محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي


إذا كانت حرب أكتوبر 1973 وحرب أفغانستان منذ السبعينيات في القرن الماضي، قد نبهتا العالم الغربي إلى قوة ومضاء المخزون الحضاري والخلقي في ممارسة المجتمعات الإسلامية لفن الحرب، بما يتضمنه هذا المخزون من سمو روحي تمثله بوضوح عقيدة الاستشهاد من أجل الدين وأخوّته، فإن مثلا آخر معقدا و أشد علاقة بالإسلام والمسلمين والعرب كان قد بدأ مساره المشتبك مع توازنات كثيرة على يد الزعيم العراقي صدام حسين.

(1)

فقد فوجئ العالم ذات صباح بالزعيم العراقي صدام حسين يشن حربا على جارته إيران، مستغلا ما تصوره (بوضوح أو بانخداع) من تفاقم وضعها الداخلي المرتبك بالتداعي المتوالي في أعقاب قيام الثورة الإسلامية.

لم يكن صدام مهتما بأنه سيبدو خارقا (أو محطما في الوقت نفسه) لاتفاق الجزائر الذي وقعه مع إيران قبلها بسنوات معدودة، على الرغم من أن إنجازه لذلك الاتفاق كان خطوة كبرى في طريق إستراتيجي ذكي، كان كفيلا بالمساعدة على بناء قوة عظمى جديدة على الضفة الغربية للخليج العربي توازي ما هو متجسد منذ فترة على ضفة الخليج الشرقية أو الإيرانية.

لم نشهد منذ عقود حربا ولا نزاعا إلا وهو متأثر أو مقتبس لفكرة الخوف من الإسلام، أو العمل على استنزاف قوى الإسلام، أو استثمار موارده المعنوية والمادية، أو حتى الحرب على الإسلام ذاته.. والتي تتضمن -ضمن ما تتضمن- الحرب على الإسلام بالإسلام

وقد هيأت الطفرات في مدخولات البترول المتزايدة والمضمونة موارد قادرة بسهولة على تمويل هذا المشروع. وبالطبع فإن الذي يقتحم حربا كهذه لم يكن يتخوف من نتائجها أو تكلفتها، وإنما كان يرنو ببصره في ثقة إلى انتصار قريب وصعود واثق.

ومع أن صدام حسين حاول جاهدا أن يقلد عنصري الأداء الناجح في حرب أكتوبر في جزئيتي استدعاء روح الإسلام والمبادرة المفاجئة ببدء فعل الهجوم، فإن هذه المحاكاة لم تحقق لصدام ما حققه الأصل المستلهم قبل سنوات.

بل إن إيران لأسباب لا تخفى على أحد بدت في صورتها الانطباعية أقرب للإسلام من صدام الذي مزج الإسلام بالقومية بطريقة ملفقة بدت ممجوجة وغير مقبولة في العقل الإسلامي الجمعي، في ذلك الوقت الذي لم تكن تجاوزات بعض التصرفات الشيعية الإيرانية فيه (حتى ذلك الحين وما بعده بعقدين على الأقل) قد ذاعت ولا انكشفت ولا نوقشت ولا نقدت.

ومن ناحية أخرى، فإن ميزة المبادرة "الصدامية" سرعان ما فقدت زخمها مع ما حدث من استطالة أمد الحرب العراقية الإيرانية. لكن المفاجأة تمثلت في أنه مع هذا الالتباس والخلط فإن الإسلام نفسه ظل (وهذا أمر عجيب) بمثابة البطل في هذه الحرب، وإلى روح الإسلام والإسلام وحده نسبت كل صور البطولات العسكرية المتاحة على الجانبين عندما حللتها المراكز المعنية بالإستراتيجيات، على الرغم من أن المسلمين لم ينتبهوا إلى هذا الأمر اللصيق بهم في ذلك الوقت، وربما إلى الآن.

وفي بدايات هذه المواجهة كان صاحب الانتصار المصري (الذي هو أنور السادات) لا يزال على قيد الحياة، وكان كثيرا ما يبدأ حديثا (لم يشأ أصحابه أن يستثمروه) حول القوة العالمية الجديدة التي نشأت بفضل حرب أكتوبر، والتي لا تزال تعاني الحقد والتربص الغربيين من ذلك الحين.

(2)

ومن إحقاق الحق أن نقول إن الكرة الأرضية منذ 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 لم تشهد حربا ولا نزاعا إلا وهو متأثر أو مقتبس لفكرة الخوف من الإسلام، أو العمل على استنزاف قوى الإسلام، أو استثمار موارده المعنوية والمادية، أو أخيرا وليس آخرا: الحرب على الإسلام! والتي تتضمن -ضمن ما تتضمن- الحرب على الإسلام بالإسلام.

ونحن نعرف بالطبع ما حدث بعد خروج الخميني بإرادته من معارك حرب العراق المتتالية، كما نعرف ما حدث بعد سنوات من مظاهر القسوة التي تعاملت بها جماعات عنصرية حاكمة (أو متحالفة مع الحكم) في الغرب تجاه شعوب البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان والقرم وبورما.. إلخ، وهي قسوة غير مبررة، لكنها بدت بوضوح وكأنها ذات جناحين يمكن تلخيصمها في وصف دقيق "مخططة بإجرام، ومغطاة بتواطؤ".

الحروب القاسية زادت من حيث لم تقصد (ولم تهدف ولم تع) في القيمة المعنوية والدافعية للإسلام في نفوس أبنائه وفي مخيلة أعدائه، كما أنها أخرجت حقائق الصراع النفسي ضد الإسلام من طبقات أعماق نفسية مستترة إلى طبقة سلوكية قريبة من السطح

ومع هذا فإن هذه الحروب القاسية زادت من حيث لم تقصد (ولم تهدف ولم تع) في القيمة المعنوية والدافعية للإسلام في نفوس أبنائه وفي مخيلة أعدائه، كما أنها أخرجت حقائق الصراع النفسي ضد الإسلام من طبقات أعماق نفسية مستترة إلى طبقة سلوكية قريبة من السطح.

فلما جاءت نهاية هذا المطاف متمثلة في ثورات الربيع العربي (وما أعقبها في سرعة بالغة من الثورات المضادة المدعومة من قوى غربية من باب العداء للإسلام وصعوده)، أصبح من اليسير على مجريات الأحداث اليومية (بفضل الإعلام المتكثف والمتعمق) أن تدفع بمنطوقات وإيحاءات الحقائق الدامغة إلى السطح، وهو ما تجلى بوضوح وبتلقائية متوقعة من تصرفات الغربيين من الداعمين المتخفين لمؤامرة الانقلاب العسكري المذعور في القاهرة، وسرعان ما ظهرت حقيقة العداء للإسلام دون حاجة إلى كثير من القوة أو إلى صراعات القوى.

وعلى خلاف ما كان المحللون يخوضون فيه من جدل وتحبيذ وتقييم وتشكيل وتصوير في الصراعات السابقة، فقد وجد هؤلاء أنفسهم -لأول مرة- عاجزين أن يلاحقوا ما استراح إليه الرأي العام من قبول تشخيص ذكي جسور جُوهر به عقب الانقلاب المصري مباشرة، وهو أن ما حدث وما يحدث ليس إلا حربا على الإسلام.

وقد كان من عجائب التاريخ أن الرؤية المتناقضة النافية للحرب على الإسلام سرعان ما بدت باهتة متهافتة غير قادرة على الصمود أمام هذه الرؤية الجسورة الصلبة التي انطلقت من منبر مهني قوي مؤثر، وخاصة بعد أن تورط الانقلابيون، دون فهم، في كل ما يؤيد التشخيص الصريح الذي وجده الرأي العام دقيقا وشارحا للظواهر، وذلك على نحو ما تعودت البشرية على مدى تاريخها من كفاءة تشخيص الطبيب الناجح الكفؤ الذي لا يمسك العصا من الوسط إذا كانت الأعراض والعلامات ناطقة بالحقيقة المرضية.

(3)

ومع كل هذا الوضوح الإستراتيجي فقد بدا لأي عدو للإسلام أو للفكرة الإسلامية في مسارب المجتمع ومسارات التاريخ، أن مجال المواجهة الداخلية الكفيلة بالنخر (ثم النحر) في فكرة التجمع الإسلامي قد يتجلى نجاحها من خلال ثغرات جيوستراتيجية لا تزال قادرة على أن تساعد على القفز على الحقيقة الديمغرافية المتجسدة بوضوح.

وفي هذا السبيل برزت بجاذبية ماكرة قيمة أهم الثغرات القادرة على خلق حالة متجددة ومتمددة من الصراع الإسلامي الإسلامي، وهي ثغرة ممتدة الجذور في التاريخ الحديث على الأقل، وتتمثل في مجموعة (أو كتلة) سكانية ضخمة وطموحة ينتمي إليها من يحكمون إيران منذ 1979 ممثلين أنصار مذهب من أبرز مذاهب الشيعة، وممثلين أيضا روحا قومية أصيلة (إلى حد كبير) وهي روح ربطت نفسها في تجليها السياسي باعتناق هذا المذهب.

نرى في كل المعارك التي تدور رحاها وما تستتبعه من نقاشات ومداولات عامة وصراعات فكرية، ضمانا كافيا لنشأة حالة غير مسبوقة من نضج فكري يقوي الإسلام وعلاقاته بمنابعه الأصيلة بعيدا عن تراكمات الفولكلور الشعبي والطلاء الاستعماري

وخاصة أن هذين المدخلين السياسيين (أي المذهب والقومية) ارتبطا في أذهان ووجدان الإيرانيين المعاصرين بإرث حضاري وتاريخي ممتدين بعيدا (حتى إلى ما أطلق عليه عرش الطاووس)، وإن كانا قد صورا في الجهة الأخرى مرتبطين بانتماءات ذات دلالات غير محبذة عند مسلمي الجزيرة العربية، وذلك بما توحي به ظلال الألفاظ التي يستعملها العرب في وصف هؤلاء الأخوة الجيران من قبيل: الفرس والعجم والمجوس والصفويين.. إلخ).

ولا شك في أن هذه الآلية المرتبطة بهذا النمط من الصراع الإسلامي الإسلامي لا تزال كفيلة إلى حد كبير بإطالة زمن الحرب على الإسلام بمفهومها الغربي القادر على الوصول إلى أسماء أخرى يطلقها على هذه الحرب ليصرف النظر عن حقيقتها على نحو أو آخر.

ومن الاعتراف بالحقيقة أن نقول إن الغرب نجح في هذا المسار على مدى تجارب متعاقبة، وإن كان نجاحه قد بات مهددا بالتوقف بفضل ما فرضه الإعلام الجديد والمكثف من تصوير صادق ودقيق لمجريات الأمور.

ومع أننا قد نحس بالأسى لحالات الضياع والتيه التي آذت مجتمعاتنا وكياناتنا السياسية الإسلامية طيلة العقود الماضية لما غيب الوعي مرة بعد أخرى، إلا أننا -فيما صادفناه من ردود الأفعال الراهنة على ما طرحناه من فهم مستقل ورؤى متكاملة- بتنا نتصور أن المعارك الإسلامية الإسلامية التي تدور رحاها الآن قد تمثل أفضل فرصة تاريخية متصورة ومتاحة للقضاء المبرم على كثير مما تأذى منه الدين الإسلامي نفسه، من قبيل بعض الخرافات التي أحاطت ببعض التشيع فزادت من جرعات أو مكونات السلوكيات الرافضية في مكوناته، بما كان كفيلا تماما بالخروج بأجزاء من التشيع الشعبي والفلكلوري عن أصول الانتماء للدين الشريف.

لهذه الأسباب، فإننا نرى في كل هذه المعارك التي تدور رحاها وما تستتبعه من نقاشات ومداولات عامة وصراعات فكرية، ضمانا كافيا لنشأة حالة غير مسبوقة من نضج فكري يقوي الإسلام وعلاقاته بمنابعه الأصيلة بعيدا عن تراكمات الفلكلور الشعبي والطلاء الاستعماري على حد سواء، محلحلا لمخاوف الإسلاموفوبيا، وناقلا لها إلى أفق إنساني جديد يتكفل بتحويلها إلى طاقة دافعة للإسلام والإنسانية معا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك