بعد أيام قليلة من القبض على زملائي بالجزيرة الإنجليزية في القاهرة، تلقيت اتصالا هاتفيا من محامي الشبكة في مصر يسأل عن مكان وجودي، ويحذرني من أن اسمي ورد في التحقيقات.

سألني المحامي عن اسمي كاملا ووعدني بأن يبقيني على علم بأي مستجدات في القضية، وبعد أسابيع قليلة تجسدت أسوأ مخاوفي بإعلان قائمة من عشرين متهما في ما يعرف بقضية "خلية الماريوت"، وكان اسمي بينهم.

مثل بيتر غريستي ومحمد فهمي وباهر محمد وخمسة آخرين من زملائي، تم اتهامي بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبمدها بدعم مادي ومالي، وبإذاعة أخبار كاذبة، وامتلاك معدات بث.

القضية كانت ببساطة إجراء يهدف إلى تخويفنا والحد من تغطيتنا لمصر. هذا الإجراء لم يستخدم ضدي وضد زملائي فقط، فقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا يوثق كيف تستخدم السلطات المصرية السجون والأحكام القضائية الثقيلة لاستهداف الصحفيين الذين يتجرؤون على تحدي خطابها أو سجلها الحقوقي

ردة فعلي الأولى تجاه تلك الاتهامات منذ أكثر من 17 شهرا كانت وما زالت كما هي حتى الآن لم تتغير، لقد شعرت بالصدمة والدهشة وعدم تصديق ما يحدث، لأني لم أفهم أصلا لماذا تم الزج باسمي في القضية، فأنا أولا لم أعمل في مكتب الجزيرة بالقاهرة على الإطلاق، ولم أزره في حياتي سوى ساعتين فقط خلال زيارة شخصية قمت بها للقاهرة أوائل العام 2012.

كما لم يسبق لي لقاء باهر محمد أو محمد فهمي اللذين انضما إلى القناة قبل شهور قليلة من القبض المؤسف عليهما. رأيت بيتر غريستي مراسل الجزيرة الإنجليزية في شرق أفريقيا مرات قليلة أثناء زياراته لمقر القناة بالدوحة، ولكن لم يحدث أن تم تقديم أحدنا للآخر قبل القبض عليه.

ولست بحاجة إلى القول إني لم يسبق لي إرسال أي أموال للجزيرة الإنجليزية في مصر أو في أي مكان آخر في العالم، كما أني لا أمتلك أي أدوات للبث، ولم أنضم أو أمول أو أدعم الإخوان المسلمين أو أي جماعة أخرى في مصر.. أعيش خارج مصر منذ 18 عاما، ولا أزور مصر إلا نادرا.

أنا أيضا فخور بعملي وبتغطيتنا لأخبار مصر، وأشعر أن حظرنا في القاهرة يلحق ضررا بالغا بمصالح الشعب المصري. وأنا فخور بشكل عام بتغطية الجزيرة الإنجليزية للربيع العربي، وبتغطيتها للثورة المصرية على وجه الخصوص، وأتذكر أسابيع طويلة من التغطية المستمرة على مدار الساعة للمظاهرات في ميدان التحرير وفي مختلف مناطق الجمهورية، وأتذكر الناس الحالمين بمستقبل أفضل. لقد كانت الجزيرة الإنجليزية هناك، وكنت أنا ضمن الفريق الذي ساعد على قيادة تغطيتها لتلك الأحداث التاريخية من الدوحة.

كمنتج أول لأخبار الشرق الأوسط بالجزيرة الإنجليزية، كنت وما زلت في قلب تغطية القناة لأخبار المنطقة منذ انطلاق القناة وحتى الآن، وأنا فخور بما حققناه، فنحن مجموعة متنوعة للغاية من الصحفيين الدوليين الذين يبذلون قصارى جهدهم للعمل بموضوعية وحيادية، كما أننا لا نخشى قول الحقيقة في وجه السلطة.

قبل أسابيع من الإطاحة برئيس مصر المعزول محمد مرسي وقيادات الإخوان المسلمين، كتبت تقارير تحليلية تنظر بعين ناقدة لسياسته الخارجية، وبعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 الذي أطاح بمرسي من السلطة، كتبت عن شعور أصوات الاعتدال السياسي في مصر والساعين حتى ذلك الوقت لدفع بلدهم نحو الديمقراطية بالعزلة والإحباط، كما كتبت عن تزايد توغل الجيش المصري في السياسة.

أشعر الآن بأنه حان وقت الحديث.. نحن الصحفيين دائما ما نشجع الضحايا على أن يتحدثوا عما تعرضوا له من انتهاكات وأن يفضحوا الجناة، ولكن يجب علينا -كصحفيين أيضا- أن نضرب المثل والنموذج بهذا الخصوص، كما بت أشعر بقوة بأني مدين بهذه الشهادة لنفسي وأسرتي وزملائي

كلَّ يوم أتحدى نفسي أكثر لكي أذهب خلف عناوين الأخبار وأتعلم شيئا جديدا عن ثقافات وسياسات الشرق الأوسط المعقدة، على أمل أن تنعكس تلك المعرفة على إسهاماتي المتواضعة في تغطيتنا للمنطقة. وعندما يتعلق الأمر بتغطيتنا في مصر فإني أتحدى نفسي ألا أشعر بالخوف أو أن أترك الحكم (غير العادل والمفتقر لأي أساس) عليّ غيابيا بعشر سنوات حبس، يؤثر سلبيا على تقاريري الإخبارية.

على مدى الأشهر السبعة عشر الأخيرة تابعت صابرا تطورات القضية وتفاصيلها التي اتضحت تباعا.. لقد حاولت متابعة التفاصيل والأدلة المقدمة ضدنا والتغطية الإعلامية ونصائح محامينا قدر استطاعتي، وانتظرت أن تقدم الحكومة المصرية خلال المحاكمة الأولية أو خلال إعادة المحاكمة الحالية أي دليل ملموس يدعم اتهاماتها ضدنا، ولكني فقدت أخيرا اهتمامي حيث وصلت إلى خلاصة مفادها أن الأمر كله لم يكن أبدا ذا معنى منذ البداية.

القضية كانت ببساطة إجراء يهدف إلى تخويفنا والحد من تغطيتنا لمصر. هذا الإجراء لم يستخدم ضدي وضد زملائي فقط، ففي أوائل مايو/أيار الماضي نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا يوثق كيف تستخدم السلطات المصرية السجون والأحكام القضائية الثقيلة لاستهداف الصحفيين الذين يتجرؤون على تحدي خطاب السلطة السياسي أو على تحدي سجلها المتعلق بحقوق الإنسان.

فعلى سبيل المثال، يتحدث التقرير عن قضية الصحفي المصور محمود أبو زيد المعروف باسم "شوكان" والذي أمضى أكثر من 600 يوم قيد الاعتقال بدون توجيه تهمه إليه وبدون محاكمته. كما يتحدث التقرير عن ستة صحفيين على الأقل قتلوا أثناء تغطيتهم لمظاهرات منذ يونيو/حزيران 2013.

معرفتي بمعاناة هؤلاء الزملاء ومعاناة زملائي الثلاثة بيتر وباهر ومحمد الذين أمضوا أكثر من 400 يوم في السجن، تجعلني أشعر بأني كنت محظوظا للغاية. لقد تلقت قضيتنا اهتماما دوليا واسعا وأدانها العديد من القادة الدوليين، كما أني لم أمض يوما واحدا في السجن، ولم تتم إصابتي بالأسلحة النارية، ولم أقم بإجراء عدة عمليات جراحية مثل أحد مصوري الجزيرة الذي أصيب في ذراعه أثناء تغطيته المظاهرات في بورسعيد.

الشرق الأوسط بصفة عامة ومصر بصفة خاصة، مكان خطير للصحفيين، وهناك حاجة لأن يرفع كل من يعنيهم الأمر أصواتهم عالية.. الإعلام ليس سبب مشاكل الشرق الأوسط، ويجب أن لا يتم استهداف الصحفيين وتخويفهم لإيقاف تغطياتهم للأحداث

لقد اخترت على مدى الأشهر السبعة عشر الأخيرة أن أبقى صامتا، كصحفي اعتدت على الحديث عن معاناة الآخرين أكثر من الحديث عن معاناتي، وأشعر في قرارة نفسي أني كصحفي يجب أن لا أكون القصة، فالقصة هي الناس، وأشعر كذلك أن زملائي المحبوسين كانوا الأولوية ويجب أن يتلقوا كل الاهتمام حتى ينالوا الحرية والسلامة.

ولكني أشعر الآن بأنه حان وقت الحديث.. نحن الصحفيين دائما ما نشجع الضحايا على أن يتحدثوا عما تعرضوا له من انتهاكات وأن يفضحوا الجناة، ولكن يجب علينا -كصحفيين أيضا- أن نضرب المثل والنموذج بهذا الخصوص.. بتُّ أشعر بقوة بأني مدين بهذه الشهادة لنفسي ولأسرتي ولزملائي الذين يريدون أن يكشفوا عدم العدالة التي ما زلنا نعاني منها.

الشرق الأوسط بصفة عامة، ومصر بصفة خاصة، مكان خطير للصحفيين، وهناك حاجة لأن يرفع كل من يعنيهم الأمر أصواتهم عالية.. الإعلام ليس سبب مشاكل الشرق الأوسط، ويجب أن لا يتم استهداف الصحفيين وتخويفهم لإيقاف تغطياتهم للأحداث.

أتمنى أن ينال محمد وباهر حريتهم قريبا، وفور أن يحدث ذلك أتمنى ألا ينسى العالم أن هناك ستة صحفيين آخرين من الجزيرة -وأنا ضمنهم- سيستمرون في حمل حكم غير عادل بعشر سنوات سجن.

لقد تم توجيه الاتهام لنا وإدانتنا في قضية ليس لها أي أساس من الصحة، قضية تهدف إلى تخويف شبكتنا الإخبارية وغيرها من المنظمات الإعلامية المستقلة.

كمصري، لم أعد أستطيع أن أزور بلدي، لم يعد باستطاعتي أن أزور بقية أسرتي هناك، لم يعد باستطاعتي أن آخذ أطفالي في رحلة لزيارة منزلهم بمصر.. في الواقع، أنا أعيش في المنفى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك