خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

التصويت على الهوية
في معنى الصعود الكردي
التحالف بين المنتصرين

الدرس الأول الذي ينبغي استخلاصه من نتائج الانتخابات البرلمانية التركية هو مدى ارتباط العملية السياسية بالتحولات الديمقراطية الجارية في البلاد. ولعل التحدي هنا يكمن في كيفية ترجمة هذه النتائج إلى واقع سياسي يعزز قواعد اللعبة الديمقراطية أولا، ويحقق التوازن السياسي والاجتماعي والهوية لصالح الاستقرار والتنمية والنمو ثانيا.

وفي قلب هذا الدرس ثمة قضية قديمة جديدة هي القضية الكردية التي كانت الانتخابات انتصارا لها، خاصة لجهة نزع الطابع العسكري عنها لصالح إدخالها في قلب الحياة السياسية التركية باتجاه حل سياسي يحقق الاستقرار لتركيا ويفضي إلى الاعتراف بالقومية الكردية على شكل تأسيس جديد لهوية البلاد.

التصويت على الهوية
أثبت الفوز الكبير الذي حققه حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بحصوله على نحو 13% من الأصوات (80 نائبا) أن قرار خوضه هذه الانتخابات مستقلا لم يكن مغامرة سياسية كما قال البعض، بل يمكن القول إنه جاء إدراكا عميقا لأهمية التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها تركيا والمنطقة وعلاقة كل ذلك بالهوية القومية الكردية، إلى درجة يمكن القول إن التصويت الكردي في هذه الانتخابات كان تصويتا على الهوية.

لا يمكن النظر إلى حزب الشعوب بعيدا عن المراجعات التي يجريها باستمرار زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المعتقل في سجن أمرالي منذ عام 1999، إذ يمكن القول إن الرجل هو المنظر الحقيقي لفلسفة هذا الحزب وممارسته للسياسة بهوية وطنية تركية

فالكرد في تركيا وعموم المنطقة يبدو كأنهم دخلوا مرحلة جديدة من استعادة الوعي القومي بالهوية بعد أن تعرضت هذه الهوية للإقصاء والإنكار منذ تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال عام 1923. وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف سيؤثر الفوز الكردي على خيارات الكرد السياسية في البلاد؟

بداية، ينبغي القول إنه لا يمكن النظر إلى حزب الشعوب الديمقراطي الذي تأسس في أكتوبر/تشرين الأول 2012 بعيدا عن المراجعات السياسية والفكرية التي يجريها باستمرار زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المعتقل في سجن أمرالي منذ عام 1999، إذ يمكن القول إن الرجل هو المنظر الحقيقي لفلسفة هذا الحزب وممارسته للسياسة بهوية وطنية تركية، فقد طرح نفسه كصوت ديمقراطي يمثل الشعوب والأقليات والفئات المحرومة والمهمشة، فضلا عن قدرته على جذب التيارات اليسارية والدينية والطوائف (العلويين).

دون شك، النسبة الكبيرة من الأصوات التي حصل عليها الحزب الكردي جعلت من الكرد قوة برلمانية مؤثرة في الحياة السياسية والدستورية وربما الحكومية (في حال دخولهم في حكومة ائتلافية)، وهو ما يفرض عليهم البحث عن الخيارات الديمقراطية والسياسية كقوة حل وليس كجزء من مشكلة، وإلا فإنه لا معنى لوصول الكرد إلى البرلمان.

في معنى الصعود الكردي
لعل الفوز الكردي سيمهد لجملة من التداعيات التي ستؤسس لواقع جديد للعلاقة الكردية التركية، لعل أهم معالمها:

1- انتقال جهود حل القضية الكردية من دائرة الاستخبارات التركية إلى المحافل السياسية ولاسيما البرلمان والحكومة، بما يعني إنتاج معادلة سياسية راسخة، عنوانها الاعتراف بالهوية القومية للكرد في البلاد، وإخراج هذا السيناريو إلى الوجود عبر دستور جديد هو في صلب برنامج حزب العدالة والتنمية للمرحلة المقبلة.

2- انتقال الشرعية التمثيلية للكرد إلى حزب الشعوب الديمقراطي حزبا ممثلا ومشاركا في الحياة العامة بدلا من بقاء الحزب جناحا سياسيا لحزب العمال الكردستاني، بمعنى تشكيل مرجعية سياسية مقبولة لدى الكرد والترك معا، ولعل مثل هذا الأمر يقصي خيار الحل العسكري الحاضر تحت الطاولة، سواء من قبل الحكومة التركية أو حزب العمال الكردستاني.

3- قضية الاعتراف بالهوية لا بد أن تؤسس للانتقال إلى الحكم المحلي من خلال الاعتراف بشكل من أشكال الحكم المحلي للكرد في مناطقهم حيث يتركزون في معظم ولايات جنوب تركيا وشرقها، وفي الأصل فإن قضية الانتقال إلى الحكم المحلي مطروحة للنقاش منذ أعوام وسط ميل نحو تطبيق الحكم المحلي المستمدة معالمه من التجربة الأوروبية، بما يعزز مساعي الانضمام إلى العضوية الأوروبية.

4- منهجية الخطاب السياسي، إذ إن الخيار الديمقراطي لحل القضايا والأزمات من نوع القضية الكردية لا بد أن يحمل رؤية تجسد هوية منفتحة على الآخر والتعايش معه في نسيج اجتماعي تاريخي تفرضه عوامل التاريخ والجغرافيا والتجربة المشتركة، والتحدي هنا يكمن في كيفية تقديم الهوية المحلية دون الصدام مع الآخر، خاصة وأن النتاج السياسي السائد في الساحة التركية أوجد فوقية قومية تركية (عزز هذا الأمر سياسة أتاتورك التي جسدت تقديس العنصر التركي على حساب باقي العناصر) من الصعوبة أن تعترف بالآخر، بل تعد كل خطوة منه للاعتراف به انشقاقا قوميا عن السائد السياسي (أيديولوجية سياسة حزب الحركة القومية).

ولعل الحزب الكردي أدرك هذا الأمر، إذ حرص خلال الحملات الانتخابية على انتهاج خطاب وطني يقبل به الجميع من جهة، ويخاطب كل المكونات الاجتماعية ويحترم خصوصيتها من جهة ثانية، ولعل هذا الخطاب المنفتح يشكل أحد أهم أسرار نجاح الحزب الكردي.

المعطيات السابقة، تبدو قضايا إشكالية في النسيج الاجتماعي والسياسي للهوية، وهي معطيات تنتظر اتضاح المشهد السياسي التركي بعد الانتخابات كي تتحول إلى واقع سياسي يؤسس لتركيا الجديدة.

التحالف بين المنتصرين

الحزب الكردي حرص خلال الحملات الانتخابية على انتهاج خطاب وطني يقبل به الجميع من جهة، ويخاطب كل المكونات الاجتماعية ويحترم خصوصيتها من جهة ثانية، ولعل هذا الخطاب المنفتح يشكل أحد أهم أسرار نجاح الحزب الكردي
ربما كان خيار سير الحراك السياسي نحو تحقيق أهدافه السياسية المتعلقة بالحل السياسي للقضية الكردية في تركيا أقل كلفة أو صعوبة من دون تداعيات ارتباط هذه القضية بالقضايا الكردية الأخرى في العراق وسوريا وإيران، إذ إنه مع تحول الكرد في المنطقة إلى لاعب إقليمي مهم على وقع تحالفهم مع الغرب ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) بعد أن كانوا ورقة في الحسابات الإقليمية والدولية، جعل من القضية في أي جزء وكأنها قضية عضوية واحدة بمفاعليها.

وقد تجسد هذا الأمر بشكل واضح في معركة كوباني (عين العرب) بين تنظيمات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي -الذي هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني- وتنظيم داعش، إذ شدت هذه المعركة من العصب القومي لكرد تركيا حيث شهدنا احتجاجات تضامنية مع كوباني عمت أرجاء تركيا بما شكل انتصارا للهوية القومية.

وقد تجسد هذا الأمر في أحد جوانبه في انصراف الناخب الكردي عن حزب العدالة والتنمية بعد أن كان هذا الناخب يصوت له في السابق، إلى درجة أن أكثر من 80% من أصوات الكرد في دياربكر ذهبت إلى الحزب الكردي بعد أن كانت نحو 40% منها تذهب للعدالة والتنمية في الانتخابات السابقة.

واللافت هنا هو أنه حتى الأوساط الدينية الكردية انتصرت لهويتها القومية على حساب منظومتها الأيديولوجية التي كانت تدور في فلك أيديولوجية العدالة والتنمية.

لعل القضية الجوهرية في مرحلة ما بعد الانتخابات تتعلق بمستقبل العلاقة بين الكرد وحزب العدالة والتنمية، وهي قضية في أبعادها تتجاوز اللحظة السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات إلى الشراكة السياسية التي أسسها كل من أردوغان وأوجلان، ولطالما دعا الأخير إلى حل وطني يتجاوز الصدام القومي لصالح المشتركات القومية بين الكرد وباقي شعوب المنطقة.

وعند الحديث عن أفق هذه العلاقة لا بد من التوقف عند نقطتين:

الأولى: أن تصريحات زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرطاش بأنه لن يدخل في ائتلاف حكومي مع حزب العدالة والتنمية تبدو خارج سياق الشراكة التي دعا ويدعو إليها أوجلان ويعمل من أجلها، بل تبدو خارج صيرورة عملية السلام الكردية التركية نفسها، إذ يعرف الجميع أن القرار الكردي لا يصنعه دميرطاش وحده، بل يمكن القول إن الثقل الأكبر للقرار الكردي ما زال بيد أوجلان ومراجعاته السياسية التي تقف وراء تشكيل حزب الشعوب الديمقراطي ليكون خيارا وممثلا للكرد في السعي إلى تحقيق التطلعات القومية.

واليوم بعد النتائج التي حققها، فإنه ينبغي تعزيز هذا المسار، وبلغة الحسابات والمصالح والحقائق فإن حزب العدالة والتنمية هو الأكثر قبولا واستعدادا لإيجاد حل سلمي للقضية الكردية خلافا لحزبي الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية القومية حيث يرفض الأخير أي اعتراف بوجود قومي كردي، وعليه فإن احتمال تشكيل ائتلاف حكومي بين الحزب الكردي والعدالة والتنمية يبقى قائما وقويا، نظرا لأن مثل الائتلاف سيحقق تطلعات الجانبين وبما يخدم قضية الحل السياسي.
تبدو تركيا أمام مرحلة جديدة، مرحلة تبدو فيها صورتها وهويتها وخريطتها القومية والاجتماعية أمام إعادة تشكيل من جديد بعد أن غير فوز حزب الشعوب الديمقراطي مسار قواعد اللعبة الديمقراطية، قواعد تتعلق بكيفية إدخال الكرد إلى هذه الهوية
الثاني: أن أردوغان يدرك أن طموحه (السلطاني) لا يمكن أن يتحقق بائتلاف حكومي مع حزبي الحركة القومية والشعب الجمهوري، وإنما بالتحالف مع الكرد، وهو يعتقد أن مشكلة الكرد لا تكمن في إقامة نظام رئاسي، بل في الإفراج عن أوجلان والاعتراف بالكرد دستوريا وإيصال العملية السلمية إلى نهايتها.. ومثل هذه المطالب وغيرها لا تعد مشكلة سياسية لأردوغان أمام إدراكه القيمة التاريخية لعلاقة الترك بالكرد منذ التحالف الذي نشأ بينهما في معركة جالديران عام 1514 التي انتصر فيها العثمانيون على الصفويين.

ولعل ما يشجع أردوغان على الذهاب في هذا الاتجاه هو قناعته بأن أوجلان سيبقى العنصر الكردي الأكثر تأثيرا في هذا المجال، وعليه ربما يلجأ إلى تفعيل خط الاتصال معه لإخراج مسار التحالف التركي الكردي إلى ساحة المشهد السياسي.

وربما ما يدفعه إلى هذا الأمر محاولة استرجاع الصوت الكردي الذي فقده حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، إذ لا شيء سيعيد هذا الصوت ما لم يتم الاعتراف بالهوية القومية للكرد.

أمام التمعن في النقطتين السابقتين، ينبغي مراقبة مسار المشهد الكردي جيدا في الأيام المقبلة، بمعنى هل سيتحول الثقل الكردي وقراره إلى الخيار الديمقراطي الذي سلكه حزب الشعوب الديمقراطي؟ أم سيكون قراره بيد قيادة حزب العمال الكردستاني في قنديل؟

في جميع الأحوال، تبدو تركيا أمام مرحلة جديدة، مرحلة تبدو فيها صورتها وهويتها وخريطتها القومية والاجتماعية أمام إعادة تشكيل من جديد بعد أن غير فوز حزب الشعوب الديمقراطي مسار قواعد اللعبة الديمقراطية، قواعد تتعلق بكيفية إدخال الكرد إلى هذه الهوية وصورة تركيا بعد خروج المارد الكردي من القمم الذي وضعه فيه أتاتورك قبل نحو قرابة قرن من الزمن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك