصادية ليس فقط بين الطبقات الاجتماعية ولكن أيضا بين المناطق والجماعات العرقية والطوائف الدينية في نيجيريا.

عولمة الجهاد الأفريقي
لم تكن بوكو حرام قبل إعلانها البيعة لتنظيم الدولة الإسلامية إلا حركة جهادية نيجيرية تسعى إلى إقامة دولتها الإسلامية التي تطبق الشريعة وفقا لرؤى تفسيرية ضيقة.

بيد أن إعلان البغدادي لدولة الخلافة الإسلامية بمفهوم أممي يحاكي الخبرة الإسلامية التاريخية قد أسهم في تحول بوكو حرام إلى تبني فكر الحركة الجهادية العالمية. وعليه فإن التحالف مع تنظيم الدولة الإسلامية سوف يحقق مكاسب كبرى لجماعة بوكو حرام من حيث ذيوعها دوليا وتوفير مصادر جديدة للتجنيد والتمويل وهو ما تحتاجه الجماعة بشدة.

إن أبو بكر شيكاو زعيم بوكو حرام يسعى من وراء اندماجه في الدولة الإسلامية إلى الحصول على مزايا عديدة لعل من أبرزها كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات والأموال وفرص التدريب. ولا شك أن قبول بيعة بوكو حرام يعني اعترافا قويا بها في دوائر الحركات الجهادية العالمية وهو ما يسمح لها بزيادة قاعدة التأييد في صفوف الجماعات الجهادية الناشطة في أفريقيا.

لقد كانت جماعة بوكو حرام تعتمد على أسلوب الاختطاف مقابل الحصول على الفدية المالية فضلا عن استيلائها على الأموال العامة في المناطق التي تسيطر عليها. كما أنها لجأت إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب العربي للحصول على المساعدة المادية مقابل القيام بهجمات على أهداف محددة في منطقة الساحل الأفريقي. أما اليوم فإنها تنظر إلى المدد الوفير من عاصمة الخلافة في العراق حيث يُعد تنظيم الدولة الإسلامية أغنى الجماعات الجهادية التكفيرية في العالم.

الوجه الأفريقي لداعش
لعل السؤال الأبرز يتمثل في دوافع أبو بكر البغدادي لقبول بيعة بوكو حرام في بلاد الغرب الأفريقي؟ لا شك أن إعلان تأسيس ولاية غرب أفريقيا يمثل الخطوة الأولى الحقيقية لتمدد الدولة الإسلامية ووصولها إلى أفريقيا دون دفع ثمن باهظ. إذ تسيطر بوكو حرام على مساحة كبيرة من الأراضي في شمال نيجيريا كما أنها تسعى إلى ضم مزيد من الأراضي في النيجر والكاميرون وتشاد.

وتسعى الدولة الإسلامية إلى تحقيق حلمها الإستراتيجي بالسيطرة على الجبهة الأفريقية والتي تظهرها خرائط التنظيم تحت ثلاث ولايات أساسية هي ولاية أرض الكنانة (والتي تشمل مصر وشرق ليبيا وشمال السودان وبعض أجزاء من تشاد) وولاية الحبشة في شرق أفريقيا وولاية غرب أفريقيا.
هناك دوافع وعوامل مفسرة لتحالف بوكو حرام وتنظيم الدولة إذ تسعى بوكو حرام للحصول على الدعم المادي واللوجستي والتدريب في مجال الإعلام واستخدام مهارات الدعاية، فيما يسعى البغدادي للظفر بجبهة أفريقية تمده بأرض ورجال

ويأمل البغدادي أن انضمام بوكو حرام سوف يشجع الجماعات الجهادية السنية الأخرى على إعلان البيعة والانضمام إلى الدولة الإسلامية. فمن المعلوم أن بوكو حرام كانت لها روابط غير خافية مع تنظيمات جهادية مثل القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي وأنصار المسلمين في نيجيريا والشباب المجاهدين في الصومال، وهي تنظيمات تشترك جميعها في نفس الهدف العام وهو إقامة الدولة الإسلامية عن طريق الجهاد العنيف. وفي حالة تحقيق البيعة من قبل هذه الجماعات فإن دولة الخلافة الإسلامية سوف تتمدد لتشمل وسط وشرق أفريقيا.

ولا يخفى أن ثمة هدفا نفسيا ودعائيا يمكن استخدامه والترويج له من قبل الآلة الإعلامية الضخمة للدولة الإسلامية وهو أن إعلان البيعة من قبل بوكو حرام إنما يعني أن الدولة الإسلامية تحقق فعلا شعارها "باقية وتتمدد". ولعل ذلك يساعد على تحقيق المصداقية بين صفوف الحركات الجهادية العالمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهميش التنظيمات الجهادية المنافسة للدولة الإسلامية.

واستنادا إلى التحليل السابق نستطيع القول إن ثمة دوافع وعوامل مفسرة لتحالف كل من بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية. إذ تسعى بوكو حرام إلى الحصول على الدعم المادي واللوجستي فضلا عن التدريب في مجال الإعلام واستخدام مهارات الدعاية، وهو أمر تتفوق فيه الدولة الإسلامية.

وفي المقابل فإن أبو بكر البغدادي يسعى لتحقيق الفوز غير المكلف بالجبهة الأفريقية ما يساعده على كسب مزيد من الأراضي والأتباع من المجاهدين السنة في كافة أنحاء أفريقيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك