هشام  الشلوي

هشام الشلوي

كاتب وباحث ليبي


النموذج الانقلابي
نموذج مصراتة الوطني
نموذج درنة الإسلامي

منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية لاعبا أساسيا في ليبيا منذ نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي وانتشاره في مدن درنة، وبنغازي وسرت، وتوجيهه ضربات مؤلمة، وسيطرته على مبان حكومية، واغتيال شخصيات لا تتفق معه في أيديولوجيته الاصطفائية، منذ ذلك الوقت ظهرت نماذج لمكافحة انتشاره وتوسعه بعضها انقلابي، والآخر وطني، والأخير إسلامي صرف.

النموذج الانقلابي
مثل ظهور خليفة حفتر على مسرح الفعل السياسي والعسكري الليبي لحظة فارقة في تطور الأحداث في ليبيا، باعتبار أن جماعته ليست حركة انقلابية محلية ذات عمق اجتماعي وسياسي صرف، وإنما كانت بالأساس استنساخا لتجربة نجحت في الجوار المصري، القائمة هي الأخرى على إقصاء كل القوى السياسية والاجتماعية والدينية، في محاولة هندسة المجتمع قياسا على الأنموذج الأربعيني والخمسيني والستيني من القرن الماضي حيث انتشرت الانقلابات العسكرية المدعومة من المعسكرين الروسي والأميركي وقتها.

نموذج حفتر الانقلابي الذي اتخذ من القضاء على الإرهاب والتطرف ذريعة وحجة لانطلاق حملته، لم يثبت فقط فشله في تحقيق طموحاته بالسيطرة والحكم المنفرد، بل شجع فئات اجتماعية معارضة له على الجنوح لأقصى اليمين، تحت إغراء خطاب تنظيم الدولة

نموذج حفتر الانقلابي الذي اتخذ من القضاء على الإرهاب والتطرف ذريعة وحجة لانطلاق حملته التي عنونها بالكرامة لم يثبت فقط فشله في تحقيق طموحاته بالسيطرة والحكم المنفرد، بل شجع فئات اجتماعية معارضة له على الجنوح إلى أقصى اليمين، والانضمام إلى إغراء خطاب تنظيم الدولة الإسلامية الطوباوي.

فمنذ مايو/أيار 2014 وكل المصطفين إلى جوار حفتر بصرف النظر عن دوافعهم، أو وقوعهم تحت تأثير التهييج الإعلامي المرتبك والمنحاز أو ما يمكن تسميته تجاوزا الإعلام القتالي، منذ ذلك التاريخ لم ينجح في تقديم نفسه مخلصا لليبيا من إرهاب الدولة الإسلامية الذي لم يكن له، حتى ذلك التاريخ، من الانتشار والقاعدية مثلما حصل له بعد تحرك حفتر العسكري ضد بنغازي ومحاولة دخولها.

رغم الدعم الإقليمي والدولي العسكري والمحلي، السياسي والعسكري الذي تحصل عليه حفتر، فإنه تحول إلى الفشل الذريع بفعل ارتباك مشروعه الانقلابي، واتخاذه من الانتقام والتهجير وسياسة الأرض المحروقة والإضرار الفج بثاني أكبر مدينة في ليبيا وهي بنغازي طريقا إلى السلطة.

نموذج مصراتة الوطني
تمثل مدينة سرت وسط ليبيا البطن الرخوة بالنسبة لمدينة مصراتة الواقعة غربها بحوالي 200 كلم، وهي مدينة يتخذ منها تنظيم الدولة الإسلامية مقرا لانطلاق عملياته وتجميع أكبر عدد ممكن من الأنصار العرب الفاقدين لأي أفق سياسي في بلدانهم المتكلسة سياسيا ومجتمعيا.

وحتى الليبيون الذين أصبحوا بعد ثورة فبراير/شباط دون حماية، والذين كانوا فيما قبل الثورة جزءا من المنظومة السابقة، مع تفاوت في درجات القرب والبعد منها، إلا أنهم كانوا ضمن منظومة توفر لهم الأمان الاجتماعي، مما اضطر مجموعة منهم للانضمام لمشروع تنظيم الدولة الإسلامية الذي يقترب ويبتعد بدرجات هي الأخرى متفاوتة من المنظومة السابقة، خاصة في مسائل الإقصاء والاصطفاء التي ترتكز عليها الأنظمة الشمولية، إضافة إلى حماية الداخلين تحت مظلتها.

مشروع مدينة مصراتة الوطني في مقاومة تنظيم الدولة الإسلامية في سرت هو الآخر يتجه إلى الارتباك، لأسباب عدة، لعل أبرزها غياب الوعي بمدى أهمية مدينة سرت كمنطقة عمق إستراتيجي لمصراتة، والتعامل تحت ضغط الفعل ورد الفعل، والاكتفاء بضرب طوق أمني حول المدينة وإلى أجل فقط. ناهيك عن عدم محاولة، أو إن شئت قل الفشل إلى الآن، في عقد شراكات مع مدن أخرى قريبة من مصراتة، لجعل مسألة مكافحة الإرهاب غير خاصة بالمدينة فقط.

كما أن الانقسامات السياسية وليس الفشل العسكري بحسب معلومات هي وراء انسحاب الكتيبة 166 المكلفة بحماية مدينة سرت وتأمينها من مواقع مهمة كقاعدة القرضابية الجوية ومشروع النهر الصناعي، الذي أدى إلى الدخول الأبيض لتنظيم الدولة إلى هذه الأماكن وسيطرته على أخرى.

والخلافات السياسية ليست بين سياسيين فقط، بل بين عسكريين دخلوا على خط النقاش السياسي، وهو ما ينذر بمزيد من التشرذم، بسبب عدم وجود خطوط فاصلة وواضحة بين السياسي والعسكري، فكلاهما يتدخل في تخصص الآخر، إضافة إلى محاولة بعض الأطراف داخل مصراتة المرهونة بشكل أو بآخر لقوى إقليمية في قرارها، إلى استثمار توجيه تنظيم الدولة ضربات لنقاط تفتيش المدينة في تصفية خلافات لا داخل المدينة فقط، بل امتدت إلى أبعد من ذلك، أي إلى بنغازي.

نموذج مصراتة الوطني معرض للتآكل الداخلي، بسبب محاولة قوى إقليمية ضم مصراتة ذات القوة العسكرية الكبرى في ليبيا، والقوى المجتمعية الأكثر تنظيما وتأثيرا في ليبيا، وأيضا بسبب الانقسام الداخلي بشأن الأولويات، والتداخل بين العسكري والسياسي
نموذج مصراتة الوطني معرض للتآكل الداخلي، وذلك راجع إلى محاولة عدة قوى إقليمية ضم مصراتة ذات القوة العسكرية الكبرى في ليبيا، والقوى المجتمعية الأكثر تنظيما وتأثيرا في ليبيا، وكذلك بسبب الانقسام الداخلي في المدينة بشأن تحديد الأولويات، والتداخل بين العسكري والسياسي. وبالتالي إلى الآن فمحاولة القضاء على تنظيم الدولة تبدو مرتبكة وخجولة.

نموذج درنة الإسلامي
المزايدة السياسية هي العنوان العريض والتوصيف الأكثر قربا للواقع فيما يتعلق بحالة درنة، التي لم تنل طوال سنوات الثورة الأربع اهتماما يذكر من حكومات محمود جبريل وعبد الرحيم الكيب وعلي زيدان وعبد الله الثني وعمر الحاسي وأخيرا حكومة الإنقاذ بقيادة خليفة الغويل. هذا الإهمال لم يتغير إبان حقبة الانقسام السياسي الحالية، والتي تحولت فيها المدينة إلى عدو لحكومة عبد الله الثني ومجلس النواب الليبي الذي يتخذ من مدينة طبرق مقرا له.

فضلا عما تعرضت له المدينة من نسيان طوال حكم القذافي، وتحولت خلالها إلى مدينة للتقاعد وتقاضي المرتبات، مفرغة تماما من أي نشاط أو حراك يدل على أنها جزء من دولة.

المدينة الساحلية في أقصى الشرق الليبي والبعيدة بشكل حاد عن كل مراكز القرار الرئيسية "العاصمة طرابلس قرابة 1200 كم" أو الفرعية "بنغازي 300 كم" لم تكن يوما محط اهتمام السياسيين والحكومات المتعاقبة.

بل تحولت في هذه الفترات إلى ما يشبه سوقا للمزايدة السياسية بين الأطراف المختلفة، وتم وصمها في أغلب دوائر القرار الغربي السياسي بالإرهاب والتطرف، وسيطرة أسماء بعينها من المدينة على عناوين الصحف الغربية كسفيان بن قمو السجين السابق بغوانتانامو، وعبد الحكيم الحصادي الملحق الثقافي الحالي بدولة إندونيسيا، واختزال المدينة في هذين الاسمين، وغيرهما من الأسماء الهامشية حقيقة حتى على صعيد فعل الجماعات الإسلامية بالمدينة.

أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن نفسه من خلال السيطرة على مقرات حكومية داخل المدينة واستبدال عناوينها الرسمية بعناوين أخرى، كديوان الحسبة والمظالم، وديوان التعليم، وديوان الأوقاف، والقضاء في أواخر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، مستخدما أسلوب الصدمة والرعب في التعامل مع مخالفيه ومعارضيه.

وأعلن التنظيم عن أنموذجه في تسيير شأن المدينة والتدخل الفج في حياة الناس اليومية، فقتل وقطع أيدي بعض الناس بذريعة تطبيق حدود الشريعة الإسلامية، ودعوة كل من عمل في هياكل الدولة في النظام السابق إلى الاستتابة والبراءة من فترة عمله تلك، ونشر أسماء التائبين، وقتل المخالفين الرافضين للتوبة والخضوع لإرادة قيادة التنظيم.

في درنة عملت شخصيات من تونس والسعودية والعراق ومالي والجزائر على بناء الهياكل المؤسسية للتنظيم، وترسيخ أفكاره بين شباب المدينة الأحدث سنا، ومن ذوي المستويات التعليمية الضحلة، الذين لم توفر لهم الأسرة أو الدولة أو القبيلة أي مظلة يمكن الوثوق بها واللجوء إليها طلبا للحماية.

في الوقت نفسه أعلن عن إنشاء نواة مجلس شورى مجاهدي درنة من ثلاث كتائب، هي "كتيبة شهداء أبو سليم، وكتيبة صلاح الدين، وكتيبة ثوار المدينة" تحت مسمى مجلس شورى مجاهدي درنة لصد محاولات نموذج خليفة حفتر السيطرة على المدينة، وكقوة ردع لتنظيم الدولة الإسلامية.
 
من المهم بناء مقاربات جديدة في مقاومة التنظيم ضمن مشروع كامل لدول المنطقة يخرجها من التبعيات التاريخية والحديثة، ضمن مشروع وطني يتخذ من الثقافات المحلية عنصر دعم لا هدم، ورفض كل أطر الإقصاء الانقلابي المدعوم خارجيا
رفض مجلس شورى مجاهدي درنة الانصياع أو الدخول تحت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية، كما رفض الخضوع لاستفزازات تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة بعد مقتل أحد المسؤولين الشرعيين بكتيبة شهداء أبو سليم محمد أبو بلال الذي كان يشكل حائط صد ضد فتاوى التنظيم التي كان يراها منحرفة.
 
وكان الاكتفاء فقط بقتل بعض أفراد تنظيم الدولة الإسلامية في المدينة دون الدخول في حرب واسعة وشاملة معه، بسبب حسابات الخوف من استغلال قوات حفتر هذا الاقتتال الداخلي والدخول إلى المدينة التي شكلت جدارا عازلا بين مقر البرلمان بطبرق شرقها والحكومة بالبيضاء غربها.

الآن وفي ظل اندلاع حرب شاملة بين تنظيم الدولة الإسلامية ومجلس شورى مجاهدي درنة بعد اغتيال القياديين بالمجلس ناصر بورواق وفرج الحوتي، والتي أسفرت عن مقتل أبرز القادة الميدانيين في المجلس سالم دربي، دخلت مرحلة اللاعودة بين التشكيلين المسلحين المقتسمين السيطرة على المدينة.

إلا أن نجاح مجلس شورى مجاهدي درنة في التقدم السريع والسيطرة على مداخل ومخارج مدينة درنة الجنوبية والشرقية والغربية، وإنزال هزائم سريعة بتنظيم الدولة الإسلامية انطلاقا من مرتكز عقائدي وفقهي قائم على أن نموذج الدولة الإسلامية ضال ومضل، يجعل ملحا إعادة النظر في كل ما طرُح ويطرح من أفكار متعلقة بتنظيم الدولة الإسلامية في عدة دول عربية كسوريا والعراق وتونس والجزائر ومالي، وإعادة بناء مقاربات جديدة، خاصة أن نموذج مجلس شورى مجاهدي درنة نجح في استقطاب تعاطف شعبي سريع وحاضنة اجتماعية داخل درنة وضواحيها.

كذلك ينبغي عدم التفاؤل بالنجاحات السريعة التي حققها مجلس شورى مجاهدي درنة، إذ إن مآل الحرب إلى الآن غير معروف من ناحية النتائج النهائية، خاصة أن تنظيم الدولة لن يسمح بسهولة أن تهتز صورته أمام العالم بمدينة هامشية كدرنة بعد نجاحاته في السيطرة على مدن بأكملها في العراق وسوريا.

لذا من المهم بناء مقاربات جديدة فكرية ومجتمعية وعسكرية في مقاومة التنظيم ضمن مشروع كامل لدول المنطقة يخرجها من التبعيات التاريخية والحديثة، ضمن مشروع وطني يتخذ من الثقافات المحلية عنصر دعم لا هدم، ورفض كل أطر الإقصاء الانقلابي المدعوم خارجيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك