عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر


الشعوب وحكامها الملهمون
أردوغان.. من التنمية إلى السياسة
لحظة انطفاء الكاريزمية

فكرة أن "الكاريزما السياسية لا تطعم خبزا" انبثقت من قراءة تحليلية لنتائج الانتخابات التركية التي جرت مؤخرا، وقد اختلفت الدول والأطياف والتوجهات في قراءتها والتعويل على ما قد يترتب عليها من ثبات أو تغير في المشهد السياسي لهذه الدولة القوية والمؤثرة في المنطقة برمتها.

وقبل الدخول في المجال التطبيقي واستخلاص الدروس المستفادة من هذه التجربة التركية، لا بد من تأثيث الموضوع بشيء من الأفكار التأسيسية.

الشعوب وحكامها الملهمون
لقد سلخت البشرية قرونا بعد قرون وهي تقتات على خطاب سياسي يصنع من "الحكام" شخصيات ملهمة منجزة متفانية، وتماهت بعض الشعوب مع حكامها لدرجة أضحت معها هذه الشعوب كما لو كانت صلصالا قابلا للتشكيل وفق رؤى الحاكم وتطلعاته وتنبؤاته وإبداعاته التي يوجهها للصالح العام، أو هكذا يزعمون.

تستمد الشخصية الكاريزمية عادة مصادر قوتها من خلطة سرية تتكون من سمات ومقومات خاصة لدى القائد الكاريزمي (السمات الشخصية)، والأهلية التي يتوفر عليها القائد (الكفاءة الشخصية)، ثم تأتي القيم لتعضد القوة الكاريزمية لديه
بكل أسف، لم تسلم بعض المجتمعات من سطوة تلك الأساطير، إذ يشيع وهم كبير في العديد من الدول النامية والمتخلفة -ومنها أكثر الدول العربية- حول تأثير "كاريزما السياسي"، حيث تظن حكومات عربية كثيرة أن هذا النمط الكاريزمي هو السر في إلهام الشعوب، وهو العامل الأكثر تأثيرا في تدعيم الاستقرار والرضا الشعبي بالحكام وتثبيت مشروعيتهم، وهو ما يجعل تلك الحكومات تجرجر عربات ثقيلة للدعاية السياسية من أجل بيع "أوهام الزعامة" وتسويق "خرافات التفاني" التي يبذلها الحكام لشعوبهم، في سياق ثقافي إعلامي تربوي مصطنع يمجد إنجازات وهمية أو شكلية أو صغيرة.
 
ولئن كان هذا الأمر صحيحا في أزمنة غابرة كان فيها الوعي الشعبي مغيبا، مع شح مريع للمعلومات الدقيقة والتقارير الموثقة، فإن المشهد المعاصر تغير تماما، فالناس باتت معنية بشكل أكبر بمن يقدم لهم خدمات أفضل ومقومات أكمل لجودة حياتهم.

هذه النتيجة مقنعة لي تماما، وربما لكم أو لبعضكم، ويمكن حشد مجموعة من الأدلة والشواهد العملية التي تدعمها، ومن أهمها وجود بعض الدراسات التطبيقية التي تشير إلى أن ثمة ارتباطا بين قدرة الأحزاب التي تحقق نسبا أعلى من التنمية والرفاهية على الفوز في الانتخابات ولو لفترات طويلة، إذ العبرة في تحقيق رفاهية المواطنين، وقد حدث ذلك في دول متقدمة ونامية عديدة، ولا يعني هذا انتظام أو ضمان وجود مثل تلك العلاقة الارتباطية، إذ توجد عوامل وسيطة كثيرة من شأنها التأثير على توجيه تلك العلاقة باتجاهات مختلفة في بعض السياقات.

أردوغان.. من التنمية إلى السياسة
القول بأن "الكاريزما السياسية" لم تعد تطعم خبزا، بدا لي متجسدا في الانتخابات التركية الأخيرة. كيف؟ من الأمور التي تكاد تكون محل إجماع أن أردوغان يتمتع بدرجة عالية من "الكاريزما الشخصية". وهنا أستدعي ما يقوله ماكس فيبر حول الشخصية الكاريزمية، إذ يراها قادرة على خلق "وحدة انفعالية" في وسطها الاجتماعي، مما يوجد قبولا طاغيا لدى الناس حيال هذه الشخصية.
حزب العدالة خسر الكاريزما الأردوغانية بعد انتقالها من الفضاء المعاشي الخدماتي إلى الفضاء التجريدي السياسي، فوجود أردوغان في رئاسة الحكومة سابقا جعل من كاريزميته سببا رئيسيا لتحقيق نتائج تنموية واقتصادية مدهشة ومؤثرة على حياة الناس
وتستمد الشخصية الكاريزمية عادة مصادر قوتها من "خلطة سرية" أو لنقل أخلاط مستعصية على الفهم التام أو التنميط المعمم على شخصيات وسياقات مختلفة. وهذه الأخلاط تتكون من ثلاثة مصادر رئيسية هي: سمات ومقومات خاصة لدى القائد الكاريزمي (السمات الشخصية)، و"الأهلية" التي يتوفر عليها القائد في مجالات عمله وإنتاجه (الكفاءة الشخصية)، ثم تأتي القيم لتعضد القوة الكاريزمية لدى القائد من جانب صوابيتها وتوافقها مع منظومة القيم المجتمعية المترسخة أو المرضي عنها من قبل الفئات التي تمثل الأكثرية (القيم الشخصية).

وفي رأيي أن أردوغان استطاع أن يَظهر بقالب قيادي متفرد جعله قادرا على جمع أقدار لا يستهان بها من هذه المصادر الثلاثة للشخصية الكاريزمية.

والفرضية التي لديّ هي أن حزب العدالة والتنمية خسر هذه "الكاريزما الأردوغانية"، وذلك بعد انتقالها من "الفضاء المعاشي الخدماتي" إلى "الفضاء التجريدي السياسي"، فوجود أردوغان في رئاسة الحكومة -في الفترات السابقة- جعل من كاريزميته سببا رئيسيا لتحقيق نتائج تنموية واقتصادية مدهشة، من شأنها التأثير المباشر على "قوت الناس" ومعاشهم وجودة حياتهم ونمو فرص الاستثمار المتنوع وخلق آلاف الوظائف، وهنا يجد الإنسان التركي نفسه أمام خيارات قد لا يتردد كثيرا في حسمها لصالح من يؤمّن له عيشا أفضل.

وبعدما أصبح أردوغان رئيسا للدولة، أضحى أكثر تمثلا لنموذج "الكاريزما السياسية" التي قلنا عنها إنها لم تعد مؤثرة بشكل جوهري في سياق الحياة المعاصرة. وأكثر أردوغان في هذه الفترة من خطاباته الجماهيرية ذات النزعة القيمية والأطر الأخلاقية بقوالب تجريدية ومثالية، ويبدو أن "الأيام التركية" و"بعض الأيام الإقليمية" تحتضن قدرا كبيرا من اللاقبول لمثل هذا التوجه السياسي الجديد.

قد يقال: أين ذهب رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو؟ نعم، هو موجود، بيد أنه لم يذهب بعيدا في ترسيخ "كاريزمية معاشية خدماتية" مقنعة لشرائح اجتماعية جديدة، أو تثبيت القناعات لدى الشرائح التي لا تهتم إلا بالأطر المعاشية الصرفة، أي تلك الشرائح التي لا يعنيها توجه الحزب الحاكم وأيدولوجيته الفكرية، وإنما برامجه ومشاريعه التنموية. ويبدو أن هذه الشرائح كبيرة ومؤثرة.

لحظة انطفاء الكاريزمية
التحليل السابق يجعلنا نغامر بالقول إننا أمام لحظة مفصلية.. إنها لحظة انطفاء كاريزمية أردوغان جراء ابتعاده عن هوامش التأثير المعاشي الخدماتي. وهنا تثور أسئلة عديدة: هل هو انطفاء مؤقت أم دائم؟ وماذا يُتوقع من حزب العدالة والتنمية عمله؟ هل يشهد تبدلات في المناصب؟ هل يعود أردوغان -مثلا- إلى رئاسة الحكومة؟
 
ما سبق يجعلنا نغامر بالقول إننا أمام لحظة انطفاء كاريزمية أردوغان جراء ابتعاده عن هوامش التأثير المعاشي الخدماتي. ولكن هل هو انطفاء مؤقت أم دائم؟ وماذا يُتوقع من حزب العدالة؟ هل يشهد تبدلات في المناصب؟ هل يعود أردوغان  مثلا إلى رئاسة الحكومة؟
يصعب إعطاء إجابات شاملة وحاسمة لمثل هذه الأسئلة الإشكالية، ولذا فليس أمامنا سوى طرح مقاربات أولية.
 
كون الانطفاء مؤقتا أو دائما، يرتبط بتوقعنا للسلوك القيادي لأردوغان في الفترة القادمة، فلو استمر على ذات النهج، فإن الانطفاء ربما يكون دائما أو مُستصحَبا لفترات طويلة نسبيا. ويدخل في ذلك معاودة لعب السياسة وفق أدواتها البرغماتية، وهذا لا يعني التخلي عن الأطر القيمية، بل الموازنة الذكية بينهما وفق ظروف المرحلة واستحقاقاتها وتغيراتها الديناميكية.

من الواضح أننا لا ندري ماذا يدور في أروقة حزب العدالة والتنمية، ولكن مسارا تصحيحيا ربما يكون قد أنضج، ولكننا لا نعلم في أي تجاه أو بأي طريقة سيُدار، وكل ما سيقال هنا لا يعدو أن يكون مجرد سيناريوهات أو حتى تكهنات تخمينية. وأما التبدلات في المناصب فأمر وارد، وذلك وفق الآلية المقرة في الدستور التركي.

وقد يتخذ ذلك أسلوبا آخر، إذ قد نجد تبدلا في الأدوار، وربما يُبقي الحزب على تموضع قياداته مع إجراء مراجعة وتعديلات في السلوك القيادي، ومحاولة دفع الأمور باتجاه إعادة الانتخابات على أمل تحقيق نتيجة مؤثرة وكافية لإحداث التعديل في الدستور، ومن ثم التحول إلى نظام رئاسي من شأنه إمداد أردوغان بسياقات جديدة قد تمكّنه من إعادة شحن تأثيره الكاريزمي في الفضاءين التنموي الداخلي والسياسي الخارجي.

وربما يفاجئنا الحزب بإظهار شخصيات قيادية جديدة ودفعها إلى المسرح السياسي، وربما يحدث شيء لم نتوقعه ولم يدر بخلد واحد منا، أو دار بخلد بعضنا. ومما لا شك فيه أن الأوضاع في المنطقة سيكون لها تأثير كبير على توجيه مسار الأحداث في تركيا، وهي أوضاع معقدة للغاية، وتمس الأمن القومي العربي وربما الإسلامي في عموم المنطقة، وفق سيناريوهات بعضها خطير جدا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك