لقد ميز الانتفاضة الليبية عاملان ومتغير واحد تحكموا في النتائج والمآلات، فالدين والقبيلة يعتبران عاملين ثابتين في التاريخ والجغرافيا الليبيين وليسا دخيلين على البيئة الاجتماعية والسياسية الليبية، بينما يعتبر انتشار السلاح هو المتغير الذي يرتبط وجوده واختفاؤه بظروف وبشروط معينة، فهو متغير عرضي أتت به الانتفاضة بعكس الدين والقبيلة، العاملين الثابتين قبل الانتفاضة وبعدها، واللذين لا يتوقف وجودهما على وجود السلاح.


لعل أكبر النتائج التي أفرزتها الانتفاضة الليبية هو الحضور المسلح للدين والقبيلة في مشهد الصراع الليبي إلى جانب كتلة عريضة تمثل مختلف أطياف المجتمع المدني، ولا يمكن استشراف مآلات هذا المشهد دون الحديث عن هذه العوامل على ضوء متغير السلاح.

لقد تجلى "الدين" (كعامل ثابت) في ظهور كتائب منضوية في إطار الأيديولوجيا السياسية الإسلامية التي شاركت في القتال ضد قوات القذافي، والكثير منها له رأي مختلف في الدستور ودولة المؤسسات المدنية التي كانت إحدى الشعارات الأساسية التي رفعتها الجماهير في المظاهرات والساحات العامة إبان الانتفاضة على نظام القذافي.

القبيلة هي إحدى مكونات المجتمع الليبي وهي قديمة قدم التاريخ الاجتماعي، وساعد على تجذر هذه الظاهرة خلو ليبيا فترات طويلة في تاريخها من وجود دولة تربط أطراف المجتمع في مختلف الأقاليم، وبعد الانتفاضة ودخول السلاح على العامل القبلي ظهرت القبيلة كطرف مؤثر في المشهد السياسي
وذلك بالنظر إلى ما يمثله الدستور والدولة المدنية في نظر هؤلاء من معان تتعلق بحريات التعبير والاعتقاد والمساواة بين الجنسين وبين المسلمين وغير المسلمين، كذلك في ما يتعلق بآليات الديمقراطية كالانتخابات والإرادة العامة، فكلها معان مرفوضة ولا يرونها تقود إلى الطريق الأمثل لبناء السلطة والدولة الإسلامية التي لا يقبلون بديلا عنها.

بمجرد انتهاء الحرب ضد نظام القذافي أخذت المليشيات الدينية تفرض قناعاتها بالقوة من خلال وسيلتين، الأولى تتمثل في تطبيق ما تعتبرها أحكام الشريعة في المناطق التي تسيطر عليها كالحدود والتعازير والفصل بين الجنسين في المدارس والجامعات، أما الوسيلة الثانية فهي اتباع منهج التصفية الجسدية لمن تعتبرهم خصومها من ضباط وأفراد الجيش والأمن والشرطة والقضاة والصحفيين والناشطين السياسيين، فنشرت الخوف والرعب بين مختلف فئات المجتمع مما ولد ردة فعل بين العسكريين فشكلوا قوة منهم عرفت باسم جيش الكرامة وأعلنت أنها تحارب إرهاب هذه المليشيات.

أصبحت هذه القوة هي القوة المسلحة الثالثة إلى جانب مليشيات القبائل والمليشيات الدينية، غير أن هذه القوة الجديدة وجدت -لا سيما في الشرق- قبولا وتأييدا من قبل غالبية أفراد المجتمع الذين روعتهم تصرفات وأفعال المليشيات الدينية، فقام البرلمان بشرعنة هذه القوات واعتبرها جزءا من الجيش الليبي.
 
بموازاة هذه الكتائب أنتجت الحرب تشكيلات أخرى تنتمي إلى المدن والمناطق التي تحمل أسماء قبائل تتسمى باسمها وتدافع عنها في مواجهة قوات النظام، وكان ذلك في وقتها مدعاة للفخر والاعتزاز، ولكنه كان أيضا إيذانا ببروز دور للقبيلة لم يكن معهودا من قبل.

لا شك أن القبيلة هي إحدى مكونات المجتمع الليبي، وهي قديمة قدم التاريخ الاجتماعي في ليبيا، وساعد على تجذر هذه الظاهرة خلو ليبيا خلال فترات طويلة في تاريخها من وجود دولة عضوية تربط أطراف المجتمع في مختلف الأقاليم.

ولكن بعد الانتفاضة ودخول السلاح على العامل القبلي ظهرت القبيلة كطرف مؤثر في المشهد السياسي الليبي ممثلة في مليشيات قبلية ومناطقية، وظهرت معها جملة من المطالب والدعاوى المتعلقة بالتهميش الجهوي والادعاء بالأسبقية في دعم الانتفاضة والمشاركة في الحرب ضد النظام وما قدمته من تضحيات مما يعطيها الحق في نصيب وافر من السلطة والثروة يتناسب مع ذلك الدور، كما عادت -بسبب امتلاك السلاح- مشاعر التناحر والثارات القديمة.
 
الحل الممكن لتفادي وقوع ليبيا أو جزء كبير منها تحت سيطرة الجماعات "الإرهابية" يكمن في بروز دور ما نسميه كتلة المجتمع المدني، التي تستطيع أن تستوعب القوى المحسوبة على التيار الديني المعتدل وتلك المحسوبة على القبيلة
إلى جانب هاتين القوتين برزت قوة ثالثة تضم كل الذين يرفضون الحالة المليشياوية التي تتقمصها القوى الدينية والقبلية، ولا تنضوي تحت لواء الدين أو القبيلة بل تعتبر نفسها هي عمق المجتمع بمختلف أطيافه ومكوناته، فهي كتلة كبيرة غير متجانسة تضم الوطنيين الذين ليست لهم انتماءات عقائدية أو تنظيمية إلى جانب المثقفين والناشطين و بقايا القوميين واليساريين الذين لم يعودوا يمثلون أحزابا بل أفكارا وتوجهات، ولكن كل أطراف هذه الكتلة غير المتجانسة تلتقي جميعها حول مطالب الديمقراطية والدستور والدولة المدنية، وهذا يجعلها عمليا تقف صفا واحدا في مواجهة كل من يقف ضد هذه المطالب ويرفع شعارات تتناقض معها.

إن ما يميز هذه الكتلة المجتمعية بمختلف أطيافها هو أن قوتها تكمن في تجمعات ومكونات المجتمع المدني وليست لها امتدادات داخل الكتائب والمليشيات المسلحة التي تعتبر شبه محتكرة من قبل القبائل والتيارات الدينية المعتدلة منها والمتطرفة، وهذا يعني أن هذه الكتلة تجد قوتها في زخم المجتمع عن طريق مظاهر التعبير السلمية، ولهذا فقد اختفى هذا الزخم من المدن الكبيرة عندما بدأت حملات التصفية الجسدية التي أخذت تشنها المليشيات الدينية المتطرفة ضد المثقفين والإعلاميين والناشطين الحقوقيين والسياسيين.

إن ما يمكن استشرافه من مآلات للمشهد الليبي في وجود هذه القوى الثلاث وتفاعلاتها مع قوى المجتمع الدولي يتلخص في الاحتمالات التالية:

الاحتمال الأول: انتصار الجماعات الدينية المتطرفة وسيطرة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود على ليبيا لتصبح حاضنة للإرهاب العالمي وقاعدة لانطلاقه إلى مختلف أنحاء العالم، وبالتالي تتحول البلاد إلى ميدان للصراع بين هذه التنظيمات وبعض القوى الدولية والإقليمية، التي سترى في ليبيا بؤرة خطر تهدد أمنها القومي، سواء بسبب ما تصدره من إرهاب أو بسبب سيطرة تنظيمات دينية متطرفة على أحد أهم منابع الطاقة التي تحتاجها هذا القوى.
 
الاحتمال الثاني: أن لا تستطيع الجماعات المتطرفة السيطرة على ليبيا بالكامل ولكنها تنجح في فرض سيطرتها على بعض المناطق، بينما تظل الأجزاء الأخرى تحت سيطرة القوى القبلية والجهوية وفي ظل انعدام سلطة للدولة تنضوي تحتها قوى العشائر والجهات، فإن هذه القوى الجهوية والقبلية تدخل في حروب ضد بعضها بسبب الثارات القديمة والصراع على المناطق والثروة النفطية، مما يؤدي إلى ظهور كيانات قزمية في الشرق والغرب والجنوب، كل منها يبحث عن حلفاء دوليين وإقليميين. فتتحول هذه الكيانات إلى أدوات في صراع هذه القوى على مصالحها في ليبيا.

إذا استطاعت الكتلة المجتمعية استقطاب  كل القوى الدينية والقبلية المعتدلة بحيث تتشكل قوة وطنية واحدة تحوز على مساندة القوى الدولية والإقليمية، فستنتج سلطة قوية بمؤسساتها السياسية والعسكرية، قادرة على حماية الدولة من التفكك
كما أن هذا الوضع يتيح المجال أيضا أمام التنظيمات الدينية المتطرفة لعقد تحالفات مع بعض هذه الكيانات ضد البعض الآخر، وذلك من أجل فرض سيطرتها على الجميع في نهاية الأمر، وفي هذه الحالة أيضا تتحول ليبيا إلى ميدان لصراع مدمر بين القوى الدولية وهذه التنظيمات الإرهابية التي تسيطر على الجغرافيا والثروة الليبيتين.

أمام هذين الاحتمالين السيئين يبرز احتمال ثالث هو أفضل المآلات:
يمثل هذا الاحتمال الثالث الحل الممكن لتفادي الوقوع في أحد المأزقين السابقين، ويكمن في بروز دور ما نسميه كتلة المجتمع المدني، التي تستطيع أن تستوعب القوى المحسوبة على التيار الديني المعتدل وتلك المحسوبة على القبيلة. فهذه الكتلة تتميز بأنها -أولا- تمثل كل أطياف المجتمع غير المؤدلجة دينيا وغير المتعصبة قبليا أو جهويا، وأنها -ثانيا- تتمسك بالوحدة الوطنية والمسار الديمقراطي الذي يفتح الباب للوصول إلى السلطة سلميا أمام كل القوى التي تؤمن بالتعددية والتداول السلمي للسلطة.

ثالثا هي ترفض جميع التشكيلات المسلحة ولا تعترف إلا بمؤسستي الجيش والشرطة، والمؤسسات المنتخبة كالبرلمان والبلديات.

إذا استطاعت هذه الكتلة أن تستقطب وتحتوي كل القوى الدينية والقبلية المعتدلة بحيث تتشكل قوة وطنية واحدة تحوز على مساندة ومؤازرة القوى الدولية والإقليمية، فستنتج سلطة قوية بمؤسساتها السياسية والعسكرية، قادرة على حماية الدولة من التفكك والوقوف في مواجهة الأقلية المتطرفة العنيفة، التي ستغدو في تلك الحالة ضعيفة ومعزولة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك