عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


تحدثت وسائل إعلام عدة -بخاصة الفلسطينية منها- عن محادثات سرية غير مباشرة بين حماس والكيان الصهيوني برعاية أوروبية قطرية، وقالت إن اتفاقا على وشك أن يعلن بين حماس والصهاينة يتم بموجبه إعلان هدنة طويلة الأمد من طرف حماس قد تمتد خمس سنوات، في مقابل سماح الصهاينة بإقامة ميناء عائم مقابل شواطئ غزة، وتخفيف الحصار من أجل تسهيل الحياة على الشعب الفلسطيني في غزة.

ولم تتحدث هذه المصادر الإعلامية عن تفصيلات أمنية يتفق عليها جانبا التفاوض غير المباشر. فمثلا لم تذكر وسائل الإعلام ما إذا كان الصهاينة يشترطون وقف التسلح الحمساوي، أو وقف حفر الأنفاق، أو ملاحقة فصائل المقاومة الأخرى.

اعتدنا على كثير من اللغط الإعلامي، وكثيرا ما قام الإعلام بتضليل الرأي العام الفلسطيني لأسباب متعددة أهمها المناكفات السياسية على الساحة الفلسطينية.

ولهذا عملت على تتبع الموضوع وتقصي الحقيقة، فوجدت أن الأمر لا يتعدى مجرد أفكار مطروحة من قبل ممثل الأمم المتحدة المنتهية مدة عمله في غزة، ومن قبل بعض الدول الأوروبية، وأن حماس لم تكن إلا مجرد مستمع لهذه الأفكار دون أن تقدم ردودا خطية على أي مقترح.

حماس معنية تماما بفك الحصار عن غزة، وهي تدرك أن الشعب الفلسطيني في غزة يعاني بشدة من ضيق الحياة وضنكها، والأبواب أمام الناس مغلقة بخاصة من الجانب المصري الذي بات يتعرض لضغوط دولية للتخفيف عن أهل غزة

حماس معنية تماما بفك الحصار عن غزة، وهي تدرك أن الشعب الفلسطيني في غزة يعاني بشدة من ضيق الحياة وضنكها، والأبواب أمام الناس مغلقة بخاصة من الجانب المصري الذي بات يتعرض لضغوط دولية للتخفيف عن أهل غزة. حماس مستعدة للاستماع لكل الأفكار التي تهدف إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، أو تخفيفه على الأقل وفتح معبر رفح. الإنجازات حتى الآن في هذا المضمار ضعيفة جدا.

إسرائيل معنية أيضا بتخفيف الحصار عن غزة لأنها تدرك أن ارتفاع منسوب الضغط قد يؤدي إلى انفجار في وجهها هي، لكن محاذيرها الأمنية الكثيرة والمعقدة تحول بينها وبين تخفيف الحصار. علما أن أحد أهداف الحصار الذي تشارك فيه دول غربية وعربية عدة مع إسرائيل يهدف إلى تغيير الوضع السياسي في غزة وحصار المقاومة الفلسطينية والقضاء عليها من خلال الدفع باتجاه هبة جماهيرية في غزة ضد حماس والمقاومة عموما.

تقول نظرية المحاصرين لغزة إن الضغط الذي يفرضه الحصار على الناس قد يدفعهم إلى تحميل المقاومة المسؤولية عن ضيق الحياة وشدتها، فيثورون على المقاومة ويهدمون أركانها ويطالبون بعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وبهذا يمكن أن تستأنف المفاوضات بين الصهاينة والسلطة الفلسطينية على اعتبار أن المفاوضات ستشمل الضفة وغزة بدل الوضع القائم الآن الذي يأخذ الضفة الغربية فقط كموضوع للتفاوض.

المفاوضات بالنسبة لبعض الجهات الدولية وإسرائيل غير مجدية. المفاوضات بالنسبة لبعض الجهات الدولية وإسرائيل غير مجدية إذا لم تؤد إلى حل نهائي يشمل الضفة وغزة. حتى الآن فشلوا في تغيير الأوضاع السياسية في غزة، وتبعا لذلك تبقى المفاوضات في غاية التعثر.

الأوروبيون معنيون أيضا برفع الحصار عن غزة أو تخفيفه لأنهم يخشون من أزمة عالمية قد تنجم عن هذا الحصار. وقد سبق لأهل القطاع أن صنعوا أزمة عام 2008 عندما اجتاحوا الحدود الاستعمارية الفلسطينية المصرية ووضعوا النظام المصري بقيادة مبارك تحت الأمر الواقع، ومعه العالم الذي أيده في حصاره لغزة. لقد استفز أهل غزة الإعلام العالمي الذي أمّ غزة بهدف تغطية الأحداث، الأمر الذي فضح الحصار والمحاصرين، واضطرت الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان العالمية إلى التدخل ووضعت اللوم على الدول الكبرى ومجلس الأمن والبلدان العربية.

تعلم العالم درسا عام 2008 وهو أن شدة الضغط تولد الانفجار بالتأكيد، هذا قانون فيزيائي واجتماعي في آن واحد، لكن من الصعب التكهن بدرجة الضغط المطلوبة لإحداث الانفجار الاجتماعي. الأوروبيون يرون أن الوضع الحالي في غزة لا يمكن أن يستمر، وهم يبحثون عن وسائل لتخفيف الضغط حتى لا تدخل المنطقة بوضع جديد ناجم عن صدام عسكري جديد بين المقاومة والصهاينة، أو عن أزمة أخرى قد تصنعها المقاومة في المشهد العالمي.

الغريب أن الناس في غزة لم يفتعلوا حتى الآن أزمة يكون لها ضجيج على الساحة الدولية. ظروف الناس القاسية في غزة تتطلب عملا مميزا يكون له صدى واسع يردع الدول التي تمارس تشديد الحصار. لا يعقل أن يبقى الوضع هكذا دون تحريك للمياه الراكدة

ولهذا يجهد الأوروبيون في البحث عن أفكار تهدف إلى تخفيف الحصار أو إنهائه، لكي يتلافوا تأثيرات أزمة لا مفر ستطالهم. وضمن هذا الإطار يقدم الأوروبيون أفكارا لحماس، ومن الوارد جدا أنهم يقدمون ذات الأفكار للصهاينة عل وعسى أن يجدوا مخرجا. هذه بالتحديد هي القصة الحقيقية والتي يلعب بها الإعلام لتلويث الرأي العام الفلسطيني. المقاومة الفلسطينية لم تقدم أي ورقة مكتوبة حول هذه الأفكار، ولم تقدم حتى موافقة على أي فكرة أوروبية مطروحة.

لكن الغريب أن الناس في غزة لم يفتعلوا حتى الآن أزمة يكون لها ضجيج على الساحة الدولية. ظروف الناس القاسية في غزة تتطلب عملا مميزا يكون له صدى واسع يردع الدول التي تمارس تشديد الحصار. لا يعقل أن يبقى الوضع هكذا دون تحريك للمياه الراكدة. كان هناك تفكير لعمل تظاهرة قوارب تخترق جدران الحظر البحري الصهيوني وتضع القضية أمام العالم بخاصة مجلس الأمن.

كما أننا لا نرى دورا لروسيا والصين بهذا الخصوص، وليس من المعروف ما إذا كانت فصائل المقاومة تحاول توسيع دائرة المهتمين برفع الحصار عن غزة. المفروض أن تشرك المقاومة إيران والبرازيل وفنزويلا والأرجنتين وكوبا وكل الدول التي يمكن أن تتفهم طموحات الشعب الفلسطيني في التحرير والحرية والاستقلال.

وفي النهاية أقول إنه لا توجد مفاوضات سرية أو غير مباشرة في قطر بين حماس والصهاينة. لكن حقل الأفكار لا يبقى محصورا في بقعة جغرافية معينة، وإذا وسع الأوروبيون حقل أفكارهم فذلك لا يعني أن المقاومة الفلسطينية قد أصبحت على طاولة مفاوضات.

المصدر : الجزيرة