كريس باتن

كريس باتن

رئيس جامعة أوكسفورد


يتركز انتباه المجتمع الدولي في الشرق الأوسط في الوقت الحاضر حتما حول التقدم العسكري الذي أحرزه تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، والدولة الفاشلة في اليمن وليبيا، والأنشطة التي يزاولها المتطرفون الإسلاميون في كل مكان، والجهود المتواصلة لإتمام الاتفاق لاحتواء طموحات إيران النووية.

وفي الوقت نفسه، يستمر أقدم نزاع في المنطقة -وموضوع عملية السلام التي دامت عقودا من الزمان ولكنها لا تتحرك إلى الأمام قيد أنملة- في التفاقم والتعاظم في كل من فلسطين وإسرائيل.

الواقع أن التقرير الذي تقدمت به في وقت سابق من هذا الشهر المنظمة غير الحكومية "الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال-فرع فلسطين" إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بشأن حصيلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من الضحايا بين الأطفال عام 2014، يشدد على بعض من أكثر عواقب هذا الوضع تدميرا. ويخدم استقبال هذا التقرير أيضا كتذكِرة بالسبب وراء عجزنا عن تحقيق أي تقدم نحو السلام.

كما لاحظت مجموعة من الساسة الأوروبيين البارزين مؤخرا، فإن اتفاق السلام القائم على حل الدولتين ربما ضاع إلى الأبد، وهذا ما  يجعل إسرائيل في مواجهة اختيار صعب: فإما أن تصبح دولة ديمقراطية غير يهودية، أو يهودية غير ديمقراطية

العام الماضي، ووفقا لتقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال-فرع فلسطين، قُتِل 561 طفلا، 557 منهم فلسطينيون، وأغلبهم ماتوا نتيجة لعملية "الجرف الصامد" التي شنتها إسرائيل في قطاع غزة خلال الصيف الماضي. هذا فضلا عن نحو ثلاثة آلاف طفل فلسطيني أصيبوا خلال هذه العملية التي دامت خمسين يوما، وألحقت هذه الإصابات بألف منهم عجزا دائما.

كما يتناول التقرير بالتفصيل تدمير المدارس، ومشاكل الصحة الذهنية التي واجهها الشباب في مرحلة ما بعد القتال، وسجن الأطفال. ووفقا لتصريح بان كي مون، فإن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قُتِلوا عام 2014 كان أعلى من أعداد الوفيات بين الأطفال في سوريا ودارفور، ولم يفقه سوى عدد الأطفال القتلى في أفغانستان والعراق. وكان عدد المدارس المدمرة في المناطق الفلسطينية هو الأعلى الذي تم تسجيله في أي مكان على الإطلاق.

وليس من المستغرب أن توصي الممثلة الخاصة للأمم المتحدة لشؤون الأطفال والنزاعات المسلحة، ليلى زروقي، بوضع إسرائيل وغريمتها في غزة (حركة حماس التي كان سجلها كئيبا أيضا) على قائمة الأمم المتحدة السنوية للدول والمجموعات التي ترتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الأطفال. ولكن الولايات المتحدة مارست ضغوطا شديدة على الأمين العام للأمم المتحدة لرفع اسم إسرائيل من القائمة، واستجاب بان للضغوط، وقرر رفع اسم حماس أيضا من القائمة.

إن إسرائيل، التي كثيرا ما يشيد بها الكونغرس الأميركي بوصفها الحليفة الأكثر جدارة بثقة أميركا في المنطقة، من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الأطفال. ومن الصعب أن أتخيل كيف تنحاز سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة سامانثا باور، التي تتمتع بسجل طيب في مجال حماية حقوق الإنسان، للضغوط الرامية إلى تبرئة وتبييض وجه إسرائيل.

سوف يستنتج العديد من الأوروبيين أن هذا دليل آخر (إن كانت أي أدلة إضافية مطلوبة) يؤكد أن الولايات المتحدة سوف تستمر دائما -وبعواقب كارثية- في حماية إسرائيل من العواقب الدولية، وكل ما قد يمس سمعتها، نتيجة لتصرفاتها. ولكن هذا لا يكفي. فقد بلغت إسرائيل وفلسطين طريقا دمويا مسدودا، وهو أمر كارثي بالنسبة للفلسطينيين، ومتزايد الخطورة بالنسبة لمستقبل إسرائيل.

وكما لاحظت مجموعة من الساسة الأوروبيين البارزين مؤخرا، فإن اتفاق السلام القائم على حل الدولتين ربما ضاع إلى الأبد، وهذا من شأنه أن يجعل إسرائيل في مواجهة اختيار صعب: فإما أن تصبح دولة ديمقراطية غير يهودية، أو دولة يهودية غير ديمقراطية.

وقد أرسلت هذه المجموعة، التي ضمت رؤساء دول ورؤساء وزراء ووزراء خارجية ومفوضين للاتحاد الأوروبي ودبلوماسيين كبارا سابقين، مجموعة من المقترحات إلى زعماء الاتحاد الأوروبي في شهر مايو/أيار. ووفقا لهذه المجموعة فإن أوروبا لابد أن تعمل على التعويض عن انسحاب أميركا الواضح من العملية الدبلوماسية، وأن تلعب دورا جادا في إحياء فرص السلام.

وفي قلب هذه المقترحات، هناك اقتراح يقضي بدعم الاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاستصدار قرار "يدعو إما إلى (1) عقد مفاوضات جديدة وتحديد موعد نهائي إلزامي لإتمام الاتفاق على تأسيس حل الدولتين، أو (2) خلق قدر أعظم من التكافؤ بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بما في ذلك الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتوفير الدعم القوي لانضمام فلسطين إلى المعاهدات والمنظمات الدولية".

منتجات المستوطنات بالضفة تصدر إلى أوروبا بموجب الاتفاقيات التجارية الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ولكن المستوطنات، بموجب القانون الدولي، ليست من إسرائيل. وعاجلا أو آجلا، سوف يقاضي شخص أو جهة ما بلدان الاتحاد الأوروبي في المحاكم
الواقع أن الدعوة إلى استصدار مثل هذا القرار تعكس مدى تأثير سلوك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو البغيض ووجهات النظر المتطرفة التي يتبناها العديد من وزرائه، والتي زادت من تعاطف الدول الأوروبية مع الدولة الفلسطينية.

وهناك أيضا دعوات متنامية في الاتحاد الأوروبي تنادي بوضع العلامات الصحيحة على المنتجات المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ذلك أن هذه المنتجات تصدر إلى أوروبا بموجب الاتفاقيات التجارية الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ولكن المستوطنات، بموجب القانون الدولي، ليست جزءا من إسرائيل. وعاجلا أو آجلا، سوف يقاضي شخص ما أو جهة ما بلدان الاتحاد الأوروبي في المحاكم نتيجة لهذا.

بيد أن استجابة حكومة إسرائيل لهذا النوع من المقترحات كانت متوقعة إلى حد باعث على الاكتئاب. فأولا، يتهم المتحدثون باسم إسرائيل أوروبا بمعاداة السامية، وصمة العار البغيضة في تاريخ أوروبا. ولكن هذا الخلط السخيف بين انتقاد التعنت والتطرف الإسرائيلي وبين معاداة السامية لا يخلو من مخاطر حقيقية. فعندما نقول إن إدانة قتل وتشويه الأطفال في غزة معاداة للسامية فإن هذا يُعَد استهزاء بالتصرفات المعادية للسامية حقا والتي تستحق الإدانة من قِبَل كل شخص متحضر.

وثانيا، تكرر إسرائيل الادعاء المعتاد بعدم وجود شريك محتمل للسلام. من الواضح أن إسرائيل تعيش حالة من الإنكار العميق، وهو ما انعكس في رفض نتنياهو المستهزئ الراشح بالازدراء لحل الدولتين في حملة إعادة انتخابه الناجحة.

الواقع أن كل موقف يشمل قوة مهيمنة تواجه أولئك الذين تدينهم باعتبارهم إرهابيين تنتهي إن عاجلا أو آجلا إلى المفاوضات. ففي الجزائر، وجنوب أفريقيا، وأيرلندا الشمالية، كان أولئك الذين يملكون السلطة يدعون دوما أنهم ليس لديهم شريك سلام، إلى أن اضطروا إلى صنع السلام مع نفس "الإرهابيين" الذين ظلوا لعقود من الزمان يشوهون صورتهم ويحطون من قدرهم.

من المؤكد أن تأجيل الحديث يجعل إنهاء العنف أمرا متزايد الصعوبة، وهو ما يعني أن تغيير المشاعر التي يولدها العنف يصبح صعبا على نحو متزايد. ولتأمين السلام، سوف تضطر إسرائيل ذات يوم إلى التحدث بجدية مع حماس، فضلا عن فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. فليس هناك بديل آخر.

إلى أن يحدث ذلك، فإن معاناة الأطفال، والغالبية العظمى منهم على الجانب الفلسطيني، سوف تستمر. ولكن إلى متى يشيح الناس في بقية العالم بأنظارهم بعيدا؟

المصدر : بروجيكت سينديكيت