كمال الدين شيخ محمد عرب

كمال الدين شيخ محمد عرب

كاتب وباحث صومالي


منذ أن انزلق هذا البلد في مستنقع الفوضى والحروب المستمرة وعدم الأمن لم ينعم أهله بالاستقرار، بل وجد الصوماليون أنفسهم في صراعات أنهكتهم، وأدخلتهم في أتون حرب لا غالب فيها ولا مغلوب.

ظل الموقف متوترا في ظل غياب حكومة قوية تسيطر على الموقف وغياب مساندة حقيقية من قبل كثير من الدول العربية والأفريقية، لبلد وصفوه بالشقيق دون أن يقدموا له شيئا يذكر، ومع الأسف الشديد، لم يكن هناك دور يذكر للدول العربية في مواجهة الأزمة الصومالية, حتى التحركات العربية القليلة جاءت متأخرة جدا، بعد أن مات آلاف الصوماليين نتيجة للجوع وسوء التغذية، كما أنها لم تكن على مستوى الكارثة وحجمها.

وفي زيارة هي الأولى من نوعها حط وزير الخارجية الأميركي جون كيري رحاله في العاصمة الصومالية مقديشو في زيارة لم يعلن عنها مسبقا، ليكون أعلى مسؤول أميركي يزور الصومال، بعدما شهد الصومال تدخلا أميركيا فاشلا عام 1993 حيث لا يزال الجيش الأميركي ينشط في محاربة حركة الشباب المتشددة. لكن وصول كيري إلى مقديشو في زيارة خاطفة له دلالات تتمثل في اهتمام أميركا الزائد بالصومال، وعودة دبلوماسية إلى المسرح السياسي الصومالي من جديد، وتحرك أميركي في أفريقيا وخاصة على دول القرن الأفريقي.

بدأ التدخل الأميركي المباشر في الصومال مبكرا منذ عام 1993، ولكن الإستراتيجية الأميركية مع ذلك أخفقت -إلى حد ما- في التموضع بشكل إستراتيجي ومتعدد بأفريقيا, وخاصة في منطقة الشرق الأفريقي، حيث القرن الأفريقي والسودان, وحيث النفط والموارد المعدنية الوفيرة

بدأ التدخل الأميركي المباشر في الصومال مبكرا منذ عام 1993، ولكن الإستراتيجية الأميركية أخفقت مع ذلك -إلى حد ما- في التموضع بشكل إستراتيجي ومتعدد في أفريقيا, وخاصة في منطقة الشرق الأفريقي، حيث القرن الأفريقي والسودان, وحيث النفط والموارد المعدنية الوفيرة.

فعلى الرغم من تعاقب عدد من الإدارات الأميركية المختلفة على الحكم في الولايات المتحدة خلال هذه المدة، فقد ظلت العلاقات تسير إلى الأسوأ، خصوصا في ظل تصاعد نفوذ القوى الإسلامية في الصومال, وسيطرة حركة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة على أجزاء واسعة من البلاد، حتى شكلت القضية الصومالية صُداعا مزمنا في رأس الإدارات الأميركية المتعاقبة.

ويبدو من القراءة الواعية للمشهد الصومالي الراهن أن الولايات المتحدة والدول الغربية التي استنفدت جميع الوسائل والمبادرات في الصومال -بما في ذلك التدخل العسكري المباشر من خلال إثيوبيا- قد وجدت في أزمة المجاعة وإدارة المساعدات الإنسانية مخرجا حاسما وعلاجا ناجعا لما أُطلق عليه اسم المرض الصومالي، كما يبدو أن الولايات المتحدة ظلت تتعاطى مع الملف الصومالي وفق معطيين كلاهما صعب بالنسبة لها.

العامل الأول يدفع للابتعاد عنه، ممثلا في التجربة المريرة لها هناك، وما انطوت عليه من التورط والفشل أكثر من تحقيق أهداف ومصالح محددة، والأمر الثاني يغريها بالاندفاع عنه لما يمثله من ثقل يرجع لموقعه الإستراتيجي المتفرد في منطقة القرن الأفريقي، ومن جانب آخر كونه يمثل ملاذا آمنا للجماعات التي تشكل تهديدا لها ولمصالحها، مثل حركة الشباب المجاهدين، ولذلك فإن الفراغ الصومالي يمثل هاجسا أمام الإدارة الأميركية.

وتشكل زيارة كيري للصومال سابقة تاريخية لبلد شهد حربا أهلية ردحا من الزمن، إضافة إلى أن الولايات المتحدة تحرص على أداء دورها ووجودها بشكل أقل بروزا عن ما كان عليه الحال في التسعينيات، عندما سحلت جثث الجنود الأميركيين في شوارع مقديشو، وصل كيري إلى مطار العاصمة مقديشو ودخل على الفور في سلسلة اجتماعات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس وزرائه عبد الرشيد على شرماكي وحكام الأقاليم داخل منطقة المطار المحاط بجدار من الأكياس الرملية بارتفاع سبعة أقدام.

مسؤولون في الخارجية الأميركية، قالوا إن زيارة كيري توجه رسالة قوية إلى حركة "الشباب المجاهدين" الصومالية المتطرفة، وتؤكد أن الولايات المتحدة لا تدير ظهرها لشعب الصومال، وستواصل التزاماتها نحو الدولة الصومالية إلى حين إنزال الهزيمة بحركة الشباب، لكونها تستهدف مؤسساتها العاملة في الصومال، كما أنها تشكل خطرا على قطاع السياحة في أفريقيا والقرن الأفريقي حسب رواية أميركا.

إن تصريحات كيري -وإن لم تعكس أهداف الزيارة بشكل مباشر- عكست مقدمات تحول كبير في نظرة واشنطن لدول القرن الأفريقي، فوزير الخارجية الأميركي أشار إلى أن "الوضع في الصومال أصبح طبيعيا، إذ إن طرقات العاصمة باتت تشهد اختناقا مروريا"، وأنه "قد تم تحقيق تقدم كبير أسهم فيه الجميع لمعالجة المشكلات من خلال التقاسم المناسب للمسؤوليات".

كثير من الصوماليين تساءلوا عن هدف هذه الزيارة غير المعلنة لأول مسؤول أميركي رفيع المستوى يزور مقديشو منذ ما يربو على عشرين عاما، حيث إن بعضهم فسر الأمر بتكوين علاقة جديدة بين الحكومة الصومالية والولايات المتحدة من خلال الاعتراف الدولي الذي حصلت عليه الحكومة الصومالية من قبل أميركا.

يبدو الصومال وكأنه يخرج من الحفرة العميقة التي وقع فيها، ويتعافى من أزمة الفوضى وعدم الأمن، من خلال الدعم المالي الذي حصلت عليه الحكومة من قبل بعض الدول وخاصة تركيا التي مدت يد العون إلى الصومال حكومة وشعبا، وساهمت في استئناف الحياة داخل العاصمة

وقد شكلت هذه الزيارة عودة دبلوماسية للولايات المتحدة إلى الصومال، بعد شبه غياب دام عشرين سنة حيث لا يزال الجيش الأميركي مشاركا في الحملة ضد حركة الشباب المجاهدين التي تقود تمردا مسلحا ضد الحكومة الصومالية، وتستهدف مؤسساتها وأعضاءها بذريعة التدخل الأجنبي للبلاد.

ومن الصومال توجه كيري إلى جيبوتي في أول زيارة من نوعها لوزير خارجية أميركي، وهي زيارة تعكس تنامي العلاقات الأميركية الجيبوتية، وبصرف النظر عن لقاء المسؤول الأميركي مع الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، ووزير الخارجية محمود علي يوسف، فقد قام بزيارة تفقدية لقاعدة "ليمونييه" الأميركية المتمركزة في جيبوتي منذ عام 2003 في إطار مناهضة ما يوصف بالإرهاب في منطقة القرن الأفريقي.

معلوم أن جيبوتي هي مقر منظمة "إيغاد" التي تكافح النزاعات والأزمات التي تعاني منها المنطقة، وخاصة جنوب السودان والصومال، والمعروف أيضا أن جيبوتي والولايات المتحدة توصلتا في مايو/أيار 2014 إلى اتفاق يسمح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة "ليمونييه" لمدة عشرين عاما تم التوقيع عليه من قبل الرئيسين إسماعيل عمر جيله وباراك أوباما.

هو إذن تحرك أميركي في أفريقيا، يركز على دول القرن الأفريقي، بدأ من كينيا وانتهى في جيبوتي، ليتوجه بعد ذلك إلى السعودية التي تقود التحالف العربي للحرب في اليمن، ومن المعروف أن نحو 350 يمنيا لجؤوا في 16 أبريل/نيسان الماضي إلى مخيم "أوبوك" المؤقت في جنوبي جيبوتي التابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

إن الولايات المتحدة متنفذة في الصومال سياسيا منذ فترة، ولديها مصالح إستراتيجية، وشركاتها كانت أكثر الشركات التي تحصلت على العقود للتنقيب عن النفط بالصومال واستخراجه قبل انهيار الحكومة العسكرية السابقة عام 1991، ولذلك ستبذل جهودا كبيرة لمنع أية شركات أجنبية أخرى من أخذ هذا الدور عبر تعزيز تمثيلها الدبلوماسي مع تقديم دعم كبير للحكومة الصومالية، كما أن من دلالات هذه الزيارة تصميم الإدارة الأميركية على الإمساك بزمام العملية السياسية في الصومال وتوجيه بوصلتها لتحقيق مصلحتها الإستراتيجية المتمثلة في الأمن والموارد.

وأيا كان الأمر فإن الصومال يبدو وكأنه يخرج من الحفرة العميقة التي وقع فيها، ويتعافى من أزمة الفوضى وعدم الأمن، من خلال الدعم المالي الذي حصلت عليه الحكومة من قبل بعض الدول، مثل تركيا التي مدت يد العون إلى الصومال حكومة وشعبا، وساهمت في استئناف الحياة داخل العاصمة، والقوات الأفريقية الموجودة فيها، التي تساهم أيضا بدورها في استتاب الأمن.

وما لم تكن هناك جهود دولية ونوايا حسنة تجاه هذا البلد الذي بدأ جرحه يندمل، فإن أزمته ستظل هاجسا يقلق الكثير من الدول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك