ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


يكفي أن يحضر اسم توني بلير في أي حوار يجري مع حركة حماس حتى يصاب المرء بحساسية مفرطة. فليس لهذا الرجل أية سيرة تدفع لحسن الظن، ولو في الحد الأدنى، فهو حبيب الصهاينة المعروف، والعدو الألد لكل قضايا أمتنا، فضلا عن كونه مندوب الرباعية صاحبة الشروط الأربعة المعروفة.

غير أن وجود اسم، أو حتى أسماء أخرى أقل سوءا في السياق، لن يغير في الحقائق الموضوعية على الأرض، والتي تجري في ظلها الحوارات الراهنة بين حماس وبين أطراف دولية كثيرة تعرض وساطات لا يمكنها التحرك دون ضوء أخضر من نتنياهو، إلى جانب ضوء أخضر -وأقله عدم اعتراض- من نظام السيسي الذي يسيطر على منفذ غزةالعربي الوحيد على العالم الخارجي، وهو وحده الذي يقرر من يمكنه أن يدخل إليها ومن لا يدخل، طبعا إلى جانب الاحتلال.

يبدو أن هناك أكثر من وساطة، يتصدر بلير إحداها، وقيل إن هناك أخرى ألمانية، وربما يتوفر سواهما، لكنها في المحصلة تنويع على لحن واحد عنوانه التهدئة (طويلة أو قصيرة لا يهم وسنوضح لماذا؟) مقابل رفع الحصار، وتسهيل مهمة الإعمار، وبوجود مسائل أخرى تتعلق بالميناء البحري (ضمن شروط كثيرة بالطبع).

سيقول البعض: وأين المشكلة؟ أليس من حق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة أن يعيش ككل البشر، ويعيد إعمار ما دمرته الحرب، ومن ثم يخرج من شرنقة الحصار؟

يبدو أن هناك أكثر من وساطة، يتصدر بلير إحداها وقيل إن هناك أخرى ألمانية، وربما يتوفر سواهما، لكنها في المحصلة تنويع على لحن واحد عنوانه التهدئة، مقابل رفع الحصار وتسهيل الإعمار، وبوجود مسائل أخرى تتعلق بالميناء البحري (ضمن شروط كثيرة بالطبع)

الجواب الطبيعي هو نعم، ولكن هذا الجواب يستدعي أسئلة بلا حصر، لعل أولها هو: إذا كان الأمر يتعلق بشروط الحياة وحسب وليس مصلحة القضية برمتها، فلماذا كانت المقاومة من الأصل، ولماذا كان الدمار من قبل ومن بعد؟ ألم يكن أولى بالشعب الفلسطيني أن يقبل بمشروع روابط القرى في الضفة (في السبعينيات) الذي لا يختلف عن واقع السلطة الحالي هناك، ويوفر عقودا من المعاناة، أو يقبل بواقع السلطة في غزة كما كانت عليه أيام دحلان، ولا يتسلح ولا يحارب، ولا يجر على نفسه هذا الدمار؟

إنه منطق لا علاقة له بقضايا التحرر، ولا يمكن أن يكون مقبولا إذا خرج المتحدث من الصندوق قليلا، وبدأ يفكر في عموم القضية والصراع التاريخي مع العدو، فضلا عن أن يكون من أولئك الذين يرفعون شعار التحرير من البحر إلى النهر.

ولكي لا يرى البعض المشهد من زاوية القطاع وحسب، فإن من الضروري التذكير بواقع الضفة التي تعيش وضعا مماثلا لما يَعِد به بلير وسواه القطاع. فهنا في ظل محمود عباس، ثمة صفقة عنوانها الحياة المعقولة للناس (كانت تتحسن تباعا منذ 2004 كلما أثبت التعاون الأمني فعاليته)، وهيكل دولة مقابل تعاون أمني شامل، وأمن للاحتلال، أما المفاوضات فيمكن أن تستمر لسنوات، وربما لعقود طويلة. والنتيجة أن واقع الضفة الغربية هو أن ثمة شبه دولة تعيش نزاعا حدوديا مع جارتها، وستواصل التفاوض معها و"الضغط عليها من خلال المجتمع الدولي"، حتى يأذن الله بالفرج. متى؟ لا ندري.

هكذا يمكن القول إن العروض التي تنهال على حماس في قطاع غزة هي محاكاة لجريمة عباس في الضفة الغربية، أي صفقة عنوانها "الحياة المعقولة للناس مقابل ترك المقاومة وبيع القضية"، من دون الحاجة إلى إعلان رسمي لعملية البيع، ولا يطلب نتنياهو ذلك، وكما يقبل من عباس أن يواصل الحديث عن الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وحتى عودة اللاجئين، فليست لديه مشكلة في أن تواصل حماس القول إنها تريد فلسطين كل فلسطين، أو أنها لن تتخلى عن خيار المقاومة، مع قدر من التنديد كلما تصاعد الاستيطان والتهويد واستهداف المقدسات.

قبل عشر سنوات بالتمام والكمال، كتبت مقالا في جريدة الحياة بعنوان: "هل يصبح قطاع غزة دولة من دول الجوار (الطوق سابقا)؟!!". ولم أتخيل أن ذلك يمكن أن يعرض بوجود حماس في السلطة أو جزء منها، فقد كتبت المقال قبل ورطة الحركة في انتخابات أوسلو 2006، والذي يصر البعض إلى الآن على أنها لم تكن خطأ بحال.

ما ينبغي أن يكون واضحا هو أن مشروع التهدئة الجديد الذي يعرض على حماس اليوم، إلى جانب ما يفعله عباس في الضفة الغربية، هو الترجمة العملية لمشروع شارون المسمى "الحل الانتقالي البعيد المدى"، والذي يترك القضايا الحساسة في الصراع إلى ما شاء الله، ويركز على العيش والتنمية، وصولا إلى "تأبيد" النزاع، وجعله مجرد نزاع حدودي بين دولتين لا أكثر، بصرف النظر عما إذا كان قطاع غزة سيبقى منفصلا من الناحية العملية، أم سيتم إيجاد وسيلة لربطه بالضفة.

هذا مع العلم أن عباس، وبعيدا عن التباكي المعلن، لن تكون لديه مشكلة تذكر في انفصال القطاع تماما، خاصة إذا تم الأمر بتوافق مصري إسرائيلي، وأقله بسكوت مصري، لأن الرضا مستبعد هنا بسبب خروج القطاع عمليا من دائرة الهيمنة المصرية.

ما نخشاه هو تكرار تجربة حركة فتح، وحيث تضيع القضية لحساب حلول لمشاكل جانبية نتجت عن أخطاء وتراكمات، مما يجعل من الضروري رفض المشاريع الراهنة من بلير أو غيره، فلا وجود في قاموس المقاومة لهدنة طويلة مع محتل يواصل الاستيطان والتهويد

المطلوب من هذه اللعبة برمتها هو دفن حركة حماس كمشروع مقاوم، وبث الإحباط في صفوف الفلسطينيين، بإقناعهم أن الخل أخو الخردل، وأنه لا أفق لأي تحرير عملي. سيرد البعض إنها استراحة محارب، وتخفيف لمعاناة الناس، وإن هناك تهدئة موجودة الآن، لكن الحقيقة أن المؤقت يصبح دائما، ومن يعمِّر ويعمّر لسنوات، لن يغامر بمسار يؤدي إلى الدمار من جديد.

ثم إن من العبث الاعتقاد أن المشروع لن يتضمن "فيتو" صارخا على استمرار التسلح وحفر الأنفاق وتأكيد بقاء القطاع قاعدة للمقاومة (إذا لم يتضمن ذلك وجرى تحديده بمدة قصيرة فلا مشكلة). وكما كانت الدول العربية المحيطة بفلسطين تسمى دول الطوق، ثم ما لبثت أن تحولت إلى دول جوار، سيكون هذا هو حال قطاع غزة، وقبله الضفة الغربية التي أصبحت كذلك عمليا.

كما لن يكون بوسع حماس أن ترفع شعار المقاومة في الضفة، وهي تمنع أي مساس بالهدنة في قطاع غزة، مع العلم أن الوعود "الجميلة" التي ستبذل لاستدراج موافقة الحركة لن تتحول إلى واقع عملي، وستكون المسافة بينها وبين التطبيق كبيرة (ألم تبذل وعود مشابهة من قبل؟)، مع أن التغير سيحدث بقدر ما لتمرير المشروع.

ليست لدينا أية أوهام حول قدرات القطاع المحاصر على شن حرب ضد الاحتلال، إذ ندرك أن قدرته تنحصر في رد العدوان، لكن الصفقات الطويلة أو القصيرة التي تصبح واقعا دائما، ليست من المقاومة في شيء، كما أنها لا تنسجم أبدا مع وقائع الصراع الذي نحن بصدده.

إن ما سيجري -كما قلنا- هو تكريس عملي لمشروع شارون في الضفة وفي القطاع، سواء تم الانفصال أم بقي شكل من أشكال الاتصال، وهذا أمر كارثي بكل تأكيد. دعك هنا من أسئلة الوضع السياسي لجهة الانتخابات والسلطة وما إلى ذلك.

سيخرج البعض ليسأل عن الحل من أجل رفع الحصار والإعمار؟ وهنا سؤال مقلوب، لأن الأصل أننا شعب يقع تحت الاحتلال، ويقاوم، ومن يقاوم لن يرشقه عدوه بالورود.

لقد كان دخول انتخابات 2006 ورطة، وكان الأولى ترك عباس يجرِّب عامين أو ثلاثة ثم يعلن فشله، ويعود الناس إلى مشروع المقاومة. ثم جاءت ورطة السلطة، وكل ذلك جعل التراجع أمرا بالغ الصعوبة، لا سيما بعد الحسم العسكري وما صحبه من تجييش، والذي ترك القضية برمتها لمحمود عباس، وترك فرع حماس في الضفة مستباحا، بينما اكتفى بمنطقة صغيرة (أعني القطاع) محاصرة تخضع لمزاج نظام متصالح مع العدو أيام مبارك، وأكثر قربا منه في الوقت الراهن.

لا بأس، فقد كان اجتهادا على أية حال، وقدم الرجال بعده نموذجا رائعا في الإعداد ومواجهة العدو، وصاغوا ملاحم بطولة تركت أثرها في ضمير الشعب الفلسطيني وعموم الأمة، وما يعنينا هو الواقع الراهن.

إن ما نخشاه هو تكرار تجربة حركة فتح، وحيث تضيع القضية لحساب لحلول مشاكل جانبية نتجت عن أخطاء وتراكمات (أوسلو كان حلا لمشكلة عناصر يبحثون عن مأوى وزعيم يريد استعادة حضوره)، مما يجعل من الضروري رفض المشاريع الراهنة، من بلير أو من سواه، فلا وجود في قاموس المقاومة لهدنة طويلة مع محتل يواصل الاستيطان والتهويد، ويقضم حتى المقدسات، ويرفض الاعتراف بالقرارات الدولية التي تمنحه 78% من فلسطين.

يبقى أن مشهد المنطقة برمته في حالة من الفوضى العميقة، وإلى جانب العمل على تفجير انتفاضة الضفة، ومعها كل الأرض الفلسطينية، فإن من الأفضل الصبر والصمود، وانتظار مآلات الأوضاع الراهنة قبل تقرير الوجهة التالية

وحين طرح الشيخ الشهيد أحمد ياسين الفكرة، كان يتحدث عن 13 عاما مقابل انسحاب كامل من أراضي 67 وإفراج عن الأسرى بدون اعتراف بأي شيء للعدو، فأين من ذلك هدنة طويلة ستتجدد تلقائيا -بحسب تعبير أحدهم- مقابل رفع حصار وإعمار ليس إلا، فيما الاحتلال جاثم على 98% من فلسطين، مع سيطرة على القطاع من البحر ومن الجو، وإن بدون جيش على الأرض؟!

إذا كان التفكير سيبقى منصبا على الإبقاء على الوضع الراهن بكل تفاصيله وتحقيق الإعمار ورفع الحصار، فستكون النتيجة هي هذا المشروع الذي يضيِّع القضية، بالتعاون الضمني مع عباس. ولا بد من تفكير خارج الصندوق، يمنح عباس (حكومة توافق) السلطة، ويبقي السلاح، وإذا تجرأ عليه، فتلك معركته مع كل الشعب وقواه، لكن الأهم من ذلك كله هو القول إنه لا شيء أبدا -لا حصار ولا إعمار- يبرر تكريس مشروع شارون وتضييع القضية برمتها، فهذا المنطق هو منطق عباس، ولا ينبغي أن يصبح هو ذاته منطق حماس (كان الشيخ الشهيد أحمد ياسين يردد دائما: من لا يستطيع الزواج، لا يباح له الزنا).

الأمل الآخر هو تفجير انتفاضة في الضفة الغربية تقلب الطاولة في وجه الجميع، وتعيد تصحيح بوصلة القضية التي ضاعت في متاهة سلطة صممت لخدمة الاحتلال، وانتخابات تخدم ذات الهدف، والجهد الحقيقي ينبغي أن ينصب في هذا الاتجاه أكثر من أي شيء آخر.

إن الأمل بعد الله عز وجل سيبقى معقودا على رجال أبرار في كتائب القسام، ومعهم عقلاء في كل ميادين الحركة، لم يقدموا كل تلك التضحيات في ميدان المقاومة كي يتورطوا بعد ذلك في التنازل عنها (أي المقاومة) من أجل إزالة الآثار التي ترتبت عليها.

ويبقى أن مشهد المنطقة برمته في حالة من الفوضى العميقة، وإلى جانب العمل على تفجير انتفاضة الضفة، ومعها كل الأرض الفلسطينية، فإن من الأفضل الصبر والصمود، وانتظار مآلات الأوضاع الراهنة قبل تقرير الوجهة التالية، وفي ظني أن القدرة على الصمود متوفرة رغم المعاناة، وقد أثبت هذا الشعب العظيم، وهذه الحركة الرائدة، قدرة هائلة على الصبر والصمود في جولات كثيرة من قبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك