سمير حسن

سمير حسن

باحث في شؤون البلقان


ما قبل الحادث
من هو فوتشيتش؟
ما بعد الحادث

عادت البوسنة إلى واجهة الإعلام الدولي مع تخليد الذكرى العشرين للتطهير العرقي في سربرنيتشا، وقد لا يعني غيابها عن عناوين الأخبار أن صفحة الحرب التي استمرت فيها على مدى 43 شهرا (1992-1995) قد طويت.

ولعل ما يؤكد ذلك مهاجمة مجموعة من الشباب المندسين وسط ذوي ضحايا مذبحة سربرنيتشا لرئيس وزراء صربيا ألكسندر فوتشيتش أثناء مراسم تخليد ذكرى المذبحة.

غير أن معالجة وسائل الإعلام للحادث أثبتت التناول السطحي لحقيقة ما حدث، فقد ظهر وجه واحد للحقيقة هو الاعتداء على رئيس وزراء صربيا، واستثمره الإعلام الصربي ووصف وزير الداخلية الصربي نيبوشا ستيفانوفيتش الحادث بأنه محاولة اغتيال، بينما ظل مسلمو البوسنة في خانة المتهم رغم اعتذارهم لرئيس الوزراء الصربي على لسان وزير الخارجية ومحافظ سربرنيتشا.

رئيس وزراء صربيا  هو الابن الروحي لزعيم الحزب الراديكالي الصربي المتطرف فويسلاف شيشل الذي لا يزال يحاكم بتهم جرائم حرب في البوسنة وكوسوفو، وقد تربى فوتشيتش على أيديولوجيته العدوانية على مدى خمسة عشر عاما

ورغم نأي رابطة أمهات سربرنيتشا عن الحادث بالتأكيد على أن الفاعلين مندسون وليست لهم علاقة بذوي الضحايا، فإنه لم يتم استحضار تسلسل التطورات قبل "الاعتداء" على فوتشيتش، فضلا عن النتائج الخفية لما بعد هذا الحادث.

ما قبل الحادث
في العاشر من يونيو/حزيران 2015 ألقت السلطات السويسرية القبض على القائد السابق للقوات البوسنية في سربرنيتشا أثناء الحرب ناصر أوريتش ومرافقه تشاميل دوراكوفيتش محافظ سربرنيتشا الحالي بناء على مذكرة توقيف من صربيا بتهمة ارتكاب أوريتش جرائم حرب ضد صرب البوسنة في الفترة بين 1992 و1993، رغم أن محكمة جرائم الحرب الدولية حكمت على أوريتش عام 2006 بالسجن سنتين في بعض الجرائم بينما برأته من بعضها الآخر وأفرج عنه عام 2008.

غير أن فوتشيتش الذي يمد يده لمسلمي البوسنة بعد أن قتل الصرب منهم 8372 في يومين فقط (10 و11 يوليو/تموز 1995) يصر على عدم طي صفحة الحرب، حيث تلاحق صربيا أوريتش عبر الإنتربول وتريد تسلمه لمحاكمته من جديد، وهو ما دفع السلطات السويسرية للقبض عليه مع دوراكوفيتش وإهانتهما في السجن ثم أفرجت عن دوراكوفيتش ورحلت أوريتش إلى البوسنة التي قضت محكمتها بفرض إقامة جبرية على تحركه في نطاق إقليمي سراييفو وزينيتسا فقط، وبذلك حرم من صلاة الجنازة على ذويه الذين تم تشيعيهم في الحادي عشر من يوليو/تموز، بينما حضر رئيس وزراء الدولة التي خططت ودعمت التطهير العرقي في سربرنيتشا.

ثم جاء الفيتو الروسي في مجلس الأمن مساندا لصربيا ورافضا إصدار قرار للاعتراف بأن ما حدث في سربرنيتشا إبادة جماعية، رغم أن محكمة العدل الدولية أقرت عام 2007 أن ما حدث تطهير عرقي، لكن فوتشيتش خرج مفاخرا بذلك معلنا عن حضوره مراسم تخليد ذكرى سربرنيتشا في محاولة لفتح صفحة جديدة مع مسلمي البوسنة.

كان من الطبيعي أن ينصح محافظ سربرنيتشا تشاميل دوراكوفيتش رئيس وزراء صربيا بعدم الحضور إلى المدينة في ظل استمرار استفزازه أهلها وضحاياها وطالما أنه غير قادر على طي صفحة الماضي.

تقع سربرنيتشا جغرافيا وأمنيا وإداريا ضمن مناطق صرب البوسنة، وتأمينها تتحمل مسؤوليته شرطة صرب البوسنة، أضف إلى ذلك أن وزير الأمن في البوسنة من صرب البوسنة ومدير هيئة التحقيقات والحماية من صرب البوسنة أيضا

في العاشر من يوليو/تموز أي قبل يوم واحد من ذكرى المذبحة، أصدرت السلطات الصربية قرارا بمنع المظاهرات والاحتجاجات وفعاليات التضامن مع سربرنيتشا في صربيا.

في الحادي عشر من يوليو/تموز صاحت مجموعة من الغاضبين أو المندسين أثناء مرور فوتشيتش من أمامهم في محيط النصب التذكاري لمذبحة سربرنيتشا وشتمته وحاولت الاقتراب منه، لكن حرسه اصطحبه صوب بلغراد فورا، ومن هناك أعلن فوتشيتش أن يده ما زالت ممدودة لمسلمي البوسنة في محاولة لارتداء صوف النعاج ليظهر مسلمي البوسنة ذئابا معتدين عوضا عن اليد الصربية التي امتدت إليهم. لكن هل هذه هي الحقيقة؟

من هو فوتشيتش؟
قد يسهل استنباط الحقيقة إذا تعرفنا على رئيس وزراء صربيا، فالرجل (ألكسندر فوتشيتش) هو الابن الروحي لزعيم الحزب الراديكالي الصربي المتطرف فويسلاف شيشل الذي لا يزال يحاكم بتهم جرائم حرب في البوسنة وكوسوفو، وقد تربى فوتشيتش على أيديولوجيته العدوانية على مدى خمسة عشر عاما منذ التحق بالحزب في 1993 إلى أن انشق عنه في 2008.

ويكفي أن شيشل نفسه قال إن بداية ظهور فوتشيتش كانت عام 1992 عندما كان متطوعا في عصابة التشتنك الإجرامية بقيادة سلافكو ألكسيتش التي قامت بقتل المسلمين والكروات في بداية الحرب البوسنية، وكان من جرائمها الشهيرة قصف المقبرة اليهودية في سراييفو حسب أفدي حسينوفيتش الباحث ومنتج العديد من الأفلام الوثائقية عن الحرب البوسنية.

وعمل فوتشيتش بعد أن ترك عصابة سلافكو ألكسيتش في قناة أس التلفزيونية التابعة لصرب البوسنة التي كانت تحرض على قتل مسلمي وكروات البوسنة أثناء الحرب. ومن أقواله التي لا تزال مسجلة على يوتيوب (إذا قتل صربي واحد سنقتل مئات المسلمين).

ما بعد الحادث
أظهرت حادثة "الاعتداء" على فوتشيتش في سربرنيتشا أن الوحيد المستفيد منها هو فوتشيتش نفسه، فقد ظهر بين القادة العالميين والمحليين على أنه رجل أوروبي متسامح يقف بشجاعة بين عشرات الآلاف من ذوي الضحايا الذين قتلهم الصرب وجاء أمام الكاميرات ليضع باقة زهور على قبورهم بينما لم تتوقف سياسته عن الاستفزاز، ولعل الدليل على استفادة فوتشيتش يتلخص فيما يلي:
رويدا رويدا ستتراجع الأضواء الإعلامية عن المذبحة والمسرحية لكن شيئا لن يتغير في البوسنة، المصالحة والمسامحة لا تجد أرضية سليمة لتثمر، بينما أهالي الضحايا سينتظرون بفارغ الصبر 11 يوليو/تموز القادم ليرووا للعالم للمرة الألف ماذا حدث لهم
- تظهر الصور الخاصة التي أذاعها تليفزيون "بي 92" الصربي المستقل أن حرس فوتشيتش نجح في إخراجه سالما لم يصب بأي أذى ما عدا تسريحة شعره التي تغيرت وفقد نظارته الشمسية، كما قال شهود عيان إن ما ألقي عليه كان زجاجة مياه معدنية بلاستيكية وليس حجرة.

- تقع سربرنيتشا جغرافيا وأمنيا وإداريا في مناطق صرب البوسنة، وتأمينها تتحمل مسؤوليته شرطة صرب البوسنة، أضف إلى ذلك أن وزير الأمن في البوسنة من صرب البوسنة ومدير هيئة التحقيقات والحماية من صرب البوسنة أيضا.

- سبق أن حضر الرئيس الصربي بوريس تاديتش إلى نفس المكان قبل عشر سنوات وتجول في سربرنيتشا وتم الترحيب به ولم يعتد عليه أحد.

- تحضر منظمة "نساء في الأسود" الصربية كل عام ذكرى تخليد المذبحة تضامنا مع نساء سربرنيتشا، وقد حضرت منهن هذا العام مائة لم يمسهن أحد بسوء.

- ساعد المندسون فوتشيتش وقدموا له خدمة جليلة رغم اعتذار المسلمين وتأكيدهم أن الاعتداء على فوتشيتش هو اعتداء عليهم وعلى ضحاياهم.

- يظهر الحادث أيضا منفعة بارزة ومصلحة بالغة لصرب البوسنة، فمن بين سطور الحادث أن المسلمين يرفضون المصالحة وأن مساعي صرب البوسنة الدائمة للانفصال عن البوسنة منذ 1992 وحتى الآن لها ما يبررها.

وفي خضم ذلك لم تهتم معظم وسائل الإعلام بأن 18 طفلا من بين 136 ضحية تم دفنهم في 11 يوليو/تموز 2015، أصغرهم عمره 16 عاما وأن أكبر الضحايا كان عمره 75 عاما عندما قتل عام 1995 وسلطت الأضواء على مسرحية محاولة اغتيال رئيس وزراء صربيا في سربرنيتشا.

رويدا رويدا ستتراجع الأضواء الإعلامية عن المذبحة والمسرحية لكن شيئا لن يتغير في البوسنة، المصالحة والمسامحة لا تجد أرضية سليمة لتثمر، بينما أهالي الضحايا سينتظرون بفارغ الصبر 11 يوليو/تموز القادم ليقولوا للعالم للمرة الألف ماذا حدث لهم.. لكن عزاء ذوي الضحايا أنهم يرسلون في كل عام رسالة للعالم أنهم لن ينسوا المذبحة ولن يسمحوا بتكرارها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك