فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي


أثناء الحرب بين الجارتين -جمهورية العراق وجمهورية إيران الإسلامية (1980-1988)- وقعت أعداد من الضباط والجنود العراقيين أسرى حرب لدى إيران، وفي ربط مذهبي مؤدلج قام الخميني بإطلاق تسمية "التوابون" على بعض أسرى الجيش العراقي، إحياء لدور الجماعات التي ظهرت عام 65 هـ بزعامة سليمان بن صرد الخزاعي والتي أخذت على عاتقها "الثأر" من الذين خذلوا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء.


وقد أنيطت مهمة دعوة وتجنيد الأسرى العراقيين للانضمام إلى سرايا "التوابون" بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كان يقوده من إيران حينذاك محمد باقر الحكيم.

وبين سياستي الترغيب والترهيب رضخ بعض الجنود العراقيين إلى دعوة الانضمام إلى "التوابون"، على أمل رئيسي هو مغادرة حالة العذاب المروع الذي كان يمارس بحقهم، كما تأثر البعض بعمليات غسيل الدماغ الطائفية المغلقة تماما التي مورست معهم من قبل إيرانيين وعراقيين بغية تهيئتهم لقتال أبناء بلدهم عبر تشكيلات عسكرية كانت بدايتها مع لواء بدر9 ثم تطور إلى التسمية والتشكيلات المعروفة بـ"فيلق بدر"، وكلها بالطبع كانت تحت إدارة وإشراف الحرس الثوري الإيراني.

تعايش "التوابون" مع المجتمع الإيراني وتزوجوا من إيرانيات وانغمسوا تماما في البيئة الاجتماعية والمذهبية الإيرانية فرفضوا نتيجة ذلك العودة إلى العراق بعد انتهاء الحرب، بل كانوا وما زالوا يعتبرون إيران هي مصدر الإلهام لهم دينيا وقتاليا

ومما كان يزيد من اندفاع "التوابون" وإيغالهم في مظاهر الطائفية هو تعمد الإفراط في تعذيب الرافضين للتطوع في "بدر"، وممارسة شتى أنواع القهر الإنساني والنفسي معهم إضافة إلى حرمانهم من أبسط الحاجات الإنسانية وتعمد الإهانة والحرمان والتجويع بحقهم.

ومع تيقن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والحرس الثوري الإيراني من تمام غسل أدمغة المنضوين تحت إطار "التوابون"، وكاختبار أخير لتمام ولائهم وقبل الزج بهم لمقاتلة أبناء بلدهم أنيطت بهم مهمات تجريبية كتعذيب الأسرى العراقيين الممتنعين عن "التوبة"، والإشراف على أقفاص الأسرى، ثم حفر خنادق القتال الأمامية للجيش الإيراني في جبهات القتال مع العراق.

إن المعلومات الموثقة عن دور "التوابون" خلال الحرب العراقية الإيرانية تقول إنهم وبعد إتمامهم دورات عسكرية متعاقبة في معسكر "ورامين" القريب من طهران شاركوا في عمليات حاج عمران وحلبجة والفاو وتاج المعارك، وعمليات ضد قوات مجاهدي خلق داخل الأراضي الإيرانية بعد وقف إطلاق النار بين بغداد وطهران.

لقد تعايش "التوابون" مع المجتمع الإيراني وتزوجوا من إيرانيات وانغمسوا تماما في البيئة الاجتماعية والمذهبية الإيرانية فرفضوا نتيجة ذلك العودة إلى العراق بعد انتهاء الحرب، بل كانوا وما زالوا يعتبرون إيران هي مصدر الإلهام لعقيدتهم القتالية ومصدر الإلهام الديني لهم، فكانوا يشاركون ضمن فيلق بدر(التشكيل الذي يضمهم) بالعمليات التخريبية ضد العراق، كما كان لهم الدور المؤثر أثناء أحداث 1991 في جنوب العراق.

تم تنظيم عمل "التوابون" بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 -الذي يفتخرون بدور رئيس لهم فيه أيضا- بما يوائم المرحلة الجديدة وبما يمهد للسطوة الإيرانية في العراق الجديد، وفيما تم زج بعضهم في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية بقي الآخرون موزعين على شكل قوى مليشياوية محددة تمارس عملها بأنماط سرية وضمن أجندة يعرفها كل العراقيين.

الأوضاع في العراق وأهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية تبرز بوضوح حالة الصراع والمقاومة الشديدة التي يقوم بها الشعب العراقي للمشروع الإيراني منذ عام 2003 وحتى الآن، ورغم حالات القتل الكثيرة التي وقعت بحق الآلاف من العرقيين، ورغم تهجير وإبعاد الملايين واعتقال أعداد لا يمكن حصرها فعليا فإن القوى الوطنية العراقية ما زالت تشكل عائقا وطنيا وديمغرافيا أمام هذا المشروع.

إن أحد الأساليب التي لا يعلم بها الكثير من الناس سواء داخل العراق أم خارجه هو إعادة اعتماد أسلوب تجنيد السجناء (وهم بالآلاف) من أجل تهيئتهم "للتوبة" ومن ثم إعادة زجهم في مجتمعاتهم ليشكلوا نواة لتغييرات عقائدية وأمنية تفضي في نهاية المطاف لخلخلة وهشاشة الأوضاع في المناطق التي ما زالت تشكل حجر عثرة وتدفع باستمرار لفضح التمدد الإيراني في العراق.

السكوت عما يجري في العراق من قبل الرأي العام العربي والإسلامي يمثل جريمة مركبة، فهذا البلد المتروك تماما للنفوذ الإيراني للتحكم بكل شاردة وواردة فيه قد يكون سببا في تصدير توابين جدد لا يمكن تمييزهم أبدا إلى ديار كثيرة
إن السجناء في العراق يتعرضون لظروف مغيبة تماما عن أي جهات إنسانية أو حقوقية أو إعلامية، محلية أو دولية، ظروف ترتبط بعمليات تعذيب ممنهج وحرب نفسية معقدة بالإضافة إلى الإهانات الشخصية والإنسانية، ثم المصير المجهول، كل هذه الضغوط بدأت ترافقها منذ فترة زيارات لرجالات دين بغية إلقاء محاضرات تركز بشكل واضح على "المذهب الصحيح وموالاة أهل البيت".

ومع التكرار يعد القائمون على السجون والمحاضرين سجناءهم بالحصول على معاملة خاصة في حال تغيير قناعاتهم المذهبية والتوبة عما كانوا فيه من ضلال.

السجناء في بعض السجون العراقية مخيرون بين استمرار عذاباتهم ومصيرهم المجهول، وبين تدارك هذا الأمر بمطالب محددة تتعلق بنبذ مذهبهم الحالي وإعلان براءتهم من (..) كما توزع على السجناء كتب طائفية بغيضة وسيئة جدا كأحد أساليب غسل الدماغ.

وينقل بعض السجناء الذين خرجوا من السجون أن بعض المعتقلين الذين استجابوا لعمليات غسيل الدماغ وانغمسوا في المنهاج المعد لتغيير مذهبهم وولاءاتهم بدؤوا في الحصول على مكاسب ومزايا تفضيلية عن أقرانهم، وهو ما يذكرنا تماما بالتجربة الإيرانية خلال سني الحرب مع العراق.

إن السكوت عما يجري في العراق من قبل الرأي العام العربي والإسلامي يمثل جريمة مركبة، جريمة بحق العراقيين أولا، ثم جريمة بحق المسلمين في كل مكان، فهذا البلد المتروك تماما للنفوذ الإيراني للتحكم بكل شاردة وواردة فيه قد يكون سببا في تصدير توابين جدد لا يمكن تمييزهم أبدا إلى ديار كثيرة، ليحولوا استقرارها وثبات عقائدها بعد حين إلى سراب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك