ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


برج من ورق
دويلات بسوريا والعراق
الخليج والأردن وفلسطين
استنتاجات وملاحظات

يبدو من المثير حقا مقارنة ما يحصل حاليا في العالم العربي، وتحديدا في مشرقه وخاصة في العراق وسوريا، ببعض الخطط الإسرائيلية التي تضمنت أفكارا تتعلق بإمكان تقسيم البلدان العربية، أو بتعبير أدق تجزئة المجزأ، وذلك منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أي قبل أكثر من ثلاثة عقود.

في هذا الإطار يمكن الحديث عن كثير من الدراسات أو الخطط أو التوصيات الصادرة عن مؤتمرات أو ورش عمل نظمت في مراكز أبحاث أو جامعات إسرائيلية، طرحت في مضامينها فكرة تجزئة البلدان العربية، بقدر ما في إسرائيل من مراكز دراسات وجامعات ومؤتمرات، وضمنها مؤتمرات مركز "هرتسيليا" السنوية التي تناقش التحديات والمخاطر الإستراتيجية التي تواجهها إسرائيل، وضمنها تلك التي تواجهها في محيطها.

تؤسس هذه الوثيقة أطروحاتها من فكرتين أساسيتين، إحداها أن العالم العربي الإسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب، وأنه تم تقسيمه إلى دول تتكون من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة التي تعادي كل منها الأخرى، دون أن توضع في الحسبان رغباتهم وتطلعاتهم

بيد أن هذه المقالة ستعرض لخطة واحدة من هذه الخطط، وهي "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات" التي طرحت باسم عوديد ينون (موظف في الخارجية الإسرائيلية)، ونشرت في مجلة "كيفونيم" (اتجاهات) الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية في فبراير/شباط 1982، وترجمها إلى الإنجليزية إسرائيل شاحاك، وإلى العربية الدكتور عصمت سيف الدولة، ونشرت حينها في عديد من الصحف والمجلات.

الفكرة أن ذلك حصل قبل أكثر من ثلاثة عقود، أي قبيل الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، وقبل عقد اتفاق أوسلو (1993)، وقبل غزو العراق واحتلاله (2003)، وبعد الثورة الإسلامية في إيران (1979)، وعقد اتفاقيات كامب ديفد بين إسرائيل ومصر (1978)، وذلك بالنظر إلى ما احتوته هذه الخطة من أفكار مباشرة وتفصيلية تتعلق بتقسيم البلدان العربية، وما أثارته من اهتمام وقتها. وأيضا بحكم الشبه المدهش بين ما طرحته وبين ما حصل -ولا يزال- في البلدان العربية خلال السنوات القليلة الماضية من انفصال جنوب السودان إلى تفكك الوحدة المجتمعية والجغرافية لعديد من الدول.

الغرض من عرض هذه الخطة اللافتة أن نطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة، لعل أهمها: هل حصل ذلك فعلا وعلى النحو الذي تحدثت عنه الخطة المذكورة؟ وهل ما حصل ويحصل في بلداننا هو نتاج طبيعي لخطط خارجية محكمة، مما يفيد بأن إسرائيل وحلفاءها من القوى الغربية هي التي تتحكم بالعالم العربي؟ وهل ما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان قدر لا يمكن تجاوزه؟ ثم أين يأخذنا كل ذلك، بالنسبة لإراداتنا وفاعليتنا، وبالنسبة لدور العوامل الداخلية، ولاسيما مسؤولية أنظمتنا عن حال التدهور التي وصلنا إليها؟

برج من ورق
تؤسس هذه الوثيقة أطروحاتها من فكرتين أساسيتين: الأولى مفادها أن "العالم العربي الإسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب (فرنسا وبريطانيا في العشرينيات)، دون أن توضع في الحسبان رغبات وتطلعات سكان هذا العالم". والثانية أنه تم تقسيم "هذا العالم إلى 19 دولة تتكون كلها من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة التي تعادي كل منها الأخرى".

بناء على ذلك تستنتج الوثيقة أن "كل دولة عربية إسلامية معرضة اليوم لخطر التفتت العرقي والاجتماعي في الداخل، إلى حد الحرب الداخلية".

بل إنها تسند هذا الاستنتاج بتردي الواقع الاقتصادي العربي، ففي "هذا العالم الضخم والمشتت، توجد جماعات قليلة من واسعي الثراء وجماهير غفيرة من الفقراء".

والخلاصة من وجهة نظر إسرائيل أن هذا الوضع يدعو إلى القلق، "فالصورة قاتمة وعاصفة وتشكل.. تحديات ومشكلات وأخطارا"، لكن ذلك هو النصف الأول من الكأس، أما نصفه الثاني فهو أن هذا الوضع بالنسبة لإسرائيل "يشكل فرصا عظيمة".

طبعا لا تكتفي الوثيقة بهذه النظرة العمومية، فهي تنتقل إلى تحليل تفاصيل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني في معظم البلدان العربية، على النحو الآتي:

في مصر "توجد أغلبية سنية مسلمة مقابل أقلية كبيرة من المسيحيين.. الملايين من السكان على حافة الجوع نصفهم يعانون من البطالة وقلة السكن.. والدولة في حالة دائمة من الإفلاس".

بناء على ذلك فإن الوثيقة لا ترى في مصر "خطرا عسكريا إستراتيجيا على المدى البعيد بسبب تفككها الداخلي"، إذ إن "أسطورة مصر القوية والزعيمة للدول العربية قد تبددت"، وهي "بطبيعتها وتركيبتها السياسية الداخلية.. بمثابة جثة هامدة".

هكذا تصل الوثيقة إلى الإفصاح عن مقاصدها باعتبار "أن تفتيت مصر إلى أقاليم منفصلة هو هدف إسرائيل السياسي في الثمانينيات.. ضمانا للسلام فترة طويلة".

بل ترى أن تقسيم مصر يمكن أن ينسحب على محيطها أيضا وفق مبدأ "الدومينو"، إذ إن "دولا مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منها سوف لن يكون لها وجود بصورتها الحالية.. فإذا ما تفككت مصر فستتفكك سائر الدول الأخرى".

في الختام ثمة توصيتان: "إنشاء دولة قبطية مسيحية في مصر العليا إلى جانب عدد من الدويلات الضعيفة"، و"استعادة شبه جزيرة سيناء بما تحتويه من موارد".

دويلات بسوريا والعراق
بالنسبة لسوريا تحدثت الوثيقة بتفصيلات أكثر تبعا لتنويعات وتشابكات الواقع السوري، فهذا البلد "لا يختلف جوهريا عن لبنان الطائفي باستثناء النظام العسكري القوي الذي يحكمه. ولكن الحرب الداخلية الحقيقية اليوم بين الأغلبية السنية والأقلية الحاكمة من الشيعة العلويين الذين يشكلون 12% فقط من عدد السكان، تدل على مدى خطورة المشكلة الداخلية". وهذه إشارة إلى النزاع الحاد الذي نشب بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين وقتها.

تقول الوثيقة: سوف تتفتت سوريا تبعا لتركيبها العرقي والطائفي إلى دويلات عدة.. سوف تظهر على الشاطئ دويلة علوية.. وفي منطقة حلب دويلة سنية.. وفي منطقة دمشق دويلة سنية أخرى معادية لتلك التي في الشمال.. وأما الدروز فسوف يشكلون دويلة في الجولان

بناء على ذلك ترى الوثيقة "أن تفكك سوريا إلى أقاليم ذات طابع قومي وديني مستقل.. هو هدف إسرائيل الأسمى".

أما التفصيل فجاء كالآتي "سوف تتفتت سوريا تبعا لتركيبها العرقي والطائفي إلى دويلات عدة.. سوف تظهر على الشاطئ دويلة علوية.. وفي منطقة حلب دويلة سنية.. وفي منطقة دمشق دويلة سنية أخرى معادية لتلك التي في الشمال.. وأما الدروز فسوف يشكلون دويلة في الجولان التي نسيطر عليها.. وكذلك في حوران وشمال الأردن، وسوف يكون ذلك ضمانا للأمن والسلام في المنطقة بكاملها على المدى القريب".

أما العراق -حسب الوثيقة- فلا يختلف كثيرا عن جارته (سوريا)، ولكن الأغلبية فيه من الشيعة والأقلية من السنة، إذ إن 65% من السكان ليس لهم أي تأثير على الدولة التي تشكل الفئةُ الحاكمة فيها 20% إلى جانب الأقلية الكردية الكبيرة في الشمال.. ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول، لما كان بالإمكان أن يختلف مستقبل العراق عن ماضي لبنان وحاضر سوريا".

ومن وجهة نظر معدي الوثيقة في تلك الفترة، فإن "بشائر الفرقة والحرب الأهلية تلوح فيه اليوم، خاصة بعد تولي الخميني الحكم (في إيران)، والذي يعتبر في نظر الشيعة العراقيين زعيمهم الحقيقي وليس صدام حسين"، وهذه ملاحظة مبكرة أو استشرافية في غاية الأهمية.

المهم بالنسبة لإسرائيل -بحسب الوثيقة- أن دولة "العراق الغنية بالبترول والتي تكثر فيها الفرقة والعداء الداخلي هي المرشح التالي لتحقيق أهداف إسرائيل"، إذ إن "تفتيت العراق أهم بكثير من تفتيت سوريا، لأن العراق أقوى من سوريا.. في قوة العراق خطورة على إسرائيل في المدى القريب، أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى".

وفي النهاية تصل الوثيقة إلى القول بإمكان "تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية.. وإقامة ثلاث دويلات (أو أكثر) حول المدن العراقية: دولة في البصرة، ودولة في بغداد، ودولة في الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه".

الخليج والأردن وفلسطين
أما الخليج فترى الوثيقة -في نظرة جامدة وعمومية- "أن جميع إمارات الخليج قائمة على بناء هش"، وعلى الصعيد الاقتصادي فإن "دول الخليج وليبيا تعد أكبر مستودع في العالم للبترول والمال".

ومن جهة التحديات الأمنية ترى الوثيقة أن "الجيش الخليجي بكل ما لديه من عتاد لا يستطيع تأمين الحكم ضد الأخطار الفعلية من الداخل والخارج.. إن شبه الجزيرة العربية بكاملها يمكن أن تكون خير مثال للتفكك نتيجة لضغوط من الداخل ومن الخارج، وهذا الأمر في مجمله ليس بمستحيل سواء دام الرخاء الاقتصادي المترتب على البترول أو قل في المدى القريب".

وبالنسبة للأردن وفلسطين، تنطلق الوثيقة من نظرة إسرائيلية تعتبر دولة "الأردن في الواقع فلسطينية"، وترى أن هذا الوضع بحد ذاته يشكل خطرا على إسرائيل، لذا فهي تعتبر الأردن بمثابة "هدف إستراتيجي وعاجل على المدى القريب وليس البعيد، ذلك أنه لن يشكل أي تهديد حقيقي على المدى البعيد بعد تفتيته.. فمن غير الممكن أن يبقى الأردن على حالته وتركيبته الحالية لفترة طويلة".

صدقية بعض الأطروحات الواردة في الوثيقة تنبع من استقرائها للواقع العربي المتردي في ظل انقساماته الطائفية والإثنية، وتردي أوضاعه الاقتصادية، ولاسيما مع إعاقة قيام دولة المؤسسات. وقد حصل كل ذلك بسبب أن الأنظمة المهيمنة لم تفعل شيئا لتدارك حدوثه

وتقول الوثيقة صراحة -وربما بما يوحي بالتحريض على الفلسطينيين- إن "سياسة إسرائيل في الحرب أو السلم يجب أن تؤدي إلى تصفية الحكم الأردني الحالي ونقل السلطة إلى الأغلبية الفلسطينية.. إن تغيير السلطة شرقي نهر الأردن سوف يؤدي أيضا إلى حل مشكلة المناطق المكتظة بالسكان العرب غربي النهر، سواء بالحرب أو في ظروف السلم".

كما توصي الوثيقة "بعدم الموافقة على مشروع الحكم الذاتي أو أي تسوية أو تقسيم للمناطق.. حيث لم يعد بالإمكان العيش في هذه البلاد في الظروف الراهنة دون الفصل بين الشعبين، بحيث يكون العرب في الأردن واليهود في المناطق الواقعة غربي النهر".

استنتاجات وملاحظات
من الواضح بعد هذا العرض الموجز، أن القصة لا تتعلق بوجود مؤامرة خفية، لأن هذه الخطة -مثلا- معلنة ومنشورة، لذا فإن هذا الأمر يقتضي التمييز من ناحيتين:

الأولى- التمييز بين الدراسات التي تصدر عن مؤتمرات أو مراكز أبحاث أو جامعات أو حتى هيئات حكومية، وبين الخطط السرية التي يفترض الاشتغال عليها وتحديد أدواتها في الخفاء، وهذه في الواقع يصعب تعيينها أو الكشف عنها.

الثانية- التمييز بين التحليل والاستنتاجات التي تنبع منه، وبين الخطط التي تتوخى إحداث مسارات معينة. ذلك أن ما جاء في الوثيقة المطروحة ليس غريبا ولا جديدا، إذ هو يستند إلى تحليل للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد في البلدان العربية، وهذا التحليل يمكن أن يفضي إلى الاستنتاجات ذاتها أو أكثر منها.

بيد أن كل ذلك يضفي مشروعية على التساؤلات التي طرحناها في البداية، فصدقية بعض الأطروحات التي جاءت في الوثيقة تنبع من استقرائها للواقع العربي المتردي في ظل انقساماته الطائفية والإثنية، وتردي أوضاعه الاقتصادية، ولاسيما مع الإخفاق، أو مع إعاقة قيام دولة المؤسسات والقانون والمواطنين: الأحرار والمتساوين.

نعم لقد حصل ما حصل بسبب من كل ذلك، وأساسا بسبب أن الأنظمة المهيمنة لم تفعل شيئا لتدارك حدوثه، أو على الأقل للتقليل من مخاطره.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك