عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري


رعاة الإسلاموفوبيا
شخوص واقعة غارلاند
شارلي.. عابرة الأطلنطي

قبيل السابعة مساء يوم الأحد 3 مايو/أيار نزل مسلحان، إلتون سمبسون (30 سنة) ونادر صوفي (34 سنة) من سيارتيهما وسمعهما الناس يطلقان عشرين طلقة تلتها طلقتان نحو صالة كيرتس ول في ضاحية غارلاند من مدينة دالاس بولاية تكساس.

وكان ينعقد في الصالة وقتها معرض لرسوم كاريكاتيرية عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في إطار منافسة بين رساميها يحصل الفائز فيها على 12500 دولار. ونظم المعرض، المسمى معرض محمد الفني ومسابقته، من طرف المنظمة الأميركية للدفاع عن الديمقراطية ومركزها في نيويورك. وهي منظمة -ضمن أخريات- صناعتهن الترويج للإسلاموفوبيا. 

غير أن أحد عناصر شرطة مرور كان ضمن أمن المناسبة قتل المسلحين بمسدسه. وكانت الشرطة قد أغلقت المداخل للقاعة وأخلت الحضور المائتين وحملتهم إلى فنادقهم، وكانوا يرددون الأناشيد الوطنية قبل إخلائهم ثم انخرطوا في صلوات وأغان دينية وهم في طريقهم لخارج الصالة. ومع أن الشرطة لم تصرح حتى كتابة هذا التقرير بالصلة بين المسلحين المسلمين وتخريب المناسبة فإن المؤشرات قامت على أن دافع المسلحين هو الاحتجاج على المعرض وفض حافله.

ليس سرا أن معرض الكاريكاتير كان بمثابة الرد على مناسبة إسلامية انعقدت في 17 يناير/كانون الثاني 2015 أي بعد أسبوع من الهجوم الدموي المعروف على مجلة شارلي إيبدو في فرنسا

ليس سرا أن معرض الكاريكاتير كان بمثابة الرد على مناسبة إسلامية انعقدت في 17 يناير/كانون الثاني 2015 أي بعد أسبوع من الهجوم الدموي المعروف على مجلة شارلي إيبدو في فرنسا.

وانعقد الحشد الإسلامي في نفس قاعة كيرتس ول بضاحية غارلاند بشعار "20 دولارا غيرة على النبي" (صلى الله عليه وسلم)، وكان الهدف من ورائه جمع تبرعات تعين في تدريب المسلمين على التعاطي مع البيئة السلبية التي ستكتنفهم بعد حادثة شارلي إيبدو. واتفق للمنظمين أن تكون المناسبة تعظيما للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم من أن يجرجر "الإرهابيون" اسمه في الدماء.

وحضر المناسبة ألفا شخص. واحتشد للشوشرة عليها نحو مائتي خصيم. ورفع المحتجون شعارات مفادها أن تعاليم الإسلام تشكل تهديدا لديباجة الحياة الأميركية. وحمل متظاهر لوحة صليبية عليها عبارة "المسيح عيسى هو الطريق، الحقيقة، الضوء". وتكلم في المناسبة الدكتور جون إسبسيتو من جامعة جورج تاون بواشنطن وقال، بعد ما لمس العداء للاجتماع الإسلامي، إنه تحدث طائفا بالعالم وكثيرا، ولكن هذه هي مرته الأولى التي يرى فيها كيف طفحت الكراهية طفحها الأقصى.

رعاة الإسلاموفوبيا
جرت واقعة الأيام الماضية في ولاية تكساس التي خيم على المسلمين فيها ترقب الخطر والحذر من أن يكونوا هدفا لغائلة الإسلاموفوبيا. وفصّلت "غارلاند" في نكد هذا المناخ السياسي، فبلغت كثافة سحب الكراهية أن نوهت علياء سلامة، من فرع مجلس العلائق الأميركية الإسلامية بهيوستن-فورتوورث، بتصاعد عنجهية العنصريين البيض منذ انتخاب أوباما.

وهكذا قُتل في الولاية يوم 9 مارس/آذار الماضي عراقي وفد جديدا من بلده وهو بين عائلته التي اجتمع بها بعد فرقة، ولم يسفر التحقيق عن هوية القاتل وملابسات الجريمة ولكنها جددت ذكرى مقتلة شابل هل بولاية نورث كارولينا. ورصد مسلمو تكساس سبعة آلاف دولار لمن يدل على القاتل.

من جهة أخرى، احترق جزء من مسجد مدينة هيوستن بتكساس واتهموا بالفعلة متشردا قال إنه لم يقصد الحريق. كما تجمهر جماعة من عداة الإسلام للاحتجاج على يوم للمسلمين بمدينة أوستن بتكساس. ورفع المتجمهرون لافتات مثل التي تقول "عودوا إلى بلادكم وخذوا معكم أوباما".

ولبسوا شيرتات عليها "منطقة محررة من الشريعة". وزعزع هذا المناخ السلبي نفوس المائتي ألف مسلم بهيوستن فصاروا يتفادون الخروج للشارع، بل امتنعت بعض المحجبات من الذهاب للمدرسة أو الشغل.

ولم يعن السياسيون على تطمين المسلمين. فقاطع دان باتريك نائب والي ولاية تكساس صلاة جامعة لإمام مسلم عام 2007. وقال تد كروز، المرشح الجمهوري للرئاسة عام 2016، إن الشريعة عبء ثقيل. أما مولي رايت النائبة الجمهورية ببرلمان الولاية فتطرفت وقالت إنها صرفت الأمر لموظفي مكتبها أن يرفعوا العلم الإسرائيلي بالمكتب، وأن يسألوا ممثلي المسلمين، متى جاؤوا يطلبونها، بأن ينبذوا الإرهاب الإسلامي، وأن يشهروا ولاءهم لأميركا وقوانينها لنرى كم سيمكثون في مكتبها بعد ذلك.

يتضح من حادثة غارلاند أن رمزية شارلي إيبدو الأوروبية، وأجناسها الفنية، ومغازيها، قد عبرت الأطلنطي إلى أميركا ضمن مدخلات إنتاج صناعة الإسلاموفوبيا، فلم تحتف الحادثة بالكاريكاتيرالمسيء فقط، بل دعت وايلدرز، رمز الإسلاموفوبيا الأوروبية، ليلقي كلمة الحفل

شخوص واقعة غارلاند
من أهم هذه الشخوص باميلا غيلر: توصف بأنها رأس الإسلاموفوبيا، وهي زوجة ثرية دفعتها أحداث 9-11 إلى الناشطية عن طريق المدونات. وهي مستثمرة كبير في صناعة الإسلاموفوبيا. بدأت بتكوين منظمة "أوقفوا أسلمة أميركا"، منطلقة من أن الأسلمة لا تقع بغتة بل شيئا فشيئا: تتمسكن لتتمكن. وكانت على رأس الحملة التي اكتنفت مشروع مسجد مانهاتن المزمع بناؤه قريبا من ساحة البرجين.

ومن أقوالها إنه حين يصلي المسلم خمس مرات في اليوم يلعن المسيحيين واليهود خمس مرات في اليوم، وسبقت مناسبة غارلاند بحملة طافت فيها بمدن أميركا الكبرى تعرض لافتات ضد الإسلام مثل التي على لسان مسلم "قتل اليهود عبادة تقربنا من الله". أو قولها إنه في أي حرب بين المتحضرين من أمثالها والبدائيين من أمثالنا قف مع إسرائيل واهزم الجهاديين. وهي من مؤسسي مبادرة الحرية الأميركية التي نظمت معرض غارلاند. وكتبت على تويترها بعد حادثة إطلاق النار "هذه حرب". وغيلر ومنظمتها معدودة في الهيئات التي تحض على الكراهية بواسطة المشغولين بحرية التعبير.

من بينها أيضا غيرت وايلدرز، وهو العضو البرلمان الهولندي اليميني الشعبوي المعروف، وزعيم حزب للحرية، كانت له الكلمة المفتاحية في غارلاند وحظي باستقبال محموم. ولم تسمع الخارجية الأميركية لنداء النائبين المسلمين بالكونغرس، كيث أليسون من منيسوتا وأندريا كارسون من إنديانا، بحجب فيزا الدخول عنه.

واستندا النائبان في ذلك إلى قانون الحرية الدينية العالمية لعام 1998 الذي يحق لوزارة الخارجية بمقتضاه منع من خرق الحرية الدينية من دخول الولايات المتحدة. وكانت حيثيات النائبين أن وايلدرز ماثل لوقته أمام محكمة في بلاده لعزمه "تحجيم" عدد المغاربة في هولندا.

والواقع أن هذا النائب شديد العقيدة أن المسيحية هي الدين وما عداها أيديولوجيات متخلفة. وهو شديد الهلع من الإسلام ويطفح كراهية له. ووجد النائبان سابقة في منع نارندرا مودي، رئيس وزراء الهند الحالي، دخول أميركا إلا مؤخرا لأنه لم يحل دون مقتل ألف مسلم عام 2001 من شرور الهندوس.

من هذه المجموعة أيضا إلتون سيمبسون (30 سنة)، وهو أحد "الإرهابيين". تحول إلى الإسلام على صغر. وكان على رادار وكالة التحقيقات الفدرالية بولاية أريزونا منذ 2006، وعرضوه لمحكمة بالكذب على المكتب حول خططه للسفر عام 2009 ليشارك في "جهاد عنيف" في الصومال.

وقضت المحكمة له بحسن السيرة والسلوك لثلاث سنوات لعدم كفاية الأدلة عن إرهابه. ورصد له المكتب أحاديث مع زملائه عن وجوب الجهاد مأخوذا بأخوة إسلامية سابغة. وتحدث إلى عميل للمكتب مدسوس بين المصلين في مسجده سجل له 327 ساعة من الفضفضة عن الجهاد. وكان آخر حديث له مع محاميته أنه ممنوع من السفر على الطائرات. وقالت عنه إنه هادئ شديد التقوى فلا يصافحها يدويا.

وأخيرا نادر صوفي، هو المسلح الآخر وقد شارك سيمبسون السكنى. وكان طالبا في تحضيري الطب منذ عام 1998 إلى 2003. ثم ترك الدراسة دون أن يتخرج.

شارلي.. عابرة الأطلنطي
واضح من حادثة غارلاند أن رمزية شارلي إيبدو الأوروبية، وأجناسها الفنية، ومغازيها، قد عبرت الأطلنطي إلى أميركا لتدخل ضمن مدخلات إنتاج صناعة الإسلاموفوبيا الأميركية الضخمة. فلم تحتف الحادثة بالكاريكاتير لشتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحسب بل دعت وايلدرز، رمز الإسلاموفوبيا الأوروبية، ليلقي كلمة الحفل.

يستوجب صد استيراد شعواء شارلي إيبدو لأميركا إستراتيجية ذكية في الغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيكون القانون في القلب من هذه الإستراتيجية ليدفع المسلمون الأذى عنهم وعن رموزهم، وبوسعهم شق هذا الطريق

وجدير بالذكر أن تصويت نادي القلم الأميركي، وهو بمثابة اتحاد للكتاب الأميركيين، قبل أسابيع، لتكريم مجلة شارلي إيبدو ومنحها نوطة للدفاع عن حرية التعبير. وهي حرية تواضع الغرب على أنها حرية الإساءة للمسلمين حصريا بتبخيس رسولهم صلى الله عليه وسلم.

يستوجب صد استيراد شعواء شارلي إيبدو لأميركا إستراتيجية ذكية في الغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيكون القانون في القلب من هذه الإستراتيجية ليدفع المسلمون الأذى عنهم وعن رموزهم. وبوسعهم شق هذا الطريق مقتدين بالنائبين المسلمين اللذين وجدا في القانون سببا قويا لمنع الإسلاموفوبي وايلدرز من دخول الولايات المتحدة.

وستعترضهم على هذا الطريق عقبتان: الأولى تعذر التقاضي بإشانة السمعة في أميركا لأن حرية التعبير، المحمية بالتعديل الأول في الدستور الأميركي، تسع سائر القول الشانئ بما لم يتفق لأوروبا. ناهيك عن تعذر رفع قضية إشانة السمعة باسم الأموات أصلا أو حسبة.

ولتخطي هذه العقبات، تلوح لنا التجربة اليهودية في صون الهولوكوست والسامية من الشانئ. فقد اعتمدوا على رأي أقلية بالمحكمة العليا الأميركية للقاضي كلارنس توماس في القضية المعروفة بولاية فرجينيا ضد بلاك (2003) حول إن كان حرق الصليب بابا في حرية التعبير.

وقد كان رأي الأغلبية أنه كذلك ما لم يتقصد الترويع، ولكن القاضي توماس فارقهم وقال إنه في كل ثقافة بعض أشياء مقدسة وغير مقدسة اكتسبت معناها بصورة لن تقع للغرباء. وحرق الصليب على رأس هذه الأشياء. فالقاضي لم يفرق بين حرق الصليب كحرية تعبير أو مدعاة للترويع. فأنت تروع متى حرقت الصليب بغير استثناء.

ووجد اليهود في حجة توماس ذريعة لاستصدار تشريعات صون السامية من العداء في أوروبا، فتاريخ أوروبا شاهد على أن عداء السامية قرين بالتكريه في اليهود واستباحتهم. وعليه تَبطل كل حجة تُجَوز عداء السامية كحرية تعبير. فقد كانت أوروبا واليهود هنالك، وأنظر عاقبة مثل هذه الحرية وويلاتها. وطريق القانون طويل ولكنه آكَد السبل للحق في أميركا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك