مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


خيط مهم للغاية يجمع بين إسقاط مشروع السلام التركي مع الأكراد وبين معركة تل أبيض وما تلاها وبدأ يتصاعد بصورة أكثر وضوحا، حيث تبدو بارزة مسألة علاقة هذا الحدث بمساعي تغيير الواقع السياسي في تركيا وتحجيم قدرات حزب العدالة وتصفيته، أو التضييق على هذا المشروع كليا.

وليس موضوع المقال اليوم هو الحالة الداخلية لتركيا، لكنه يتناول علاقة ما سبق بالتطورات الكبرى في سوريا، وبنية المشروع الدولي لصناعة إقليمية جراحية للوضع السوري، وهو ما سيتوجه بالفعل إلى ربط مع الحالة الكردية في كل المنطقة خاصة تركيا.

وكل استعراض منصف لتحركات المحور الدولي مؤخرا يسفر للقارئ بوضوح عن سعي صناعة جيش كردي من مجموعات متنوعة من المقاتلين الأكراد، لكن في سياق مركزي موحد لفكرتهم، مدعوم ببناء سياسي متفق عليه من حزب العمال الكردي في تركيا إلى كردستان العراق، إلى الاتحاد الكردي في سوريا المناهض في الأصل لثورة سوريا وذي العلاقة القوية مع النظام وإيران، إلى حزب الشعوب الديمقراطي الصاعد حديثا.

مشكلة القضية الكردية هي وضعها في بورصات صراع تستثمر صعودها أو هبوطها من خلال سهولة اختراق بنائها أو فصائلها وتوجيهه نحو مشاريع معاكسة تعود فتضرب هذا المجتمع أو ذاك من خلال التوظيف العميق والخطير لجهات وأحزاب كردية

وكلها مؤشرات تؤكد التطابق السياسي للمشروع -الذي ينفذه الجيش الكردي الجديد- مع المصلحة الإقليمية لذوي المشروع في تل أبيب وطهران، وبرعاية مباشرة وتدخل تنفيذي داعم من واشنطن والمعسكر الغربي.

وقبل الاستطراد يجب التأكيد على مفهوم مهم عاشته القضية الكردية وشعبها، وما تعرضوا له من جنايات أو إقصاء أو عنصريات في الدول التي يعيش فيها الأكراد ضمن مناطقهم الجغرافية التاريخية -التي وُرثت في عهود شراكة إسلامية شرقية- وكانوا فيها ضمن الخليط المتجانس الطبيعي، وحُرموا بعد ذلك من الحقوق الفدرالية أو الوطنية الدستورية التي يستحقونها كمواطنين، فضلا عن واجبات الإخوة الإسلامية.

لكن مشكلة القضية الكردية هي وضعها في بورصات صراع صعبة تستثمر صعودها أو هبوطها من خلال سهولة اختراق بنائها أو فصائلها وتوجيهه نحو مشاريع معاكسة تعود فتضرب هذا المجتمع الكردي أو المجتمع العربي أو الأناضولي الشريك معه من خلال هذا التوظيف العميق والخطير لجهات وأحزاب كردية، وهذا يتكرر لدى العرب وغيرهم، لكن بنية القضية الكردية اليوم باتت أكثر جاذبية لهذه القوى لتنفيذ المشاريع البديلة للمنطقة.

ولوضع المقال في سياق محدد نطرح هذه الأسس لتفكير هذه القوى:

1- منذ انطلاق الثورة السورية كان هناك توافق إقليمي للأطراف التي ذكرنا والغرب بأن إسقاط الأسد ببديل إسلامي معتدل أو ببديل ديمقراطي هو مهدد لهذه الأطراف، خاصة مسار الأمن القومي لإسرائيل والنفوذ السياسي لإيران معا، فمسألة رفض حصيلة الثورة نحو هذا المسار كانت قرارا نهائيا ولا يزال لهذه القوى.

2- تعرض الميدان العسكري السوري لصعود وهبوط متعدد، ففي وقت أثخنت فيه داعش (تنظيم الدولة) في صفوف الثوار ومزقت خريطتهم، وبلغت التدخلات مستوى عميقا في ميدان الثورة، وتعرضت لتآمر عربي من أصدقائها بالتنسيق مع واشنطن، وانهارت مواقع بالفعل أمام النظام والميلشيات الإيرانية المتعددة عادت هذه القوات للانتكاس من جديد ولم تستطع الحسم.

3- ومن خلال الجولة الأخيرة لانتكاسات قوات النظام وحتى قبل صعود تحالف جيش الفتح، وما أسفر عنه حجم الاستنزاف لميلشيا حزب الله الإيرانية في لبنان بمعاركه في العراق وسوريا ثم استدعاؤه لليمن تبين أن جبهة النظام وإيران -خاصة بعد معركة القلمون الأخيرة- عاجزة عن تحقيق حسم يرضي ذلك التوافق الدولي الإقليمي.

4- وسواء كانت عمليات دفع داعش ضمن خطة شاملة أو تقاطع جغرافي موسمي واختراق سخرته المخابرات الإقليمية المتعددة لتناقضاتها فإن خريطته تطورت عن تصور المستثمرين لداعش، وكان الرهان على تسخير ذلك الدعم الدولي الضخم بعد الموصل، ليأتي بحسم عسكري يعود به المشروع السياسي التوافقي بين طهران وواشنطن لسحق أي تمرد سني وإخضاعه للعملية السياسية القائمة.

5- لكن حكومة بغداد في صورتها السياسية، أو في حقيقتها كحكومة مليشيا تتبع للمراجع الموالية لإيران فشلت فشلا ذريعا، وهي من دوافع إهانة أوباما الأخيرة للعبادي، وهذا الفشل العسكري المستمر لم يكن بسبب قدرات داعش وإن كان لمقاتليه صفات المقاتلين الأشراس، لكن الكتلة العشائرية السنية في العراق قررت توحيد الجبهة مع داعش كخيار ضرورة لدحر الاجتياح الإيراني المدعوم بتحالف واشنطن الدولي.

6- هذا الانكسار الكبير دفع المشروع الدولي لتغيير جبهة القتال بشريك أكثر فاعلية وتحويل طموحه السياسي إلى ذراع تخدم المشروع البديل لسوريا الذي يضمن عدم سقوط سوريا في يد أي مشروع ثوري سوري حتى ولو جرى توافق سياسي انتقالي يحسم خلافات الثوار.

7- هنا البديل الذي بدا جاهزا وأكثر تنظيما، ولديه هدف أيديولوجي وربما مظلمة موحدة، وله كفاءة أكثر من البيت السياسي الشيعي في العراق -الذي فشلت صناعته الإيرانية ولو مرحليا رغم الدعم الأميركي والإسرائيلي الضخم- هو المشروع الكردي، حيث استُثمر في توقيت دقيق أمام خريطة داعش الانفصالية لتقسيم العراق وسوريا، ليواجه بخريطة تقسيم بين العراق وسوريا، ودويلة علوية في الساحل، ويُحضّر المشهد مستقبلا في تركيا لصالح المشروع، إما بفوضى أو اضطرار سياسي.

المشروع الكردي هو البديل الذي بدا جاهزا بعد صعود داعش وهو الأكثر تنظيما، ولديه هدف أيديولوجي وربما مظلمة موحدة، وله كفاءة أكثر من البيت السياسي الشيعي في العراق الذي فشلت صناعته الإيرانية ولو مرحليا رغم الدعم الأميركي والإسرائيلي الضخم

ولذلك لا يمكن أن يعتبر كل ما يجري من تنقل في جبهات الحرب وتنظيم اجتياح الأكراد -بدعم من ذات القوى أي إيران والنظام وواشنطن وتل أبيب- قد جرى بسياق عفوي، هذا لا يمكن قبوله في التحليل السياسي، خاصة بعد شهادات موثقة عن تهجير العرب والتركمان من مناطق محددة.

لكننا تقول محذرين إن بروز معالم للمشروع لا يعني حتمية تنفيذه ولا قدرية نجاحه، وهذه التعميمات والحسميات تضر بقراءة المثقف العربي الذي يتعامل معها كيقين بينما تبدل أدوار اللعبة وفشلها لا يزال قائما.

لكن الواضح اليوم أن انهيارات الميدان الأخيرة -من هنا وهناك- باتت تدفع هذه الترويكة بقوة إلى قيام هذا المشروع البديل، ولا يعني الغرب ولا إيران بالطبع بل حتى بعض الدول العربية أي وقود دماء جديد ما دام سيخلص إلى نوع من التقسيم يمنع مهددات مصالحهم الكبرى ويوقف الحرب بعد خريطة جديدة يبدو فيها جليا أن الحركة الكردية فرس الرهان.

ومن هنا ذكرنا في المقدمة علاقة ذلك بتغيير المعادلة السياسية في تركيا، لتحييد أكبر قوة قادرة على إفشال المشروع وهي حليف للثورة السورية، وهناك سؤال يطرح: لماذا تقبل إيران ودول أخرى بدولة كردية في سوريا تتحد كونفدراليا مع كردستان العراق وهي لديها مهددات كردية داخلها؟

والجواب على ذلك يتضح بصورة جلية حين نستعرض تاريخ الأمم والحروب الكبرى، فوجود عناصر مشتركة لا تمنع هذا الطرف من تحويل مسار الحرب خارج أرضه، في حين تعتبر شراكته وقاية منه حين يكون هو طرفا فاعلا في الدولة الأخرى.

إن مواجهة هذا المشروع لا تتحقق عبر البربوغندا والملاعنة الإعلامية ولا القطيعة السياسية، لكنها بمعالجة واقع الثورة السورية وصناعة مشروع سياسي بديل للمشروع الدولي الإقليمي يعزز وحدتها، ومسارات التأثير الكبرى التي كررناها سابقا، الميدان، والقرار السياسي الموحد في يد مرجعية قيادية سياسية ثابتة، واستثمار التقاطعات مع تركيا والخليج العربي وغيره دون الثقة المفرطة ولا القطيعة المهلكة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك