عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر


مصر وحكم العسكر
بين الغياب أو التغييب
مصر للجميع

للعلامة الكواكبي مقولة تشخيصية تشريحية يقول فيها: "العوام هم قوت المستبدِ وقوته، بهم عليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما، وإذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيما".

ويضيف: "والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون لغير منافعهم... وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال" (طبائع الاستبداد، ص 49).

وحين نحلل الوضع المصري المتردي على كافة الصعد، فإننا نميل بشدة إلى القول بأن المشير عبد الفتاح السيسي أحرق كافة "سفن الاعتدال" والرجوع بمصر إلى الأوضاع الطبيعية داخليا، وإلى حد كبير في الخارج أيضا، ولم يتبق له سوى بعض "سفن الاعتزال" والخروج عن المشهد السياسي برمته، بشكل أو بآخر، إنقاذا لمصر، الدولة والمجتمع.

حين نحلل الوضع المصري المتردي على كافة الصعد، فإننا نميل بشدة إلى القول بأن المشير عبد الفتاح السيسي أحرق كافة "سفن الاعتدال" والرجوع بمصر إلى الأوضاع الطبيعية داخليا، وإلى حد كبير في الخارج أيضا، ولم يتبق له سوى بعض "سفن الاعتزال" والخروج عن المشهد

وسيجهد هذا المقال لعرض بعض الشواهد الداعمة لهذا الأمر، وسوق بعض السنياريوهات المحتملة في تحليل سياسي، لا نروم منه سوى وضع حبر الراهن ونقاطه على حروف المستقبل وصفحاته. راجيا أن يُقرأ بهدوء وعقلانية، فالمصلحة العربية العليا هي التي نتوخاها في سياق أوضاع تزداد تعقيدا وخطرا وتكلفة.

مصر وحكم العسكر
بعيد "ثورة 25 يناير" لم أكن متفائلا بانعتاق مصر من سيناريو أن يخلع عسكري بزته ليحكم مصر من جديد، فقد اعتادت على هذا النمط من الحكم لفترات طويلة، ولم أر مؤشرات إيجابية في بكور الحَراك الشعبي المصري يفيد بحدوث تغير بنيوي كاف في منظومة "أفكار وقيم ما بعد الثورة" (إن صحت تسمية ما حدث في مصر ثورة بالمعني العلمي الدقيق).

فالأفكار والقيم -بشكل عام- لم تنفك عن إطارها التقليدي في أبعادها المجتمعية والأيديولوجية والبرغماتية، مع تشرذم الفعاليات والحركات السياسية وتسابقها على مغانم حزبية ضيقة، وكان جليا أن "مجموعات المصالح" قد أفلحت في بناء نفوذ تراكمي وإمكانيات ضخمة وشبكة علاقات معقدة مع المؤسسات والشخصيات النافذة في "الدولة العميقة"، بحيث صَعبَ مواجهتها وإنزال الهزيمة بها، بجانب أمور وسمات أخرى اتصفت بها تلك المرحلة.

صح هذا التوقع وحدث فعليا، بعد سنة واحدة فقط من إجراء أول انتخابات رئاسية نزيهة، إلا أن حدوثه جاء بطريقة خلت من الحكمة والأخلاقية بحدود تكفي لمعالجة المعضلات والاستحقاقات السياسية وتحريك تروس الاقتصاد والمعاش ورأب التصدع والتناحر المجتمعيين، مما يولد توقعا أو استنتاجا آخر، أكشف عنه في المحاور التالية.

بين الغياب أو التغييب
التوقع أو الاستنتاج الذي أراه منطقيا يتمثل في أنه قَربَت لحظة ميلاد يوم يغيب فيه المشير السيسي عن المشهد المصري، أو هكذا يجب أن يكون، فالطريقة التي تدار بها مصر بعد الانقلاب تشي بأنه لا يمكن البتة استمرار السيسي في حكم مصر، وهذا يعني نفي "فرضية الاعتدال" وفق مبدأ الكواكبي المشار إليه آنفا.

يعود ذلك لعدة أسباب جوهرية، يمكن إجمالها في أنه تورط بسقوف مرتفعة من الاستبداد السياسي وإرجاع أركان الدولة البائدة بتقسيط ممل ونهج ممسرح، مع تعطيل للقانون والقضاء وارتكاب خروقات نظامية وأخلاقية واسعة ضد شرائح عريضة من المعارضين بألوان مختلفة، وسقوط الدولة المصرية في أوحال الإقصاء والتصنيف والفئوية ضمن قوالب استعدائية لتيارات الإسلام السياسي بشكل غير مسبوق في التاريخ المصري المعاصر، وبطرائق استفزازية لدفعها إلى حمل السلاح وارتكاب أعمال العنف.

تورط السيسي في "سقطات سياسية وإعلامية" لا تغتفر مع دول عربية حليفة ساندت الحكومة المصرية في فترات عصيبة مضت، بجانب عدم اصطفافه مع خيارات ضرورية لحماية الأمن القومي العربي في أكثر من جبهة عربية

ومن آخر تلك الطرائق وأخطرها الأحكام المسيسة الهزلية بالإعدامات لمعارضيه وللرئيس المنتخب والتي لاقت استنكارا واسعا، مع إمكانية افتعال أحداث إرهابية بعد تلك الأحكام المسيسة وتصاعد الحَراك الاحتجاجي، وكل ذلك يأتي لتبرير حملاته ضد ما يصفه بـ"الإرهاب".

وفي السياق الخارجي، تورط السيسي في "سقطات سياسية وإعلامية" لا تغتفر مع دول عربية حليفة ساندت الحكومة المصرية في فترات عصيبة مضت، بجانب عدم اصطفافه مع خيارات ضرورية لحماية الأمن القومي العربي في أكثر من جبهة عربية، إذ مارس المشير السيسي نوعا من الانتهازية و/أو الضبابية في مواقف لا تقبل المكاسب الصغيرة أو الحياد أو التردد، فالأمن القومي العربي خط أحمر وهو كلٌّ لا يتجزأ، والناس والدول واعية بمصالحها وساعية للحفاظ عليها.

وينضاف إلى ذلك الخفوت السريع لـ"البريق الخطابي" الذي اتصف به عبد الفتاح السيسي حينما كان يتنزل عليه وحي الأدباء والمستشارين من حوله، ليصنع منه "كاريزمية شكلانية مؤقتة"!

وكل ما سلف جعل من المشير السيسي عاجزا عن إرضاء الداخل وإقناع الخارج بأنه "الشخص المناسب" لحكم مصر في فترة ما بعد 25 يناير، مع شبه توقف للدعم المالي الخليجي الكبير لنظام السيسي، مما يقود إلى انفجار ألغام لأزمات اقتصادية حادة، من شأنها شل الحياة العامة وتوقف عجلة التنمية وتراكم العجوزات الاقتصادية، مما قد يتسبب في دخول مصر في متاهات وإشكاليات سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة.

وعند هذه النقطة، يبقى سؤال جوهري لا بد لنا من طرحه بقالب صريح، لا مواربة فيه، ومفاده: هل الأداء السياسي والاقتصادي والمجتمعي والدولي للمشير السيسي مرضي عنه من قبل "المؤسسة العسكرية المصرية" التي تمتلك النفوذ الأكبر في مصر الحديثة؟

يغلب على رأيي أنه غير مرضي عنه، على الأقل لدى الأكثر رصدا وعمقا للحالة المصرية الراهنة، ولا أحسبهم قلة ولا مستضعفين. وهذه الفرضية -التي أميل لتصديقها- تحمل في طياتها سيناريوهات عديدة تؤدي كلها إلى نتيجة واحدة وهي: حتمية إقصاء السيسي من الحكم قريبا، من أجل مصر العروبة والإسلام. وهنالك عدة سيناريوهات رئيسة في هذا الاتجاه، ويمكن اختصارها في الآتي:

السيناريو الأول: إعلان المؤسسة العسكرية عن ما يمكن وصفه بـ"مسار تصحيحي" للحراك الثوري أو السياسي في مصر، وبموجبه يتم الإعلان عن طلب المشير السيسي لـ"التنحي" والابتعاد عن الفضاء السياسي لتنقية الأجواء لإجراء مصالحة وطنية عامة مع كافة الفرقاء والناشطين السياسيين، ولإصلاح العطب أو الفتور السياسي مع بعض الدول العربية غير الراضية عن أدائه السياسي في ملفات محورية تمس الأمن القومي العربي، والسعي لتكليف شخصية وطنية تكون محل إجماع معقول لدى المصريين في مرحلة انتقالية قصيرة، والإعلان عن خطة جديدة للاستحقاقات السياسية والدستورية والانتخابية.

وربما يتم الترتيب لسفر السيسي خارج البلاد لتجنب الإشكاليات المترتبة على وجوده في الداخل، وبخاصة أن قضايا كبارا تنتظره، فضلا عن تشكل احتقان متنام ضده.

السيناريو الثاني: نفس السيناريو السابق، مع عزل السيسي وإقصائه بقوة المجلس العسكري، وهذا محتمل، إن رفض السيسي "التنحي الطوعي". مع اصطحاب خيار الترتيب لسفره خارج البلاد للسبب المذكور سلفا (وهنالك سيناريو آخر وهو ضعيف الاحتمال ولكنه خطير للغاية ويتمثل في تغييب السيسي بطريقة تحقق التخلص منه وإلصاق التهمة ببعض خصومه).

مصر للجميع

يبدو لي أن حكم السيسي مؤذن بانتقال مصر من صيرورة يراها البعض حتمية تاريخية مطلقة، وهي استمرار حكم العسكر، والتاريخ يعلمنا أنه لا يضمن لأي صيرورة خلودا أبديا، فثمة أفكار وأحداث مفصلية تجبر التاريخ على ولادة صيرورات جديدة
إن من مصلحة مصر، بل من مصلحة العرب أجمعين أن تستعيد مصر عافيتها السياسية وفق إطار وطني مجتمعي أكثر تلاحما وتوافقا، على أن يقوم على الدستور والمواطنة والحريات العامة وتحقيق العدالة والكرامة لكل المصريين، مع تبني سياسة خارجية رشيدة، تنحاز للصالح العربي المشترك بما في ذلك تعضيد جهود حماية الأمن القومي العربي، وإقامة علاقات متوازنة في المنطقة لتحقيق أقصى ما يمكن من المصالح العربية العليا، وتقليل هوامش جر المجتمعات العربية إلى تناحر أو اقتتال من جراء تنكب طرائق الحكمة في التعامل مع التيارات الإسلامية.
 
إذ يتوجب العمل على احتواء هذه التيارات بطريقة ملائمة، تكسِب غنما واجبا وتتجنب غرما محتملا، لا سيما أن منطقتنا العربية تعاني راهنا من بروز الجماعات الإرهابية في المسارين السني والشيعي، وزيادة كاريزما تلك الجماعات واجتذابها المتزايد لفئات شبابية مع تشكل "هوية عدمية" تؤمن بالتدمير الشامل لكل شيء، واستمرار "دولة الملالي" -إيران- في توليد أخطار متعاظمة لبعض الدول العربية، وتبني سياسة توسعية مكشوفة في أكثر من قطر عربي، الأمر الذي يوجب تكتلا وتحاشدا مع الدول العربية والإسلامية في عموم المنطقة.

ويبدو لي أن حكم السيسي -على نحو ما رأيناه ونراه- مؤذن بانتقال مصر من صيرورة يراها البعض حتمية تاريخية مطلقة، وهي استمرار حكم العسكر، والتاريخ يعلمنا أنه لا يضمن لأي صيرورة خلودا أبديا، فثمة أفكار وأحداث مفصلية تجبر التاريخ على ولادة صيرورات جديدة، وفق نواميس التغير الاجتماعي، الذي يستجيب لمنطق قوة الأفكار وبريقها في عقول الناس ووجدانهم، وهذه سنن لا تتخلف ولا تجد لها تحويلا ولا تبديلا.

إن مصر اليوم لا تزال بأيدينا، ولم نعدم بعد هوامش المراجعة والتصحيح، وثمة من يعين مصر -من إخوانها العرب- على الحق والبناء والتلاحم من جديد، فهل نرى مسارا تصحيحيا يعيد لنا "مصر القوية المتماسكة"، ويبني مصر المستقبل والتنمية والحريات والحداثة والحضارة والسياحة والفنون والقوة العسكرية والسياسية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك