خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري


لا يمكن فهم الأزمة السياسية الحالية في مصر دون استيعاب وتشريح لأزمتها الأهم، وهي الأزمة المجتمعية. وهي أزمة مركبة تكونت وامتدت على مدار العقدين الماضيين حين توقفت قدرة الدولة على قيادة المجتمع أو توجيهه بالقدر الذي يمكنها من صياغة قراراته وخياراته.


كما أنها في نفس الوقت لم تدفع باتجاه أي نوع من التحول السياسي الحقيقي يمكنه امتصاص عملية التغيير المشوه التي كانت تجري في أعماق هذا المجتمع دون وعي أو دراية. فأصبحنا إزاء مجتمع تائه لا يعرف في أي اتجاه يسير وإلى أية غاية.

فمصر خلال العقدين الأخيرين، وتحديدا منذ أواخر التسعينات، لم تكن دولة شمولية بالمعني الاصطلاحي للكلمة (كما هي الحال في كوريا الشمالية اليوم أو كما كانت في ليبيا تحت حكم القذافي أو العراق تحت حكم صدام حسين أو سوريا تحت حكم حافظ وبشار الأسد)، ولكنها أيضا لم تكن دولة ديمقراطية بشكل حقيقي قد يدفع باتجاه تحقيق نقلة نوعية في مراكز السلطة وعلاقاتها، يسمح بتجاوز تراث الدولة الناصرية السلطوية.

ملامح التغير المجتمعي الداخلية يمكن رصدها من خلال استعراض ثلاث ظواهر مهمة طبعت الحياة الاجتماعية والثقافية خلال العقدين الأخيرين. أولها التغير الكبير في محتوى السينما المصرية الذي بدأ أواخر التسعينات، وجسدته موجة أفلام غير تقليدية

وإنما كانت أقرب إلى الدولة الرخوة المشغولة بأمرين فقط: تأمين السلطة لأطول وقت ممكن (من خلال سيناريو التمديد والتوريث)، وضمان عدم الانفلات الاجتماعي بشكل قد يدفع لقيام ثورة شعبية. وقد فشلت في تحقيق الهدفين بعد قيام ثورة 25 يناير.

هذان الهدفان جعلا الدولة المباركية في نسختها الثانية (تحت قيادة الحرس الجديد في الحزب الوطني بزعامة جمال مبارك) ترفع يدها، بشكل غير مقصود ونتيجة لانشغالها الكامل بضمان تحقيقهما، عن المجتمع الذي كان يتغير بالفعل وبدرجة لم تكن الدولة قادرة على التحكم فيها أو توجيهها بشكل يضمن لها السيطرة على هذه التحولات أو توجيهها لصالحها.

فالانفتاح الاقتصادي النيوليبرالي، والذي بدأ يتبلور منذ بداية الألفية الجديدة وبدا تنفيذه فعليا عام 2004 مع تشكيل أول حكومة يرسم سياستها رجال الأعمال والتكنوقراط بقيادة أحمد نظيف، أدى إلى تغير سريع في أنماط الحياة والتفكير والاستهلاك اليومي لدى المواطن العادي، كما أنه سمح بقدر من الاستقلالية عن الدولة الأبوية ليس فقط بالمعني الرعوي وإنما أيضا بالمعني السلطوي.

وبدا الأمر وكأن ثمة عقدا غير مكتوب بين الدولة (نظام الحكم تحديدا) والمجتمع، بحيث تغض فيه الطرف عن التغيرات التي يمر بها هذا الأخير، طالما أن هذا التغيير لا يمثل تهديدا حقيقيا لها ولعلاقات السلطة القائمة.

ملامح التغير المجتمعي "الجوانية" (الداخلية) يمكن رصدها من خلال استعراض ثلاثة ظواهر مهمة وكاشفة طبعت الحياة الاجتماعية والثقافية في مصر خلال العقدين الأخيرين. أولها التغير الكبير في محتوى السينما المصرية الذي بدأ أواخر التسعينات، والذي جسدته موجة من الأفلام الجديدة غير التقليدية سواء في الطرح أو في الوجوه السينمائية.

وقد بدأت تلك الموجة بفيلم "صعيدي في الجامعة الأميركية" والذي جسد أول خروج حقيقي عن سينما "الحقبة الساداتية"، وفتح الطريق أمام "لون" سينمائي جديد، ظهر معه جيل جديد من النجوم أبرزهم محمد هنيدي وأحمد السقا ومحمد سعد وحنان ترك (قبل الاعتزال) ومنى زكي وعلاء ولي الدين وكريم عبد العزيز وأحمد حلمي.. إلخ. كما كانت نوعية الأفلام اللاحقة مختلفة سواء في المضمون والطرح أو منظومة القيم (وذلك على النحو الذي جسدته بالأساس أفلام محمد سعد خاصة "اللمبي و"اللي بالي بالك" و"عوكل"..إلخ).

كان استقبال هذه الموجة "الجديدة" من السينما أشبه باستقبال مجتمع جديد يختلف كليا عن مجتمع ما قبل الألفية. وكان إقبال قطاع كبير من الشباب على هذه السينما الجديدة يعكس ليس فقط الإعجاب بها وبنجومها الجدد، وإنما باعتبارها تجسيد حالة اجتماعية قائمة ومحاولة للتماهي معها بأي شكل.

حالة التحول المجتمعي التي كانت تجري بعيدا عن سيطرة الدولة، وإن استفادت منها ووظفتها أحيانا، تمثلت في تسارع عملية التمدين أو الانتقال إلى المدينة من الريف نتيجة لحالة الإهمال التي تعرض لها، أو تغير علاقات الإنتاج التي أنتجتها السياسات الاقتصادية الجديدة

أما الأهم، فإن التحولات في مجال السينما لم تكن قرار منتجين أو موزعين أو فنانين بحد ذاته، وإنما كانت انعكاسا لطلب اجتماعي على شكل مغاير ومختلف للفن السابع يتماشى مع المزاج العام الجديد، وهو ما دفع صناع السينما للتجاوب معها حتى لا يخسروا ماديا واقتصاديا وفنيا.

أما المظهر الثاني لحالة التحول المجتمعي التي كانت تجري بعيدا عن سيطرة وتوجيه الدولة (وإن استفادت منها ووظفتها أحيانا)، فتمثل في تسارع عملية التمدين urbanization أو الانتقال من الريف إلى المدينة، سواء نتيجة لحالة الضعف والإهمال التي تعرض لها الريف والتي وصلت إلى درجة مزرية أواخر عهد مبارك، أو لتغير علاقات الإنتاج التي أنتجتها السياسات الاقتصادية الجديدة.

حالة التمدين الاضطراري تلك ساهمت بشكل كبير في ظهور نخبة سياسية واجتماعية وإعلامية جديدة مختلفة تماما عن تلك التي كانت سائدة من قبل. وتحولت المدن وحواضرها الجديدة (6 أكتوبر ومدينة نصر بالقاهرة وبرج العرب بالإسكندرية والمنصورة بالدقهلية والمنيا بالمنيا والغردقة بالبحر الأحمر والعريش بشمال سيناء، كأمثلة) إلى بؤر التقاء مهمة بين راغبي الترقي الاجتماعي والاقتصادي والمهني من جهة، ومنتجي النيوليبرالية الجديدة ومروجيها من جهة أخرى. وهي أشبه بعلاقة بين المستهلك والمنتج. وكان مجال الصحافة والإعلام من أكثر المجالات التي جسدت هذه العلاقة الجديدة وعكست التزاوج النيوليبرالي بين الريف والمدينة، والتي ساهمت إلى حد بعيد في تشكيل العقل النخبوي الجديد.

أما المظهر الثالث فتمثل في تحولات المجال الديني بمصر خاصة في الحيز أو الإطار غير الرسمي. وقد تجسدت تمظهرات هذا التحول في ثلاث ظواهر مترابطة، وإن لم تكن بالضرورة متجانسة.

أولى هذه الظواهر، "الدعاة الجدد" التي هيمنت على المجال الديني بشقيه غير الرسمي وغير الحركي وذلك منذ أواخر التسعينات وحتي عامي 2005 و2006. وهي ظاهرة كانت متناغمة تماما مع التحول الاقتصادي النيوليبرالي الذي كان يقوده جمال مبارك والذي عزز اقتصاد السوق وحرره من أية ضوابط فوقية.

هذا التحول الاقتصادي السريع خلق طبقة (أو بالأحرى شريحة) اجتماعية جديدة تسعى لتحقيق التوازن بين سلوكها وقيمها الاستهلاكية من جهة، وحاجتها الروحانية الدينية من جهة أخرى، ولكنها ترغب في تحقيق ذلك بعيدا عن الحركات الدينية المؤطرة سياسيا.

الآن تحاول الدولة ليس فقط إعادة سيطرتها على المجتمع ومنع تحولاته من المنبع، وإنما أيضا العمل على تشكيل وصياغة هذه التحولات، وذلك عبر التحكم في أجهزة "غسل الأدمغة" التي تعمل ليلا ونهارا، ويبدو معها المجتمع كما لو كان تائها
أما التمظهر الثاني لتحولات المجال الديني فهي على النقيض من الظاهرة السابقة، وأقصد هنا ظهور "السلفنة" وهيمنته على المجال الديني خلال النصف الثاني من عقد الألفية الأول. وهي ظاهرة وإن عكست في جزء منها حالة الصراع الضارية بين الدولة ومنافسيها من الحركات الدينية الحركية خاصة جماعة "الإخوان المسلمين"، إلا أنها أيضا شكلت رد فعل "هوياتي" وارتداد السياسات النيوليبرالية الجديدة.

فعلى عكس "الدعاة الجدد"، فإن "السلفيين الجدد" كانوا يرون أنفسهم بمثابة حائط صد أمام حالة "الاستلاب" الهوياتي والثقافي ضد الأمة والتي تجلت في ظهور "التدين المائع أو الناعم" على أيدي "الدعاة الجدد". وقد تم فتح المجال أمام هؤلاء السلفيين الجدد من أجل ضمان تحقيق توازن بين الفاعلين الدينيين واستخدامهم ضد بعضهم البعض.

أما التمظهر الثالث فهو رواج "السوق الدينية" بالمعني الاقتصادي والاستهلاكي. فقد وصل الطلب الديني على خطاب الهوية والتدين الطقوسي المنزوع من القيم إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح ممثلوه بمثابة "نجوم شباك" على القنوات الفضائية التي كانت أيضا غارقة حتى أذنيها في ترويج ما يسميه الباحث السويسري باتريك هاني "إسلام السوق". فلم يكن رصيف مسجد أو زاوية في مصر يخلو من انتشار للمنتجات الدينية (أشرطة وكتب وعظية، ملابس دينية خاصة النقاب والإسدال للسيدات وجلباب وغترة للرجال.. إلخ).

هذه التحولات وغيرها كانت في خلفية ثورة 25 يناير، وذلك قبل أن يدخل المجتمع في حالة جديدة من التحول والسيولة عقب الثورة أفضت إلى موجة جديدة من التغيرات الجذرية التي تم إجهاضها مع وقوع انقلاب 3 يوليو وتمكين الثورة المضادة.

الآن تحاول الدولة ليس فقط إعادة سيطرتها على المجتمع ومنع تحولاته من المنبع، وإنما أيضا العمل على تشكيل وصياغة هذه التحولات، وذلك عبر التحكم في أجهزة "غسل الأدمغة" التي تعمل ليل نهار، والتي يبدو معها المجتمع كما لو كان وحيدا وتائها لا يعرف ماذا يريد وإلى أين يسير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك