عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني


دومينو الانهيار
حنين إلى العهد القديم
ماذا بعد ربع قرن؟

تحتفل روسيا الاتحادية في يونيو/حزيران من كل عام بـ"اليوم الوطني" الروسي، أو ما كان يسمى بـ"عيد الاستقلال"، الذي يوافق ذكرى "إعلان سيادة جمهورية روسيا السوفياتية الاتحادية" العام 1990.

غير أن هذه الذكرى يؤرخ لها باعتبارها المحطة ما قبل الأخيرة لتفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره، في ظل عدم استقرار وغموض مازال يلف مستقبل الأنظمة السياسية في غالبية دوله سابقا.

احتفلت روسيا الاتحادية في الثاني عشر من يونيو/حزيران الجاري بمرور 25 عاما على تصويت نواب شعوب روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية (آنذاك) على إعلان سيادة الدولة الروسية الاتحادية، ولم يفهم حينها معنى ومغزى مثل هذا التصرف، لكنه جاء في سياق سباق محموم بين برلمانات الاتحاد السوفياتي السابق إلى إصدار إعلانات مشابهة، قادت بعد أقل من 18 شهرا إلى تفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره.

المفارقة أنه في الوقت الذي يتم فيه الاحتفاء بذكرى تفكك الاتحاد، تنمو بوتيرة كبيرة ومتصاعدة مشاعر الحنين إلى الاتحاد السوفياتي السابق، وينظر إلى تفككه كخطيئة جيوسياسية كبرى، أو كارثة جيوسياسية، على حد وصف الرئيس بوتين

دومينو الانهيار
أراد الرئيس الروسي الأسبق، بوريس يلتسين، وأنصاره حينها أن يكون صدور الإعلان علامة أيديولوجية فارقة في تاريخ الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية، ترمز إلى بداية "بناء بلد جديد، ودولة جديدة، واقتصاد جديد، وتقاليد جديدة..".

ورغم أن "إعلان السيادة" في الثاني عشر من يونيو/حزيران 1990 اعتمد في ظل الاتحاد السوفياتي، فإن ذلك لم يمنع أول رئيس للاتحاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بوريس يلتسين، من أن يحول ذكرى الإعلان من مجرد يوم عطلة وطنية إلى مناسبة افتراضية لـ"يوم الاستقلال"، وثار حول هذه التسمية لغط كبير استمر رسميا حتى عام 1998، حيث قام يلتسين نفسه بتغيير التسمية إلى "يوم روسيا".

وكان هذا بداية تحول سيحمل تغييرات كبيرة في الكرملين وسياساته، بفقدان الليبراليين الراديكاليين لمواقعهم، لكن مازال المواطنون الروس يتساءلون حتى اليوم: عمن استقلت روسيا؟ إذ أن "إعلان السيادة"، أو ما بات يسمى في الأدبيات السياسية للحقبة اليلتسينية بـ"وثيقة الاستقلال"، لم يكن من بين أهدافه المعلنة انفصال روسيا الاتحادية عن الاتحاد السوفياتي السابق، بل لم يكن يخطر في بال أحد حينها أن الاتحاد سينهار بهذه السرعة والسهولة، كأحجار لعبة دومينو.

وما فتئت قضية "الاستقلال"، أو على نحو أدق تفكيك الاتحاد السوفياتي، قضية خلافية في روسيا، لا يتردد البعض في وصفها بأنها "كانت لعبة بين يلتسين وقيادة اتحاد الجمهوريات السوفياتية تحولت إلى واقع".

وثمة مفارقة تصاحب الاحتفال السنوي بمناسبة "اليوم الوطني"، أو إعلان سيادة الدولة الاتحادية الروسية، ففي الوقت الذي يتم فيه الاحتفاء بهذه المناسبة تنمو بوتيرة كبيرة ومتصاعدة مشاعر الحنين إلى الاتحاد السوفياتي السابق، وينظر إلى تفككه كـ"خطيئة جيوسياسية" كبرى، أو "كارثة جيوسياسية" على حد وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

حنين إلى العهد القديم
لا يختزن الروس عموما في ذاكرتهم تقييما إيجابيا لسنوات حكم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، ففي السنوات الأولى منها كادت تقود سياساته إلى حرب أهلية روسية عام 1993، ومازال الروس ينحون باللائمة على يلتسين جراء النتائج الاقتصادية الكارثية التي حلت بروسيا الاتحادية، في تسعينيات القرن الماضي، جراء ما اصطلح على تسميته في ذلك الوقت بـ"العلاج بالصدمة"، وهي خطة أطلقها رئيس وزراء روسيا الأسبق وصاحب الحظوة لدى يلتسين، إيغور غيدار، لتحول روسيا من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق، خلال مئة يوم فقط، مازال الروس يعانون من نتائجها الكارثية حتى اليوم.

التعددية الحزبية وإجراء الانتخابات العامة في روسيا لا يعني أن النظام السياسي الروسي قد أصبح في عداد الأنظمة الديمقراطية، ولا يخفي ذلك حقيقة أن السلطة ما زالت تتسم بالفردية والاستبدادية، وفق محللين روس
ولا يشعر الروس بأن شيئا كثيرا قد تغير جوهريا في العديد من القضايا الرئيسية بعد رحيل يلتسين، فبصرف النظر عن الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس بوتين، يرى خبراء في الشأن الروسي أن روسيا الاتحادية ما زالت تسير على "النهج السوفياتي القومي للبناء القومي، بدلا من بناء الأمة ككيان سياسي موحد، وهو ما يؤدي -وفقا لما يؤكده مدير معهد الإستراتيجية الوطنية الروسي ميخائيل ريميزوف- إلى "بناء دولة متعددة القوميات".

ويضيف في تقرير نشره موقع "روسيا وراء العناوين" بتاريخ 12/6/2015 "إذا كنا نتحدث عن كثرة القوميات داخل البلاد، فإن هذا يعني أن البلاد تتشكل من كيانات تمتلك الحق بتحديد مصيرها، وما يترتب على ذلك من اعتبارات..".

وهو ما يعني أن روسيا بعد 25 عاما من (إعلان استقلالها) تعاني من المشاكل ذاتها التي عصفت بالاتحاد السوفياتي السابق، الذي فشل في حل مسألة القوميات، لكن فضاء الاتحاد السوفياتي كان أقدر على تحمل واحتواء التناقضات القومية، التي تشكل نقطة الضعف الأكبر في النظام السياسي الروسي.

يضاف إلى ما سبق أن هيكلية الدولة الروسية لم تختلف كثيرا عن الهيكلية الموروثة عن الاتحاد السوفياتي، مما يبقي على شعور لدى المواطن الروسي بأن بلده لم يفك أواصر ارتباطه بالحقبة السوفياتية، بل وينمو الحنين إلى تلك الحقبة على المستوى الشعبي وكذلك الرسمي، ويلاحظ ذلك في الخطاب السياسي والعقيدة الأيديولوجية للكرملين، وبالطبع الرئيس بوتين شخصيا.

في فكرة أكثر جرأة، يلفت رئيس مؤسسة "سياسة بطرسبورغ"، ميخائيل فينوغرادوف، إلى أن "روسيا تبدو وكأنها تخجل من دولتها الحالية، وتحاول تقويتها باعتبارها وريثة الاتحاد السوفياتي بشكل من الأشكال"، ويزيد في تصريح لموقع "روسيا وراء العناوين" بأن "هذا خطر جدي، لأنه إذا أخذنا التاريخ اعتبارا من القيصر روريك (مؤسس الدولة القديمة) فإن روسيا تحرم نفسها من الشعور بأنها دولة فتية، ومن الديناميكية التاريخية للدولة الفتية، في حين أن بلدان ما بعد الاتحاد التي تعد نفسها فتية تُظهر ديناميكية أفضل".

ماذا بعد ربع قرن؟
رغم الحكم على دول من الاتحاد السوفياتي السابق، مثل كزاخستان وأذربيجان، بأنها دول فتية وأكثر ديناميكية، فإن كل دول الاتحاد السوفياتي مازالت تعيش عمليا مرحلة انتقالية، حيث لم تكتسب ما يكفي من استقرار، لأنها لم تمتلك بعد نظاما سياسيا يتمتع بصفتي الديمقراطية والتعددية.

لا يمكن القول إن روسيا باتت تأخذ بمبدأ تداول السلطة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، فخلال ربع قرن جلس على كرسي الرئاسة ثلاثة، في عملية انتخابية يطلق عليها ميخائيل ريميزوف اسم "آلية التوريث"
وفيما يخص روسيا تحديدا، يؤكد خبراء في الشأن الروسي أن التعددية الحزبية في روسيا، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بشكل دوري، لا يعني أن النظام السياسي الروسي قد أصبح في عداد الأنظمة الديمقراطية، فالتركيز على جانب بناء مؤسسات السلطة والمجتمع المدني، وتبني توجهات اقتصادية مختلفة جذريا عن الحقبة الاشتراكية، يخفي حقيقة أن السلطة ما زالت تتسم بالفردية والاستبدادية، وفق ما يراه محللون سياسيون روس.

من تجليات ذلك، أن لا دور للمؤسسة البرلمانية في ظل الصلاحيات غير المقيدة لمؤسسة الرئاسة، التي ينظر إليها كحجر الأساس في بنيان النظام السياسي الروسي، بل أكثر من ذلك "حجر الأساس الذي يقوم عليه البناء القومي"، وهو وصف يعتقد بعض المحللين أنه يصب في المنحى الإيجابي، بينما يعتقد آخرون أنه يكشف عن ضعف المؤسسات الدستورية الأخرى، وهذا يرتبط بالبعد القومي، لجهة علاقة الحكومة المركزية بالحكومات المحلية والجمهوريات ذات الحكم الذاتي داخل روسيا الاتحادية.

ولا يمكن القول إن روسيا باتت تأخذ بمبدأ تداول السلطة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، فخلال ربع قرن جلس على كرسي الرئاسة ثلاثة رؤساء، هم: بوريس يلتسن وفلاديمير بوتين ودميتري مدفيدف، في عملية انتخابية يطلق عليها ميخائيل ريميزوف اسم "آلية التوريث"، ويشرح ذلك بالقول "لم يجر لدينا فعليا تداول للسلطة من خلال منافسة علنية، بل تعمل آلية التوريث، وهي سلالة رئاسية حاكمة غير رسمية".

حقائق تجعل العديد من الخبراء في الشأن الروسي والمحللين السياسيين الروس يعتقدون أننا أمام روسيا جديدة ومجهولة، ومن غير الواضح مستقبل نظامها السياسي المبني على كارزمية الرئيس بوتين.

ولعل هذا ما يدفع فئات واسعة من الروس بمناسبة "اليوم الوطني"، أو "يوم الاستقلال" سابقا، إلى التعبير عن حنينهم للاتحاد السوفياتي السابق، متناسين أن آباء النظام الجديد في روسيا دقوا في مثل هذا اليوم، منذ 25 عاما، المسمار ما قبل الأخير في نعش الاتحاد السوفياتي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك