في سياق السياسة الأميركية للبقاء قوة عظمى وقطبا وحيدا في العالم أعادت الإدارة ترتيب سلم أولوياتها ليتسق مع ما تعتبره مخاطر على نفوذها ومكانتها الدولية، فوضعت "إعادة التوازن في آسيا والهادي" على رأس هذا السلم، على خلفية اعتبار الصين تهديدا داهما يجب وقف تمدده واحتواؤه قبل أن يكسر التوازن القائم في الشرق الأقصى عبر فرض تصوراته وخياراته على دول الجوار التي ترتبط بعلاقات تحالف مع الولايات المتحدة.


واقع الحال أن هذا التقويم لأهمية شرق آسيا والتعاطي مع توازن القوى فيه ليس جديدا، فقد دفع النمو الاقتصادي والمنافسة الرأسمالية دول شرق آسيا إلى تشكيل تكتلات إقليمية لتعظيم الفرص والمكاسب، فتشكلت في العام 1967 "رابطة جنوب شرق آسيا" (الآسيان) من ست دول، هي: تايلند وسنغافورة وماليزيا وبروناي وإندونيسيا والفلبين.

توسعت هذه المجموعة في ثمانينيات القرن الماضي بانضمام اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا إليها، فأصبح اسمها "التجمع الاقتصادي الباسيفيكي"، قبل أن تتحول في العام 1989 إلى "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي" (آبيك) بانضمام أميركا وروسيا والصين وكندا وتشيلي وفيتنام إليها، ليصبح عدد أعضائها 21 دولة. وقد تصاعد الحديث عن هذا التحول التاريخي في جغرافية الاقتصاد العالمي إلى درجة وصف القرن الحالي بـ"قرن الهادي".

صعود الصين إلى مرتبة الاقتصاد الثاني عالميا يزيد من أهمية المنطقة، في ظل تقديرات تتوقع صعودها للأول خلال عقود قليلة قادمة، وتحركها عسكريا للعب دور سياسي يتناسب مع حجمها الاقتصادي عبر تمديد حدود مياهها الإقليمية، وبسط سيطرتها على جزر متنازع عليها

وقد زاد في أهمية المنطقة وخطورتها كذلك صعود الصين إلى مرتبة الاقتصاد الثاني عالميا، في ظل تقديرات تتوقع أن تصبح الأولى خلال عقود قليلة قادمة، وتحركها عسكريا للعب دور سياسي يتناسب مع حجمها الاقتصادي عبر تمديد حدود مياهها الإقليمية، وبسط سيطرتها على جزر متنازع عليها مع عدد من دول الإقليم (الفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي وتايوان) في بحر الصين الجنوبي، يقدر أنها تحتوي على مخزون كبير من النفط والغاز.

هذا إضافة إلى بنائها جزرا صناعية فوق صخور وجزر مرجانية وشعاب غارقة، تعبر منها نصف تجارة العالم سنويا، حجم بعض هذه الجزر الصناعية يتسع لمطارات ومنشآت عسكرية، نشرت على إحداها مدفعية ثقيلة، فضلا عن قيامها بتوسيع حدود مياهها الإقليمية ومجالها الجوي،
يضاف إلى ذلك احتكاكها مع اليابان حول جزر متنازع عليها في بحر الصين الشرقي، ودعم كوريا الشمالية في مواجهة كوريا الجنوبية لمنع انهيارها وابتلاعها من الأخيرة، فتصبح القوات الأميركية على ضفة نهر يالو، ناهيك عن رفع موازنتها العسكرية إلى 141 مليار دولار وبدئها بناء حاملتين للطائرات وغواصات وسفن حربية وصواريخ بعيدة المدى متعددة الرؤوس الحربية، "استعدادا لصراع محتمل في مضيق تايوان"، وفق البنتاغون.

وقد دفع هذا الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سلم أولوياتها تنفيذا لمبدأ كان الرئيس الأميركي جيمي كارتر قد أعلنه أثناء ولايته مفاده "استعادة ميزان القوى الإقليمي في أي إقليم من الأقاليم لصالح المصالح الأميركية". وإعطاء الشرق الأقصى أولوية قصوى في وثيقة "استراتيجية الأمن القومي-6/2/2015" من أجل إعادة التوازن فيه.

أعادت الولايات المتحدة تأهيل قواعدها العسكرية في الفلبين، كما أرسلت تعزيزات بحرية وجوية إلى قواتها في الإقليم، وباشرت بدوريات بحرية وجوية خاصة في محيط الجزر الصناعية، وعززت القدرات العسكرية لحلفائها فيه، وأرسلت وزير خارجيتها إلى بكين لإقناعها بتهدئة التوتر والتوقف عن إقامة الجزر الصناعية في بحر الصين الجنوبي والعمل على حل النزاع حول الجزر المتنازع عليها بالطرق الدبلوماسية، لكنه ووجه بموقف صيني متصلب.

بدأت الصين في الصعود اقتصاديا في ثمانينيات القرن الماضي بعد القرار الجريء الذي اتخذه دينغ شياو بنغ، وهو أحد الصينيين الذين تعرضوا للاعتقال أثناء حملة التطهير في الثورة الثقافية، وكان احتمال تصفيته جسديا واردا لولا حماية ماو تسي تونغ له عبر إرساله مجموعة من مؤلفاته له في معسكر الاعتقال، بتبني اقتصاد السوق مع الاحتفاظ بالخط السياسي وبسيطرة الحزب الشيوعي على مقاليد السلطة.

وقد أطلق الرجل عملية اقتصادية رأسمالية في أربع مناطق اقتصادية في أربع مدن ساحلية لاختبار إمكانية التحول والتنمية، وقد قاد نجاحها إلى تعميم الفكرة وإطلاق عجلة النمو بمعدلات كبيرة، بحدود 13% سنويا، حافظت على معدل للنمو نسبته 9% سنويا على مدى عقدين متواليين، واستدعى الأمر تحركا على الصعيد الخارجي لتوفير الخبرات والاستثمارات والمواد الخام، خاصة النفط، لتغذية الصناعة التي توسعت وتنوعت وتطورت.

تبنت الصين بداية صعودها استراتيجية قائمة على اختراق أسواق النفط والمواد الأولية عبر التوسع في الاستثمارات في الدول الفقيرة وتقديم دعم ومساعدات غير مشروطة سياسيا مقابل الحصول على النفط والمواد الخام وقد نجحت في السيطرة على سوق النفط بعدد من دول أفريقيا

أثار صعود الصين قلق الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والآسيويين، اليابان وتايوان خاصة، ودفعهم إلى العمل من أجل عرقلة حصولها على النفط والمواد الأولية الرخيصة، التي إلى جانب رخص الأيدي العاملة فيها، تمنحها قدرة تنافسية في الأسواق العالمية.

تبنت الصين استراتيجية مضادة قائمة على اختراق أسواق النفط والمواد الأولية عبر التوسع في الاستثمارات في الدول الفقيرة وتقديم دعم ومساعدات غير مشروطة سياسيا مقابل الحصول على النفط والمواد الخام، وقد نجحت في السيطرة على سوق النفط في السودان والغابون ونيجيريا وتشاد، كما تعاقدت مع فنزويلا وإيران لشراء كميات كبيرة من نفطها.

وسعت إلى تحصين موقفها عبر إقامة تحالفات وتشكيل تكتلات سياسية واقتصادية من الدول المتضررة من الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي، فشكلت مع روسيا وكزاخستان وأوزباكستان وطاجيكستان وقرغيزيا "منظمة شنغهاي للتعاون" عام 1996 التي أصبحت ركنا من أركان التوازن الاستراتيجي في شرقي آسيا، وقوة مضادة لـ"حلف شمال الأطلسي" والولايات المتحدة، وعملت على تفعيلها لتحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في تحقيق الأمن الإقليمي في آسيا الوسطى من خلال منهج اقتصادي يقوم على تنمية التعاون الاقتصادي والتجاري بين دولها، وآخر سياسي أمني من خلال التعاون في مواجهة التحديات الأمنية غير التقليدية، الإرهاب الدولي والنزعات الانفصالية وتجارة السلاح والمخدرات.

وقد أتاح لها ذلك التحرك في المحيطين الإقليمي والدولي تحت راية التصدي للأحادية القطبية وفتح الباب لاجتذاب دول رافضة لهذه الأحادية، فاتفقت مع روسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا على تشكيل مجموعة "البريكس" لاحتواء القوة الأميركية.

وقد ردت على قرار الإدارة الأميركية التوجه شرقا باستراتيجية مركبة أساسها التوجه غربا وتأمين أسواق آمنة وكافية للطاقة والتبادل التجاري. فالصين، المستورد الأكبر للنفط في العالم، بحاجة إلى طرق طاقة برية بعيدا عن الممرات البحرية والأساطيل الأميركية، ذراع واشنطن الطويلة، لتحاشي مخاطر الاعتراض البحري، لذلك بدأت ببناء أنبوبين لنقل النفط والغاز وتشغيلهما في العام 2006 وأواخر العام 2009.

ينقل أحد الأنبوبين النفط من منطقة أتيراو الكزاخستانية الشمالية المشرفة على بحر قزوين بشكل أساسي، ويمر عبر مقاطعة شينجيانغ الصينية نحو الساحل، ليغطي حوالي 4% من وارداتها النفطية، التي بلغت 6.2 ملايين برميل يوميا في العام 2014. أما الأنبوب الثاني فينقل الغاز الطبيعي بشكل أساسي من حقل سامان ديبي في تركمانستان، التي أصبحت منذ العام 2012 أكبر مورد غاز طبيعي للصين.

ووفقا لأرقام عام 2013، شكلت واردات الغاز التركمانستاني حوالي نصف واردات الصين السنوية من الغاز الطبيعي، التي تبلغ 53 مليار متر مكعب، وحوالي السدس من استهلاكها الشامل من الغاز.

تنوي حكومة عشق آباد زيادة هذه الصادرات إلى أكثر من الضعف بحلول العام 2020، وأنبوب الغاز السيبيري الذي اتفقت مع روسيا على إقامته لنقل غاز لمدة 30 عاما بقيمة 400 مليار دولار. وأطلقت عملية تحديث لشبكة الطرقات والسكك الحديدية الممتدة عبر آسيا الوسطى، فبنت سكة حديد تمتد من قورغاس الصينية إلى زيتيجين في كزاخستان، ومنها إلى غرب روسيا وأوروبا، في موازاة السكة الحديدية التي تمتد من أورومتشي، عاصمة مقاطعة شينجيانغ، وتمر عبر بوابة جونغاريا الصينية (ألاشانكو) إلى آلما أتا، أكبر مدينة في كزاخستان. مع احتمال مده إلى الخليج عبر الأراضي الإيرانية.

الصراع الحالي سيحدد مستقبل النظام الدولي الراهن، فإما أن يمر الصراع بسلام وتحل النزاعات بطرق سلمية فنكون مع نظام دولي جديد برأسين أميركي وصيني، باعتبار الأولى الأقوى عسكريا والثانية الأقوى اقتصاديا، أو نذهب إلى حرب مدمرة

وسعت إلى إيجاد ممرات برية عبر بناء خط سكة حديدية فائق السرعة قادر على بسط السلطة من ساحل الصين الشرقي إلى قلب أوراسيا لموازنة التفوق البحري الأميركي وتشكيل جدار حماية بري في حال وقوع اضطرابات بحرية، وبدأت عام 2013 بمشروع "حزام طريق الحرير الاقتصادي" لتحقيق أهداف أهمها:

1. تأمين تدفق بري للنفط والغاز من آسيا الوسطى وروسيا.
2. استغلال المشاريع التنموية لإرضاء الإيغور وتخفيف الاحتقان الداخلي.
3. تحفيز نمو واستقرار وتكامل إقليمي تكون بكين مركزه الاقتصادي والسياسي لقطع الطريق على الاستثمار الخارجي.

ولأنها قررت تجنب الوصول إلى المياه المفتوحة عبر المرور بالأراضي الروسية لم تجد أمامها إلا جسرا ينتهي في إيران عبر خط سكة حديد تركمانستان إيران (يربط مشهد بتيجين طوله 300 كيلومتر) وخط سكة حديد كزاخستان تركمانستان إيران الذي يمتد من أوجين (جانازون)، مرورا بجرجان، ووصولا إلى موانئ إيران على الخليج، وقد بدئ بإنشائه عام 2014.

ويمثل ذلك جزءا من انعكاسات العلاقات الصينية الإيرانية القوية، بفعل الموقع المتميز الذي تحتله إيران في الاستراتيجية الصينية، موقع يتجاوز أهميتها سوقا ومزودا للطاقة، باعتبارها الطريق الأكثر أهمية للوصول إلى أسواق أوروبا والخليج، وركيزة جيواستراتيجية للوصول البري إلى الغرب، الذي تعده الصين ضروريا لمواجهة استدارة واشنطن نحو الشرق والتفوق البحري للولايات المتحدة، كما يفسر موقفها من الصراع في سوريا وعليها.

في ضوء نتائج هذا الصراع سيتحدد مستقبل النظام الدولي الراهن وشكل بديله، فإما أن يمر الصراع بسلام وتُحل النزاعات بطرق سلمية فنكون مع نظام دولي جديد برأسين أميركي وصيني، باعتبار الأولى الأقوى عسكريا والثانية الأقوى اقتصاديا، أو نذهب إلى حرب مدمرة ليس بالإمكان تقدير نتائجها المحلية والإقليمية والدولية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك