محمد أبو رمان

محمد أبو رمان

باحث مساعد في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية


أخطبوط أم فيروس أيديولوجي؟
دلالات وتداعيات

لم تعد هنالك شكوك كبيرة في ارتباط العمليات الثلاث الأخيرة يوم الجمعة 26 يونيو/حزيران الماضي في كل من الكويت وتونس وفرنسا، والتي أسفرت عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، بقرار مركزي من قبل تنظيم الدولة الإسلامية بتصعيد الهجمات في الخارج، خلال شهر رمضان، خاصة بعد خطاب الناطق باسم التنظيم أبو محمد العدناني (في ذكرى مرور عام على إعلانهم الخلافة) بعنوان "يا قومنا أجيبوا داعي الله".

خطاب العدناني تضمن محاور مهمة ورئيسية أبرزها: التأكيد على الصيغة الطائفية للصراع الحالي في المنطقة بين السنة والشيعة، بوصف التنظيم هو الممثل أو المدافع عن المجتمعات السنية، والتأكيد على استمرار الدولة وصمودها في الحرب الراهنة، والدعوة إلى تصعيد الهجمات في شهر رمضان محددا قائمة الأهداف بثلاثة محاور واسعة: الشيعة، والمرتدين (الحكومات العربية)، والصليبيين (الحكومات الغربية).

الضربات الأخيرة كانت مختلفة هذه المرة عن العمليات الخارجية السابقة للتنظيم من زاوية التزامن والتوقيت بين العمليات التي تم تنفيذها، وهو تطور نوعي خطير في شبكة المتأثرين والأتباع، وقدرة التنظيم على التجنيد والدعاية الإعلامية والسياسية

التزامن والتوقيت كان دلالة رئيسية على قرار التنظيم، ثم جاء تبني التنظيم رسميا لهجمتي الكويت ضد مسجد الإمام الصادق والفندق في تونس ليؤكد هذا الاستنتاج، بالإضافة إلى تأكيد المسؤولين الفرنسيين على وجود صلة بين تفجير ليون والتنظيم.

الضربات الأخيرة كانت مختلفة هذه المرة عن العمليات الخارجية السابقة للتنظيم من زاوية التزامن والتوقيت بين العمليات التي تم تنفيذها، وهو تطور نوعي خطير في شبكة المتأثرين والأتباع، وقدرة التنظيم على التجنيد والدعاية الإعلامية والسياسية، وهو -من زاوية أخرى- رسالة موجهة إلى تنظيم القاعدة بأن التنظيم هو من أصبح يمثل اليوم الطرف الفاعل والحيوي في شبكات السلفية الجهادية وعملها العالمي.

أخطبوط أم فيروس أيديولوجي؟
من خلال تتبع العمليات التي يقوم بها التنظيم داخليا (في سوريا والعراق) وخارجيا، فمن الواضح أنه يعتمد على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: هو ما يقوم به الجهاز العسكري والأمني للتنظيم داخل العراق وسوريا، ويعتمد في هذه العمليات على آلاف العناصر المنتمين للتنظيم، وعلى حرب العصابات والسيطرة المكانية وتكتيكات معينة، مثل المفخخات والانغماسين والانتحاريين وفرق الاغتيالات الأمنية والمعارك المسلحة.

ومن سير المعارك المحتدمة في كل من العراق وسوريا أصبح واضحا أن التنظيم يمتلك ما يشبه الجيش الهجين المدرب، الذي يمزج بين نمط الجيوش النظامية من جهة وحرب العصابات من جهة أخرى.

أما المستوى الثاني: وهو الذي تبدى في عمليتي الكويت وتونس، ففيه يعتمد التنظيم على الفروع التي أعلنت مبايعته والانضمام إليه، ففهد القباع، وفقا لبيان التنظيم بعد العملية، ينتمي إلى ما يسمى فرع التنظيم في نجد، وسيف الرزقي ينتمي إلى فرع التنظيم في تونس، بعد أن كانت مجموعة من "عقبة بن نافع" (الجناح العسكري لأنصار الشريعة) أعلنت سابقا مبايعة أمير التنظيم البغدادي.

بالإضافة إلى هذين الفرعين، هنالك مجموعات أخرى أعلنت بيعة البغدادي أبرزها جماعة أنصار بيت المقدس، التي أصبح اسمها "ولاية سيناء- تنظيم الدولة الإسلامية"، وليس مؤكدا بعد ما إذا كانت هذه المجموعة هي المسؤولة عن اغتيال النائب العام المصري هشام بركات، وإن كانت مجموعة محلية تطلق على نفسها "المقاومة الشعبية في الجيزة" أعلنت مسؤوليتها عن العملية، لكن هنالك شكوكا وتساؤلات كبيرة تدور حولها، فيما لم يتبن الفرع المصري لتنظيم الدولة رسميا مسؤوليته عنها، وهو مؤشر أساسي في تحديد الجهة التي قامت بالعملية، وإن كان الفرع المصري قد نشط خلال الأيام القليلة الماضية بعمليات أدت إلى مقتل عشرات الجنود المصريين، فيما يبدو أنه جزء من مشروع التصعيد الرمضاني، الذي يتبناه تنظيم الدولة المركزي.

السمة البارزة لعمليتي الكويت وتونس أن المنفذين لم يكونا محلا للمراقبة الأمنية المكثفة، وليسا من أصحاب التاريخ المعروف مع هذه الجماعات، وليس لديهم سجل خاص مميز، وربما هذا بحد ذاته يخلق صعوبات شديدة في التعامل مع هذا النوع من عمليات التنظيم، فقدرة الدعاية الإعلامية للتنظيم في التجنيد واكتساب أنصار جدد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات أصبحت غير مسبوقة مقارنة بأي جماعة أو تنظيم آخر، حتى القاعدة نفسها.

فقد بات يصل إلى شريحة اجتماعية واسعة طوّرت وسائل اتصالها وتشابكها وتجنيدها، ونمط عملياتها ووسعت من دائرة أهدافها الناعمة لتشمل الشيعة والمناطق السياحية والفنادق والأهداف الغربية أيا كانت، وأصبحت أقل تعقيدا، مما يجعل من اكتشافها من قبل الأجهزة الأمنية، مهما بلغت كفاءتها وقدراتها، أكثر تعقيدا وصعوبة.

ذلك ينقلنا إلى المستوى الثالث من عمليات التنظيم الخارجية، وهو الأكثر انتشارا، ويطلق عليه "الذئاب المنفردة"، وهو على الأغلب المستوى الذي حكم عملية فرنسا الأخيرة، التي قام بها ياسين صالحي -بالتزامن مع عمليتي الكويت وتونس- في مدينة ليون.

ارتبط نموذج "الذئاب المنفردة" بتطوير عمل شبكة القاعدة في الأعوام الأخيرة، وازدياد اعتمادها على العالم الافتراضي في التجنيد والتنظيم، وخاصة مع فرع القاعدة في الجزيرة العربية، والدور الملحوظ لأحد أبرز منظريه في اليمن أنور العولقي

ارتبط نموذج "الذئاب المنفردة" بتطوير عمل شبكة القاعدة في الأعوام الأخيرة، وازدياد اعتمادها على العالم الافتراضي في التجنيد والتنظيم، بخاصة مع فرع القاعدة في الجزيرة العربية، والدور الملحوظ لأحد أبرز منظريه في اليمن أنور العولقي (الذي قُتل في 2011 بغارة أميركية)، إذ كان له دور كبير في التأثير على عدد من الأشخاص، ممن قاموا بتنفيذ أو محاولة تنفيذ عمليات نوعية في أميركا، مثل الطبيب نضال مالك في الجيش الأميركي، الذي قتل في ولاية تكساس عددا من الجنود الأميركيين، وفيصل شاهزاد وعمر الفاروق.

كان العولقي قد نقل خطاب القاعدة نقلة كبيرة عبر تأسيس مجلة إلهام الإلكترونية باللغة الإنجليزية، ورفع مستوى الدعاية والتجنيد في أوساط الشباب العربي والمسلم في الغرب، وأصبح أكثر قدرة على التجنيد مقارنة بالقاعدة سابقا عبر الإنترنت، فأصبح نمط العمليات يقوم على ما يسمى بـ"الجهاد الفردي"، أي الاعتماد على أفراد للقيام بعمليات انتقام ضد المصالح الغربية.

ورث تنظيم الدولة الإسلامية هذا النمط (العمل الفردي) والاهتمام بالدعاية في وسط المجتمعات الغربية تحديدا، لكنه تفوق كثيرا في قدراته في هذا المجال على القاعدة نفسها، فأصبح يخصص مجلة دابق باللغة الإنجليزية، ويصدر العديد من إنتاجاته الإعلامية بهذه اللغة، ويستخدم أشخاصا انضموا إليه ودرسوا في الغرب لبناء هذا الخطاب وتقديمه، وتجنيد الأتباع والأنصار والمتأثرين عبر شبكة الإنترنت.

وقد حقق بذلك اختراقا غير مسبوق في أعداد المتأثرين به والمنتسبين إليه من الغرب، من المواطنين المسلمين هناك، وممن تحولوا من الديانة المسيحية، وتفوق في القدرة على اجتذاب الشباب والفتيات، ممن التحقوا به في العراق وسوريا، أو ممن أصبحوا يحملون أفكاره وأيديولوجيته ويدعون إليها في بلادهم.

وتعد عمليات فرنسا التي قام بها سعيد ورشيد كواشي وأحمد كوليبالي في بداية هذا العام من أبرز النماذج على هذا النمط، وقبل ذلك كانت عمليات شبيهة أقل تأثيرا، عندما قام سائق بدهس مارة، وحاول أحدهم طعن رجال شرطة في فرنسا أيضا.

وكذلك جرت عملية اقتحام المقهى في سيدني في أستراليا، والتي قام بها هارون مؤنس أواخر العام الماضي، وقيام كنديين أسلما بعمليتين منفردتين ضد البرلمان والشرطة بعدما ظهرت عليهما علامات التأثر بداعش، وحالت السلطات الكندية دون سفرهما خارج البلاد خوفا من الالتحاق بالتنظيم.

لم يعد الأمر بحاجة إلى مراحل متطورة ومعقدة وطويلة من التجنيد والدعاية للتأثير على الأفراد، كما كانت الحال مع القاعدة سابقا، فأصبحت دعاية هذا التنظيم أكثر سرعة وتأثيرا، فهي أشبه بالفيروس الأيديولوجي الذي ينتقل عبر شبكة الإنترنت، إذ تُظهر عشرات الحالات في الغرب، ممن تأثروا بهذا التنظيم أو ممن التحقوا به في العراق وسوريا، السرعة الملحوظة في عمليات التأثير والتجنيد.

بالطبع للعالم الافتراضي دور محوري وكبير في هذه النقلة الكبيرة، لكن ذلك مرتبط بشروط أخرى، منها ازدياد عدد المتأثرين به من الذين يعيشون في الغرب، مما يسهل عملية نقل الأيديولوجيا والأفكار، وقبل هذا وذاك النموذج الذي يقدمه التنظيم في العراق وسوريا ويختلف بنيويا عن نموذج القاعدة، فهو يرتكز على قيمة القوة المفرطة، التي تستهوي جيلا كبيرا من الشباب، والسيطرة على أرض جغرافية وإقامة نموذج بديل للنماذج العربية والغربية السائدة، وهو نموذج وإن كان يبدو لكثير منا متطرفا ومتوحشا وخارج روح العصر، إلا أنه يمثل لجيل آخر مجالا خصبا للبحث عن الهوية والذات في عصر العولمة والحداثة في الغرب والانسداد الديمقراطي والدكتاتوريات في العالم العربي الإسلامي!

دلالات وتداعيات

ما هو أخطر من التنظيم في العراق وسوريا هو النموذج الأيديولوجي الذي يقوم عليه التنظيم، وينتشر عبر فروعه ومؤيديه في العالم، فمثل هذه العمليات التي تذهب نحو الأهداف الناعمة لن تكون تحت السيطرة الأمنية بالكامل، أيا كانت كفاءة الأجهزة الأمنية والتقنيات التي تمتلكها

ثمة إشارات مهمة مرتبطة بطبيعة وتوقيت العمليات الثلاث (في الكويت وتونس وفرنسا)، في مقدمتها أن العمليات تحمل "المشهد الأول" لبناء قدرات تنسيق عالمية بين المستويات الثلاثة المرتبطة بالتنظيم، المركز مع الفروع مع الخلايا المختلفة و"الذئاب المنفردة"، فهنالك قرار مركزي بالتصعيد والتوقيت وقائمة الأهداف، وربما مباركة العمليات، وهنالك فروع اشتركت فيها (فرع نجد، فرع تونس)، ولاحقا دخل فرع مصر على خط العمليات العسكرية المختلفة في طبيعتها، مقارنة بالعمليات السابقة التي كانت تعتمد غالبا على عمل مستقل للفروع في المناطق التي ينتشرون فيها (مثل مصر وليبيا)، أو عمليات الذئاب المنفردة.

وفقا لهذا الخط البياني، فمن المتوقع أن تكون هنالك نشاطات وعمليات لاحقة، كما حدث في سيناء، وربما نشهد عمليات فردية وللفروع المختلفة، استجابة لنداء العدناني.

مثل هذه العمليات تعزز الحرب المعنوية والإعلامية التي يخوضها التنظيم ضد قائمة خصومه العريضة الواسعة، ويرسل برسائل مهمة إلى من لا يزالون يوالون شبكة القاعدة المركزية بأن الخلايا والفروع والأشخاص الذين يمثلون هذا التيار هم الجيل الجديد الصاعد والأكثر فعالية وتأثيرا، مما قد يدفع بالشباب المتحمسين من السلفية الجهادية ومن خارجها إلى هذا النموذج، بعدما فقدت القاعدة بريقها لدى هذه الشريحة.

الدلالة الأكثر أهمية من كل ما سبق تتمثل في أن ما هو أخطر من التنظيم العسكري في كل من العراق وسوريا هو "النموذج" الأيديولوجي الذي يقوم عليه التنظيم، وينتشر عبر فروعه ومؤيديه في العالم، فمثل هذه العمليات التي تذهب نحو الأهداف الناعمة لن تكون تحت السيطرة الأمنية بالكامل، أيا كانت كفاءة الأجهزة الأمنية والتقنيات التي يمتلكونها.

ولعل ذلك ما يفرض إعادة الاعتبار للتفكير في الحلول الموازية الغائبة عن أغلب المقاربات الراهنة في المواجهة مع داعش، وفي مقدمتها المقاربة الديمقراطية والتنويرية والمدنية التي تمثل السلاح الفعال غير المستخدم بجدية في مواجهة هذا الفيروس أو الأخطبوط.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك