عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني

أرقام محبطة
اعترافات الفشل
بيع الوهم

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى للحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة، وما زال الإسرائيليون يحدثون كشف الحساب الخاص بهم، حول إنجازاتهم وإخفاقاتهم، مكاسبهم وخسائرهم، تقدمهم وتقهقرهم، لكن اللافت أن مرور هذه الذكرى السنوية يتزامن مع الكشف الإسرائيلي التدريجي عن بعض ما أخفي خلال يوميات الحرب.

أرقام محبطة
بعيدا عن مصطلحات النصر والهزيمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لأن المقارنة ليست علمية ولا موضوعية، يمكن القول بكثير من الثقة إن خلاصة حرب غزة التي استمرت 51 يوما هي أن: "إسرائيل لم تنتصر، وغزة لم تنكسر"!

بعيدا عن مصطلحات النصر والهزيمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لأن المقارنة ليست علمية ولا موضوعية، يمكن القول بكثير من الثقة إن خلاصة حرب غزة التي استمرت 51 يوما هي أن: "إسرائيل لم تنتصر، وغزة لم تنكسر"!

السطور التالية تستعرض أهم ما منيت به المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من انتكاسات ميدانية وخسائر عملياتية، أعلنتها في الأيام الأخيرة في ذكرى الحرب، في ضوء ما قدمته المقاومة من أداء قتالي، تمثل بـ: الأنفاق الهجومية، وأسر الجنود، والحرب الإعلامية، والعمليات النوعية، والمواجهة الاستخبارية، والصواريخ والقذائف. وقابله إسرائيليا فشل العملية البرية، وإخفاق القبة الحديدية، وحرب الاستنزاف التي عاشتها الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فضلا عن العجز السياسي في إدارة الحرب.

وقد نشرت الصحف الإسرائيلية في الأيام الأخيرة تفاصيل عن حصاد الخسائر الإسرائيلية جراء 51 يوما من حرب غزة، وبجانب الأضرار المادية هناك أضرار معنوية وإخفاقات إستراتيجية وفشل استخباري.

فقد أسفرت حرب غزة الثالثة التي أسمتها إسرائيل "الجرف الصامد"، عن مقتل 70 إسرائيليا، منهم 65 ضابطا وجنديا سقطوا أثناء المعارك مع المقاومة على حدود غزة عندما حاولت قوات النخبة الإسرائيلية الدخول بريا إلى القطاع.

علما بأن عدد القتلى العسكريين الإسرائيليين في الحرب الأخيرة تضاعف 7 مرات، مقارنة بحرب الرصاص المصبوب في 2008، في حين قُتل 5 مستوطنين بسبب سقوط مئات من صواريخ المقاومة على المستوطنات والمدن الإسرائيلية، وأصيب ما لا يقل عن 2300 إسرائيلي بجراح، أكثر من نصفهم من الجنود.

في حين هاجم سلاح الجو الإسرائيلي في أيام الحرب الخمسين نحو 5085 هدفا في غزة، وجند 80 ألف جندي احتياطي، وسقط أكثر من 4500 صاروخ من غزة تجاه المدن والمستوطنات الإسرائيلية بدءا من مستوطنات غلاف غزة حتى المناطق الشمالية كمدن حيفا وهرتسليا وتل أبيب وغيرها، 220 صاروخا منها سقطت على مبان إسرائيلية.

كما اعترضت القبة الحديدية 708 من الصواريخ فقط من إجمالي عدد الصواريخ، وفشلت في اعتراض 3792 صاروخا، أي أن مستوى أداء القبة لم يتجاوز 16%، وتغطية الصواريخ الفلسطينية وصلت نصف مساحة إسرائيل تقريبا.

التكاليف والخسائر العسكرية الإسرائيلية قدرت بملياري دولار، وبلغت كلفة يوم القتال الواحد في غزة نحو 70 مليون دولار للجيش الإسرائيلي، وفي حين تجاوزت تكلفة الحرب الإجمالية على غزة 4 مليارات دولار في الجانب العسكري الإسرائيلي، وصلت ما بين 6 و8 مليارات دولار في الجانب المدني الإسرائيلي.

كما أطلق صاروخا باتريوت بتكلفة 4 ملايين دولار، على اعتبار أن الكلفة تشمل إعداد المنظومة ونصبها وما تشمله من تكاليف ما قبل وخلال وما بعد إطلاق الصاروخين، أما الطلعات الجوية فبلغت تكلفتها 58.8 مليون دولار، وبلغت كلفة تجنيد الاحتياط لليوم الواحد 15 مليون دولار، بما معدله 320 مليون دولار تقديرا.

اعترافات الفشل
بعد مرور سنة كاملة على طي صفحة حرب غزة ما زالت الاعترافات الإسرائيلية بالفشل والإخفاق للحرب الثالثة على غزة، توضح بلغة بليغة كيف أن الجيش الإسرائيلي "الذي كان لا يقهر"، قد تورط في المستنقع الغزاوي، أمام بضع مئات من المقاتلين الفلسطينيين، وأكدت هذه الاعترافات في مجملها أن حرب غزة أثبتت فشل النظرية القائلة بأن ما لم ينجز بالقوة ينجز بمزيد من القوة.

أفيخاي رونتساكي الحاخام الأكبر السابق للجيش الإسرائيلي، انتقد أداء إسرائيل في حرب غزة، لأن حماس نجحت بتركيع دولة بأكملها على ركبتيها، وباتت رهينة بيدها، فهي تطلق النار وتوقفه وقتما تشاء

"رون بن يشاي"، المحلل العسكري الإسرائيلي الأبرز، قال إنه بعد مرور عام على انتهاء حرب غزة، لا نعرف ما إذا كنا انتصرنا أم خرجنا متعادلين من المعركة، رغم أن حماس تلقت ضربة قاسية، وخسرت الكثير من قدراتها العسكرية، بجانب مقتل المئات من مقاتليها.

وأضاف أن إسرائيل خسرت 70 قتيلا بدون حل مرض يضمن أمن المستوطنات القريبة من السياج الحدودي مع غزة في مواجهة قذائف الراجمات والصواريخ قصيرة المدى، وحتى الصواريخ المضادة للمدرعات، ولذلك فإن حرب غزة لم تنته بعد، لكنها انتقلت إلى المجال السياسي والدبلوماسي والقضائي على الساحة الدولية.

"ناحوم برنياع"، كاتب العمود اليومي في الصحافة الإسرائيلية قال إن إنجاز القيادة الإسرائيلية في المواجهة العسكرية الأخيرة في حرب غزة، بعد مرور عام عليها، هزيل جدا، لأننا نخاف أن نكون قد مهدنا الطريق للجولة التالية في غزة، بدل أن نمهد الطريق لإزالة هذا التهديد، لكن هذا ما وهبته لنا حكومتنا، وما سنضطر للعيش معه، خاصة بعد أن دفعنا أثمانا مرتفعة جدا.

"عوزي لانداو" الوزير الإسرائيلي المتطرف انتقد بشدة الأداء الإسرائيلي في حرب غزة، لأن الجيش دخل المعركة بتردد، وانجر وراء التحركات القتالية، وخلقت الدولة انطباعا وكأنها تريد الهدوء بكل ثمن، وظهرت غير مستعدة لخوض القتال، وهذا التصرف يمس بقدرة الردع الإسرائيلية بشكل خطير، ويلحق بإسرائيل ضررا طويل الأمد، لأنها لم تفلح في الاستفادة من الدعم الدولي الكبير الذي حصلت عليه في بداية العملية، وهو ما شهدناه في تساقط بعض الصواريخ في الأسابيع الأخيرة.

"أفيخاي رونتساكي" الحاخام الأكبر السابق للجيش الإسرائيلي انتقد أداء إسرائيل في حرب غزة، لأن حماس نجحت بتركيع دولة بأكملها على ركبتيها، وباتت رهينة بيدها، فهي تطلق النار وتوقفه وقتما تشاء، ويضحكون علينا وفي وجوهنا، ويبدو أننا نفكر بالهدوء أكثر من تفكيرنا بالنتائج، حماس آخذة بالتعاظم من مواجهة لأخرى، والجيش لم ينجح بتصفية أي من قياداتها في القطاع، فلماذا نخاف من حماس، ونظهر للمرة الثانية وكأننا خائفون من المواجهة معها؟

"ليئور أكرمان" أحد كبار قادة جهاز الشاباك الأمني، قال إن حماس أُضعفت من الناحية العسكرية بسبب الحرب الأخيرة، لكن الجيش لم يتمكن من حسم المعركة، حتى لو تمكن من نزع سلاحها، فلا يُمكن لأي قوة في العالم نزع إرادتها بمواصلة محاربتنا عسكريا، مما يعني أنها سجلت انتصارين علينا: في الوعي الجمعي للفلسطينيين بضرورة المُقاومة، والانتصار الباهر الذي حققته في الرأي العام العالمي.

بيع الوهم
قبل عام من هذه الأيام، خرج الجيش الإسرائيلي إلى حرب غزة، المحفوفة بالمخاطر، لأنها كانت تتقدم وتتوسع حسب الظروف، ولم يقدر صناع القرار السياسي والعسكري في إسرائيل أن تمتد مدى طويلا.

الجيش الإسرائيلي الذي يُعد من أقوى جيوش المنطقة تسليحا، ويتباهى بفاعلية دبابة "الميركافا"، آلة قتاله الرئيسية، ويعمل على تسويقها في سوق التسلح العالمية، تلقى في الحرب الأخيرة ضربة موجعة جراء تدمير عدد منها على أيدي رجال المقاومة في غزة، ممن سبق لهم أن أجروا دورات تدريبية مكثفة على تركيبة هذه الدبابة وفاعليتها، ونقاط القوة والضعف فيها، حتى تأقلموا معها، واكتشفوا بعضا من أسرارها.

عظم اعترافات الجنود والضباط الذين شاركوا في يوميات الحرب، تؤكد خطأ تقديرات الجيش الاستخبارية، وأن ما حصل في غزة كان حربا معقدة ومكثفة وعميقة. ورغم أنها حظيت بدعم دولي، فإن زيادة أعداد القتلى في صفوف الجنود أربك المستوى العسكري

لكن بات واضحا بعد عام من اندلاع حرب غزة أن الجيش الإسرائيلي لم يصب بضرباته منظومة صواريخ حماس، علما بأن الإخفاق في إصابة مخازن الصواريخ لا تدل فقط على إخفاق في القدرة العملياتية، بل على خلل في المعلومات الدقيقة التي جمعت على مدى زمن طويل، ومع مرور العام الأول من حرب غزة التي أرادها الجيش "خاطفة وسريعة"، تبين أنه لم يستطع فعل كل شيء بالقوة العسكرية.

الإشكال الأكبر الذي يواجه قيادة الجيش والحكومة في إسرائيل، في الذكرى السنوية الأولى من حرب غزة، أن اعتقادا ساد بأنه طالما بقيت تتساقط صواريخ حماس من غزة، فلن يكون هناك انتصار، ولن "ننتصر" حتى يتوقف إطلاقها، مما جعل "بنيامين نتنياهو" يتحدث بعبارات ملؤها "الرهب والغطرسة" بقوله إن إسرائيل انتصرت في المعركة، لكن اتضح بعد عام من الحرب أنها عبارة كُتبت على الجليد!

المثير أن إسرائيل "غير الرسمية" أحيت الذكرى السنوية الأولى لحرب غزة، من خلال منح العديد من صفحات صحفها، وساعات بث فضائياتها، لاعترافات الجنود والضباط الذين شاركوا في يوميات الحرب، وأكد معظمهم خطأ تقديرات الجيش الاستخبارية، وأقروا بأن ما حصل في غزة كان حربا معقدة ومكثفة وعميقة، ورغم أنها حظيت بدعم دولي، لكن زيادة أعداد القتلى في صفوف الجنود أربك المستوى العسكري.

وعبر هؤلاء الجنود والضباط الذين انسحبوا من غزة عن شعورهم بأنهم لم يحققوا الأهداف، والإخفاق يتملكهم، رغم سعادتهم بالعودة للبيوت، ونجاحهم ببعض الأمور الجيدة في القتال، لكنها غير كافية، فقد أرادوا إنهاء الأنفاق، لكن يوجد شعور لديهم بعدم إنجاز المهمة، وتقديرهم بأنهم بعد سنة ونصف سيعودون لهذه المواجهة "الغبية" مرة أخرى في غزة.

أخيرا.. فضلا عما تقدم من شواهد الإخفاق العسكري الإسرائيلي، فإن الجواب النهائي عن سؤال ما ربحته وخسرته تل أبيب من حرب غزة يكمن في قدرة الجيش على ضرب حماس ضربة قاسية نسبيا، والتسبب بأضرار عظيمة بالبنى التحتية المدنية في غزة، وإحداث أزمة إنسانية واسعة، لكن أمر الحرب لم ينته بعد: فحماس لم تُهزم، وستبقى تحكم القطاع، وستكون الشريك المركزي في كل تسوية مستقبلية، ولو بصورة غير مباشرة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك