توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


كلمة "العرب" لا تغيب عن أي حديث في شأن عام سياسي أو ثقافي أو اقتصادي، حتى عند غلاة رافضي القومية العربية ودعاة القُطرية المنغلقة, تجد ذكر "العرب" يكثر.. أي أن المتحدث يعترف, بوعي أو بتسرب من اللاوعي, بأن المعاناة هي في جسم واحد, وأن معاناته تأتت (مهما نزه قطرهُ وقُطريته عن أسبابها) من كون المصاب يأتي من طرف, أو أطراف من ذلك الجسد مصابة.


والسؤال هنا من نفس نوع الشكوى, وهو: لماذا يتضرر هو إن كان الطرف أو الأطراف المصابة ليست من جسده؟ أم هل المصاب ينتقل بالعدوى من الجوار العربي؟ لم إذا لم تنتقل عدوى الديمقراطيات والرفاه والاستقرار الأوروبي للدول العربية الشرق الأوسطية والشمال أفريقية؟!
في ضوء هذا وغيره, يبدو العالم العربي أقرب للأسرة المتفككة, حيث الكل أخوة وأبناء عمومة وخؤولة, ولكن القربى فيها تجعل العداوة أشد.

بداية, نقول إن "القومية" عند العرب لها مفهوم يكاد يكون حصريا بهم, فهي غير "الوطنية", فيما يُدمج المعنيان بكلمة واحدة في اللغات الغربية. في أميركا الشمالية, القفز عن القومية حتمته تكون الولايات المتحدة وكندا من مهاجرين من مختلف أنحاء العالم.

"القومية" عند العرب لها مفهوم يكاد يكون خاصا بهم, فهي غير "الوطنية". فيما يُدمج المعنيان بكلمة واحدة في اللغات الغربية. بأميركا الشمالية, مثلا يكون القفز على مفهوم "القومية"  حتمته تكون الولايات المتحدة وكندا من مهاجرين من مختلف أنحاء العالم

أما في أوروبا, فرغم التوافق العالي على تقسيم وتكريس الدولة القومية فيها, ما أنتج تفتيت أوروبا الشرقية لدويلات صغيرة سهلت سيطرة المعسكر الغربي على حدود المعسكر الشرقي الذي كان الاتحاد السوفياتي وأصبح روسيا الفدرالية.. لا تزال هنالك تخوفات من بقاء معنى "القومية" عندهم متضمنا في "الوطنية", بخاصة مع ظهور النازيين الجدد.

فنجد بعض الدول الأوروبية تحاول ترسيخ تسمية جديدة مشتقة من كلمة مواطن "citizen" (المستمدة من كلمة "المدينة" وعهود "دولة المدينة" التي سادت منطقة غرب آسيا وشرق أوروبا في بداية التاريخ), وترجمتها الأدق للعربية هي "التابعية".

برأيي فإن "التابعية" التي يحرص عليها الأوروبيون بقوة الآن هي تابعية الاتحاد الأوروبي, والتي يمكن لعودة النزعات القومية أن تهددها. وذلك الاتحاد هو تحقيق لأنموذج المشروع القديم المتجدد للقوميين العرب, الذي أجهضته مؤامرات العديد من دول أوروبا.

وإفشال المشروع القومي العربي أنتج داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، وبغض النظر عن دقة ما يتداول عن دور الغرب الإمبريالي في إنتاج "داعش" كبديل ونقيض لنسف المشروع القومي, لا يختلف عاقلان على أن جذور النبت الداعشي أعدت التربة لها وروتها أياد استعمارية على امتداد قرن.

فليست مصادفة أن ينزلق المكون الإسلامي لمشروع "النهضة" العربية في القرن التاسع عشر, لحالة طقوسية تغيب العقل الذي هو القيمة الأعلى في الإسلام (مقابل التعاطف في المسيحية) وتقاوم الحضارة التي سبق وأن ساهم المسلمون فيها بقدر كبير, لصالح تمثيل مشهد يفترض أنه يستعيد صورة طبق الأصل عن الدولة والمجتمع في الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي زمن كانت يثرب عاصمة المسلمين.. وليس خارجها في الهلال الخصيب رغم التباكي حتى على الأندلس.

والدولة الإسلامية غدت إمبراطورية (بالتعريف السياسي) بفتح الهلال الخصيب ومصر, وهو فتح حقق تابعية شعوب المنطقة سلما في أغلبه بضمانه حرية العقيدة لغير المسلمين وصون حقوقهم وأماكن عبادتهم واحترام تقاليدهم وعدم استرقاقهم. أي أن العهدة العمرية التي قدمت لأهل القدس لم تكن استثناء, فقد جرى تقديم تعهدات مماثلة لمختلف مدن سوريا, والوفاء بها أدى لسلسلة الفتوحات السلمية.

والأهم أنه أتاح بقاء وتوطن المسلمين في تلك البلاد دون أية محاولة لإخراجهم منها, حد أن أصبحت دمشق وبغداد عاصمتي الإمبراطوريتين الأموية والعباسية.

والذي أودى بكل هذا هو الانقسامات الطائفية التي قامت ابتداء -وظلت طوال فترات استدعائها ليومنا هذا- على النزاعات السياسية السلطوية التي وظف كل طرف فيها من أعتمدهم أئمة وشيوخا ومفتين, والذين شكلوا جسم اللاهوت الملازم لكل الأنظمة منذ الفتنة الكبرى, ويسمَى أحدهم شعبيا بـ"مفتي السلطان".

وليس صدفة في زمن الربيع العربي أن هذا الاقتتال الذي اندلع بين الطوائف, وتخوضه بعض القوى الإسلامية في الوقت ذاته ضد مفهوم "القومية العربية" جاء على اعتبار أن الإسلام دعوة عابرة للأقوام. والواقع أنهم بهذا يحاربون هوية مجتمع "السلم" التعددي, ديانات وأعراقا, الذي قامت عليه الدولة الإسلامية تاريخيا. وذلك المجتمع الذي أمكن لكافة الأعراق أن تتعايش وتندمج فيه, كان عربيا في غالبيته.

ويبرز المؤرخون أن ما مكن الرومان تحديدا من حكم أجزاء كبيرة من العالم العربي وغير العربي, إتاحتهم حرية العقيدة والعبادات والتقاليد للأقوام الذين حكموهم, وحتى للأقليات منهم، وصراعهم الاستثنائي مع اليهود جاء نتيجة تحكم نظرية "الأغيار" في علاقات اليهود بالآخرين, حكاما أو محكومين، وهم بهذا ألد أعداء "المواطنة" حتى وهم يعيشون في بلاد غيرهم.
ومن الأدلة على هذا أنهم حين هُجروا لشمال أفريقيا على يد الرومان, قاموا في ثورتهم اللاحقة بقتل كامل الشعب الليبي "المضيف" تقريبا ما لزم معه إقامة مستوطنات لجذب السكان لليبيا.

إن إفشال المشروع القومي العربي أنتج داعش، وبغض النظر عن دقة ما يتداول عن دور الغرب في إنتاج "داعش" كبديل ونقيض بعد نسف المشروع القومي, لا يختلف عاقلان على أن جذور النبت الداعشي أعدت التربة لها وروتها أياد استعمارية على امتداد قرن

وحين تحارب "عروبة" بلاد عربية بجيش من متأسلمين من مختلف الجنسيات, ويأتي هذا مضافا لتهديد وحتى حملات إبادة صهيونية, ويحرمون, مسلمين ومسيحيين, من حق المواطنة في أرضهم التاريخية, يتوجب إبراز والدفاع عن تلك الهوية بحقائق ومستحقات تاريخية. وسأتحدث هنا في حدود معرفتي بتاريخ وثقافة هذا الجزء المسمى الشرق الأوسط. وهو ما دلني صدفة على عروبة هذه المنطقة, ليس فقط منذ ما قبل الفتوحات الإسلامية, بل ومنذ بداية التاريخ.

فالهجرات من الجزيرة العربية للهلال الخصيب بدأت منذ الألفية العاشرة (ق.م) ولكن الهجرات الكبرى بدأت مع الألفية السادسة (ق.م) إذ هاجرت القبائل الكنعانية والفينيقية واليبوسيون والآراميون والعموريون إلى بلاد الشام. وهاجر الجرزيون إلى مصر عن طريق فلسطين, واستقر بعضهم في فلسطين بمنطقة نابلس, ومنه تسمية "جبل جرزيم" لأحد الجبلين اللذين قامت عليهما نابلس. فيما اليبوسيون استقروا في منطقة القدس بداية الألفية الرابعة قبل الميلاد. وسكنوا الكهوف وبيوت الشعر, ولاحقا بنوا مدينتهم "أورشليم "("مدينة سالم" نسبة لملكهم) على جبل الضمور من الحجر والطين وسوروها لحمايتها. وظلوا وثنيين لألف عام, لحين آمنوا بإله واحد (اليهودية).

وهذا يؤكد ما جاء في مقال سابق لي عرضت فيه لدراسات حديثة أغلبها لكتاب يهود إسرائيليين تستنتج أن سلالة اليهود الأوائل هم بعض من عرب فلسطين, منهم من تنصر ومن أسلم وبعضهم بقي على اليهودية, وعرب فلسطين هؤلاء هم بالتالي "أصحاب الأرض" وليس غالبية من أتوا ليستوطنوها ممن اعتنقوا اليهودية من أقوام أخرى.

وعرب الجزيرة المهاجرون لبلاد الشام أصبحوا من أتباع الدولة السومرية التي كانت قائمة في جنوب العراق زمن الهجرات الجماعية, ويتحدثون لغتها التي تعتبر أقدم لغة مكتوبة في العالم. ولكن الأهم هنا ما ورد عن أصول السومريين (الذين بهم يبدأ تاريخ المنطقة المدون) في كتاباتهم, وهو أنهم جاؤوا "من أرض جبلية يمكن الوصول إليها عن طريق البحر". ولكون المنطقة الوحيدة التي يلزم البحر للوصل إليها من بلاد الرافدين هي جنوبه, أي عبر الخليج العربي, يرجح المؤرخون أن يكون السومريون عربا هاجروا من الجزيرة العربية بعد نهاية العصر الجليدي وتصحر الجزيرة.

والسومريون والعرب بعامة ساميون. وحقائق التاريخ هذه تبين الأسباب الكامنة وراء زعم الصهيونية العالمية أن اليهود ساميون, مرفقا بزعم أن الديانة تشكل قومية.. وهو زعم مهد لظهور القاعدة التي ذبلت في طورا بورا وبقيت طالبان أفغانية, وقضى مؤسسها العربي شبه الوحيد في باكستان, وأتباعه العرب عادوا للبلاد العربية لتبدأ مصيبة "العرب الأفغان"!

وحتما لا يمكن زعم النقاء العرقي لمنطقة عبور بين الشرق والغرب كالهلال الخصيب شهدت تصارع حضارات وأمم عليها، رافقها تزاوج ومصاهرات سياسية وعفوية. ولكن الثابت هو بقاء غلبة العرق السامي على المنطقة, و"الاستعراب" الطوعي لكل من توطن فيها من الأقوام المجاورة ما أنتج تنوعها وغناها الحضاري. والسومريون قادوا الحضارة بأهم وسائلها وهي الكتابة, وتعتبر لغتهم أول لغة مكتوبة في العالم, وكانت اللغة المتحدثة في كامل المنطقة بلهجات مختلفة، وتنوع اللهجات دليل اتساع الرقعة الجغرافية لمتحدثيها.

ونعرف أن حضارة "دلمون" في البحرين كانت على صلة وثيقة بالسومريين, وقد يكون السومريون أتوا من البحرين. ففي قصة الطوفان السومرية أن إله المياه "إنكي" وزوجته حين نجيا من الطوفان أقاما في دلمون (البحرين), وأن كبيرة الآلهة السومرية "إنانا" اختارت دلمون كموطن أصل لها, ومنها أتت لـ "أور" عاصمة السومريين وأقامت فيه معبدها المعروف بـ "بيت دلمون".

اللغة تصبح وسيلة تفكير وليس فقط وسيلة تعبير. ومن هنا يأتي التشابه في البنية النفسية للناطقين بلغة واحدة, وبالتالي صحة مقولة "كل لسان بإنسان" لكون إتقان أكثر من لغة يجمع في شخص من يتقنها وعيا إنسانيا مضافا

ومن البحرين تبدا أسطورة, وبالتالي ملحمة جلجاميش, كون "إنكي" أخبر البطل السومري الأسطوري جلجاميش أنه اكتشف سر الخلود في زهرة بيضاء في قاع البحر في دلمون, فذهب جلجامش للبحث عنها.. وتنتهي الأسطورة بأن تسرق "الحية" زهرة الخلود من جلجاميش, ولكنه يكتشف حقيقة أن خلود الإنسان يكون بأعماله العظيمة.

وتظهر الآثار البحرانية أن اللغة السومرية هي أقدم لغة استخدمت في البحرين, وقد تكون أصل اللغة العربية, بدلائل أن اسم كاهن ملك في دلمون كان "ملوكخا" وإله الشمس اسمه "شمش".

والذي حل محل السومرية هو الأكادية التي قد لا تكون لغة أخرى بل لهجة أخرى من ذات اللغة, لاستحالة تغيير لغة منطقة شاسعة, وتحديدا قبل عهد المدارس وتعليم القراءة والكتابة، ولكن محاولة تغيير اللغة (الرسمية حتما بحكم حصرية الكتابة قديما بالدولة) بتغير الحكام, تثبت أهمية اللغة في صياغة الوجدان الشعبي. وهذا يقودنا لأهم مكون للهوية العربية بما يجعل العالم العربي وحدة بشرية حقيقة, أي يجعل قاطنيه, قوما بسمات مشتركة عميقة.

والسمات المشتركة المتأتية من وحدة اللغة تشكلت منذ آلاف السنين، والتغير الذي طرأ عليها منذ اخترع السومريون الكتابة ظل جمعيا. ويمكن القول إن "التغيير" توقف بنزول القرآن الكريم بلهجة أهل مكة, المركز الديني والثقافي للجزيرة, ولهذا لا مشكلة لدينا في فهم الشعر الجاهلي. وانطلق بدلا منه "التطوير" اللازم نتيجة انفتاح العرب والمسلمين على ثقافات جديدة, أضافوا لها الكثير بحيث بقيت بعض مصطلحاتهم في حقول العلم والفلسفة في لغات الغرب ليومنا هذا.

واللغة تبدأ كوسيلة تواصل, ولكنها تصبح لاحقا وسيلة تفكير وليس فقط وسيلة تعبير. ومن هنا التشابه في البنية النفسية للناطقين بلغة واحدة, وبالتالي صحة المقولة العربية "كل لسان بإنسان" لكون إتقان أكثر من لغة يجمع في شخص من يتقنها وعيا إنسانيا مضافا.

وفي الإنجليزية، توجد كلمة ثانية أدق لوصف اللغة غير كلمة "language " هي " idiom" لا رديف لها في العربية. ولهذا لزم قاموسيا إيراد تفسير لها يقول "عبارة ذات معنى لا يمكن أن يستمد من مجرد فهم معاني كلماتها منفصلة".

وهذا التعريف يلامس جوهر اللغة الذي لا يدركه غير المتحدثين بها, فيوحدهم الإدراك والوعي الجمعي الذي تبنيه لدى متذوق تعبيراتها الوجدانية كالشعر (لهذا الشعر لا يمكن ترجمته حرفيا) والغناء والزجل والأمثلة والأساطير الشعبية.. وهذا هو المدلول الحقيقي لمقولة "الشعر ديوان العرب".

المصدر : الجزيرة

التعليقات