محمد محمود أبو المعالي

محمد محمود أبو المعالي

كاتب وصحفي موريتاني


بذور الخلاف
بداية صراع جديد
تنافس على المنطقة

كانت إرهاصات ميلاد تنظيم "جماعة المرابطون" في شهر أغسطس/آب 2013 تحمل في طياتها بذور خلافات مستحكمة بين مكونات التنظيم الوليد، ظلت كامنة في انتظار لحظة البروز المناسبة، التي يبدو أن التطورات الأخيرة في المنطقة والعالم العربي، كانت كافية لنسف رماد التكتم عنها وإشعال فتيلها من جديد، في شكل نزاع على القيادة والولاء والبيعة.

بذور الخلاف
حين قرر زعيما "جماعة الملثمون" المختار بلمختار المكنى بخالد أبو العباس، و"جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا" أحمد ولد العامر المكنى أحمد التلمسي (نسبة إلى منطقة تلمسي في شمال مالي)، تطوير تحالفهما الذي استمر أزيد من سنة ونصف السنة، إلى اتحاد وتلاحم في كيان واحد، توصلا إلى نتيجة مؤداها حل التنظيمين السابقين، وتأسيس تنظيم جديد يحمل اسم "جماعة المرابطون".

تأسس تنظيم "المرابطون" حين قرر زعيما "جماعة الملثمون" المختار بلمختار، و"جماعة التوحيد والجهاد" أحمد ولد العامر، تطوير تحالفهما إلى اتحاد وتلاحم في كيان واحد، وتوصلا إلى نتيجة مؤداها حل التنظيمين السابقين، وتأسيس تنظيم جديد يحمل اسم "جماعة المرابطون"

واتفقا على ألا يتولى أي منهما قيادته في المرحلة الأولى، وبعد حوار داخلي استقر رأيهما على اختيار المصري أبو بكر المهاجر أميرا للتنظيم الجديد، وكان من الميزات التي أهلته لذلك سابقته في القتال في أفغانستان مرتين، الأولى نهاية الثمانينيات ضد الاتحاد السوفياتي، والثانية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ضد القوات الأميركية.

بيد أن رئيس اللجنة الشرعية لجماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا حماد ولد محمد الخير المكنى بأبي القعقاع، رفض حينها مبايعة أبو بكر المهاجر، وآزره في ذلك الموقف رئيس مجلس شورى التنظيم عدنان أبو الوليد الصحراوي، لكن هذا الأخير تراجع عن موقفه وقبل بيعة "المهاجر" وعيّن عضوا في مجلس شورى التنظيم الجديد، بينما رفض حماد البيعة وترك التنظيم نهائيا.

وإن هي إلا أشهر معدودات ويقتل أبو بكر المصري في أبريل/نيسان 2014، ليصبح منصب الأمير شاغرا، فاختار مجلس الشورى أحمد ولد العامر (التلمسي) أميرا جديدا للتنظيم. ويقول أنصار بلمختار إن بيعة التلمسي تمت بعد رفض بلمختار عرضا من مجلس الشورى بمبايعته أميرا للتنظيم، وفي نهاية عام 2014 تمكنت القوات الفرنسية من اغتيال التلمسي، ليبقى منصب الأمير شاغرا من جديد وللمرة الثانية في ظرف 15 شهرا.

بداية صراع جديد
عشية مقتل أحمد التلمسي كان بالمختار موجودا خارج منطقة أزواد، مع عناصر من مجلس الشورى، فسارع أبو الوليد الصحراوي إلى أخذ البيعة من أعضاء الشورى الموجودين معه في شمال مالي، وأعلن نفسه أميرا للتنظيم، وهنا عادت حالة الاستقطاب الثنائي من جديد داخل صفوف التنظيم، بين فريقي "الملثمون" و"التوحيد والجهاد".

فقد رفض بلمختار ومن معه من عناصر "جماعة الملثمون" إمارة الصحراوي، واعتبروا أنها غير شرعية، وأن الصحراوي ما يزال شابا تنقصه الحنكة والتجربة الكافية، فضلا عن أن مدرسته الفكرية والإيديولوجية لا تلائم نهج التنظيم -حسب قولهم- وتميل إلى التشدد والتهور. أما أبو الوليد الصحراوي، فقد تمسك هو ومن يؤيده من عناصر التوحيد والجهاد سابقا، ببيعته أميرا للتنظيم، وبدأ في تسيير شؤون التنظيم انطلاقا من موقعه الجديد، لكن الطرفين أبقيا على هذا الخلاف الداخلي في أوساطهما دون أن يخرج إلى العلن لمدة خمسة أشهر.

غير أن اتصالات ومشاورات بدأها المختار بلمختار مع قيادة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي تهدف إلى دمج تنظيم "المرابطون" في القاعدة من جديد، وعودة شارد القطيع إلى الحظيرة، حركت سواكن مياه الخلاف بين الرجلين، فسارع أبو الوليد الصحراوي إلى القيام بخطوة اعتبرها قطعا نهائيا للطريق على ذلك الاندماج المحتمل، فأعلن بيعة التنظيم للدولة الإسلامية وخليفتها أبو بكر البغدادي.

ثم أشفع ذلك ببيان آخر أعلن فيه عدم وجود أي صلة تنظيمية بين "جماعة المرابطون" وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، بل ومضى أكثر من ذلك إلى إعلان يؤكد فيه سيطرته على شؤون التنظيم واعتباره الآمر الناهي فيه، فأعلن تبنيه عملية اختطاف مواطن روماني من شمال بوركينافاسو، داعيا الحكومة الرومانية إلى المفاوضات بشأن مصيره، وتحمل مسؤولية أي تأخر في ذلك.

مستجدات طرأت على الساحة قد تدفع المختار بلمختار إلى العودة لأحضان القاعدة التي فارقها أواخر عام 2012، بعد سنوات من الجفاء والخلافات مع قادتها، وفي مقدمة تلك العوامل وحدة العدو المشترك، وهو القوات الفرنسية والأفريقية في شمال مالي، وتنظيم الدولة الإسلامية الذي بدأ يتمدد بالمنطقة

لكن بلمختار سارع إلى الطعن في شرعية بيعة الصحراوي للدولة الإسلامية، وأكد أنها لا تمثل مجلس الشورى وتخالف تماما النصوص التنظيمية للجماعة.

ويعتقد هو ومؤيدوه في التنظيم أن تلك الخطوة لن تؤثر سلبا في مسار الحوار بينهم وبين قيادة القاعدة في المغرب الإسلامي، بل قد تدفع الطرفين إلى التسريع في تحقيق الاندماج المنشود قريبا.

هذا الانشقاق الذي يهدد بعودة الأمور في التنظيم إلى ما قبل أغسطس/آب 2013، أي انفصال التنظيمين المشكلين لجماعة المرابطون، يرى كل فريق فيه مبررات وأسبابا تدفعه للتمسك بموقفه.

فالمختار بلمختار تخصص في تخطيط وتنفيذ عمليات نوعية في المنطقة، كما حصل من احتجاز عشرات الرهائن الغربيين في عين أميناس (جنوب الجزائر) في يناير/كانون الثاني 2013، والهجوم المزدوج ضد كلية عسكرية ومصنع لشركة آريفا الفرنسية في أغادير وآرلي خلال شهر يوليو/تموز من العام نفسه، وهو ما يتطلب رصيدا لا بأس به من المقاتلين المؤهلين نفسيا وبدنيا للقيام بعمليات كهذه، الأمر الذي يتوفر لدى سرايا وكتائب تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في الصحراء.

كما أن مستجدات أخرى طرأت على الساحة قد تدفع الرجل إلى العودة لأحضان القاعدة التي فارقها أواخر عام 2012، بعد سنوات من الجفاء والخلافات مع قادتها، وفي مقدمة تلك العوامل وحدة العدو المشترك، وهو القوات الفرنسية والأفريقية في شمال مالي، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية الذي بدأ يتمدد غربا بعد أن اكتسح الساحة تقريبا في سوريا والعراق، وأصبح الغريم الأول لتنظيم القاعدة وفروعه في شتى أنحاء العالم، وباتت دعوته لتجاوز التنظيمات المحلية إلى خلافة موحدة هاجسا يؤرق قادة القاعدة الذين خسروا الكثير من الشباب لصالح الدولة الإسلامية، بحجة انتهاء عهد التنظيمات وبروز عصر الخلافة الإسلامية.

كما يشكل غياب رجل الصحراء القوي سابقا عبد الحميد أبو زيد، الذي كان على خلاف مع بلمختار في كيفية تسيير الأمور في الصحراء شمال مالي، والذي قتل في فبراير/شباط 2013، دافعا آخر للعودة إلى أحضان تنظيم القاعدة، لكن ربما بأجندات جديدة وإستراتيجيات لم تكن معهودة من قبل.

أما أبو الوليد الصحراوي الذي خسر منصب رئيس مجلس شورى جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا بعد حلها وانصهارها في "جماعة المرابطون"، فقد كان خلافه التقليدي مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي مسيطرا على تفكيره.

كما أن ظروف التوتر القوي التي انفصل فيها تنظيمه السابق "التوحيد والجهاد" عن تنظيم القاعدة في أكتوبر/تشرين الأول 2011 ما تزال ماثلة أمامه، هذا مع كونه يتكئ اليوم على حضور قوي للدولة الإسلامية في المنطقة، يمكنه من الاعتماد عليها في الدعم المعنوي واللوجستي، حيث يوجد تنظيم "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد" (بوكو حرام) في شمال نيجريا، الذي بايع الدولة الإسلامية على مقربة منه، وتنظيم جند الخلافة في أرض الجزائر، وأنصار الدولة الإسلامية في ليبيا، وهي فروع للدولة الإسلامية يعتقد الصحراوي أنها ستشكل دعما بديلا له عن عناصر جماعة "الملثمون" شركائه في تنظيم "المرابطون"، الذين رفضوا قراره بيعة البغدادي.

هذا إضافة إلى حالة ترحيب كبيرة بقراره بيعة البغدادي عرفتها الأوساط الشبابية الجهادية في المنطقة المؤيدة للدولة الإسلامية، والتي يأخذ الكثيرون منها على قيادة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي رفضها تلك البيعة وتمسكها بالظواهري وتنظيمه.

أنصار القاعدة يرون أنهم يدافعون عن ربوع هم من فتحها وأوصل الفكر الجهادي والعمل المسلح إليها، في حين يحاول أنصار تنظيم الدولة قطف ثمار تلك الجهود والحصول على موطئ قدم لن يتأتى لهم إلا باستنزاف الغريم (القاعدة) وسحب البساط من تحت قدميه

هذا فضلا عن بون شاسع في الطرح الفكري بين الرجلين (بلمختار، والصحراوي)، إذ من المعروف أن أبو الوليد الصحراوي ومعظم قادة "التوحيد والجهاد" يعتنقون فكرا وطرحا إيديولوجيا أقرب إلى فكر تنظيم الدولة الإسلامية منه إلى فكر تنظيم القاعدة، ويصنفون بأنهم أكثر راديكالية، بينما يعرف عن بلمختار عندما كان عضوا في القاعدة، أنه مصنف ضمن "الحمائم" أو القادة الأقل تشددا، وقد شهدت السنوات الأخيرة مستوى من المراجعة في تفكيره، فضلا عن تشبثه برؤية وبيعة تنظيم "القاعدة في بلاد خراسان" بقيادة أيمن الظواهري.

تنافس على المنطقة
هذا الانقسام الذي تشهده جماعة المرابطون حاليا، كان تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي قد شهد انقساما شبيها به منتصف العام الماضي، عندما أعلنت كتائب وسرايا المنطقة الوسط في التنظيم بقيادة عبد الملك قوري المكنى بخالد أبو سليمان، انشقاقها ومبايعتها الدولة الإسلامية وخليفتها أبو بكر البغدادي، وغيرت اسمها إلى "جند الخلافة في أرض الجزائر".

كما يترافق مع ظهور دعوات في أوساط الشباب المنتمي للقاعدة أو المؤيد لها، بضرورة تجاوز حالة الاستقطاب التنظيمي، والانخراط في بيعة الدولة الإسلامية، وهو ما يلاقي رفضا قاطعا من الجيل الأول من مقاتلي الجماعات الجهادية في الجزائر والصحراء الذين يسيطرون حاليا على قيادات تلك الجماعات، ويدينون بالولاء لتنظيم القاعدة في أفغانستان، ويعتبرون ظاهرة الدولة الإسلامية مجرد حالة عابرة قد لا يكتب لها البقاء، وتعاني من أخطاء فادحة في المنهج والرؤية.

وبين التنظيمين (القاعدة والدولة الإسلامية) يبقى أنصار الطرفين يشحذان أسلحتهما الدعائية في معركة استقطاب على المنطقة، وتنافس محموم لبسط السيطرة أو التوغل على الأقل فيها، حيث يدافع أنصار تنظيم القاعدة عن ربوع يرون أنهم من فتحها وأوصل الفكر الجهادي والعمل المسلح إليها، في حين يحاول أنصار الدولة الإسلامية قطف ثمار تلك الجهود والحصول على موطئ قدم هناك، لن يتأتى لهم إلا باستنزاف الغريم (القاعدة) وسحب البساط من تحت قدميه، ويؤمنون بأن توالي المبايعات من تنظيمات وشخصيات جهادية، كان آخرها بيعة أبو الوليد الصحراوي وأنصاره، كفيلة بالاستحواذ على ساحات الصحراء الكبرى ولو بعد حين.

وفي ظل هذا التنافس المحموم، يحاول قادة القاعدة التأقلم مع الصراع الجديد والمنافس القوي الوافد إلى المنطقة، عبر تحالفات جديدة وإستراتيجيات لم تكن في حسبانهم قبل الآن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك