نزار السهلي

نزار السهلي

كاتب وصحفي فلسطيني


طعنة المثقف الخنجرية
استشراق المثقف العربي
خلاصة

لا يمكن تأمل الأعوام القليلة الماضية, من الربيع العربي، دون النظر إلى مساهمات "المثقف" المنعدمة في تنظيم وتثوير عقل الإنسان, وهما مفردتان شكلتا المنطلق الأيديولوجي للثقافة الوطنية طيلة العقود الماضية.

ونقصد هنا ما أفرزته تلك الثقافة من أطروحات النخبة إلى عمل الخلايا والحلقات المنضوية في صفوف الأحزاب السياسية التي نهلت من منابع مختلفة، وما أشبعته أدبياتها عن مفاهيم الطليعة الثورية، ودراسة المادية التاريخية، وعلم "الديالكتيك" وتوحش النظام الإمبريالي، وتحالف رأس المال مع الكومبرادور, والمادية الجدلية.

هذا بالإضافة إلى ما هنالك من نظريات وفلسفات شغلت قواعد وهرم اليسار في التفكير والمعرفة للارتقاء بالحالة الأسمى للإنسان, بما يخدم غاياته المتعددة, فنضجت في صفوفه نخب قبضت على ماركسيتها العفوية التي تقع على كل مثقف وطني مهموم, كان منهم غسان كنفاني ومهدي عامل ولويس عوض ولطيفة الزيات ورئيف خوري, كعناصر أخلاقية تعبر عن ذاتها المعرفية وتحتقر المصالح العامة والانتهازية.

لقد كان المثقف في زمن مضى، وزمن قائم، ربما يكتفي بمعادلة ثابتة الأطراف وغارقة في التجريد تقول إن المثقف هو الذي يدافع عن الإنسان والأرض، لكن المآل البائس الذي وصل إليه بعض المثقفين أربك جميع الأسئلة وفرض إعادة قراءة لمعنى الثقافة ومعنى الانحياز الأخلاقي للمثقف بزمن الانتفاضات العربية

لقد كان المثقف في زمن مضى، وزمن قائم، ربما يكتفي بمعادلة ثابتة الأطراف وغارقة في التجريد تقول إن المثقف هو الذي يدافع عن الإنسان والأرض، وكان في المعادلة ما يوحي بأن أطرافها سليمة خاصة حين يعطف المثقف على الدفاع المطلوب، لكن المآل البائس الذي وصل إليه بعض المثقفين أربك جميع الأسئلة وفرض إعادة قراءة لمعنى الثقافة ومعنى الانحياز الأخلاقي للمثقف زمن الانتفاضات العربية الحالية.

طعنة المثقف الخنجرية
فاجأ الإنسان العربي مثقفهُ في مسار الربيع ووضعه على سكة الارتباك, وأسقط نظريات الانتماء له, فلا البوعزيزي، ولا خالد سعيد، كانا ملتفتين لتلك النظريات ولا أطفال الأزقة العربية، ولا نساؤها اللواتي حملن جذوة الثورة من البداية، كان دافعهم إيمان بتلك الأيديولوجيا.

في كل المشهد كان الغائب الأبرز هو الطليعة اليسارية, والتحليل المنقلب على الإنسان في شكل الطعنات الخنجرية التي قدمتها نخب متخلفة عن مواكبة ما كانت تدعيه في السابق أمام حشد الجماهير في مناسبات عدة.

انحصرت الصورة في هذه المناسبات التي شكلت خطاباتها وندواتها ملاذا تلتحف به لإسقاط الإمبريالية والرجعية والديكتاتورية ودعوتها لإقامة سلطة البروليتاريا, نظرت بازدراء إلى بروليتاريا مجتمعاتها "كحثالات متآمرة" رجعية, وألبستها "أصولية" طائفية حتى تنجي نفسها من "ديالكتيك" تحرر وطبقة عاملة وغيرها, حتى ظهر مثقف اليسار العربي في السنوات الخمس الماضية متفوقا في خطابه على خطاب النظام العربي ببربرية وإنكار "يلحس فيه" التاريخ والواقع, ومطالبا بسحق البروليتاريا تحت أقدام العسكر.

وفي مواقع أخرى جهز "طلائعه" القتالية ليشارك العسكر مذبحته، قدم روايته التبريرية عن غول الإخوانوفوبيا، الإسلاموفوبيا، (الداعشوفوبيا) ليقدم صياغة نظرية لا تلتزم بمقولات العدالة والحرية والكرامة التي تشكل قواعد الفلسفات والشرائع التي يدافع عنها وينزاح إليها العقل العربي متخطيا المنظور اليساري الذي بقي مشدودا إلى نقائض ما قدمه في أدبياته اليسارية بينما عيناه شاخصتان إلى ثناء رسمي متناثر هنا وهناك.

قدمت لنا بعض النماذج الثقافية نعوتا حملت دلالة واضحة على تماه منصهر في النظرة الاستشراقية الغربية للعربي والمسلم، فعلى الرغم من المعاناة التي تكبدها العربي ليدفع عنه ذاك التنميط حتى أرجعه المثقف العربي "المستشرق" إلى إطار أوسع من السلب والإهانة متجاوزا برنارد لويس في تقفيه أثر مخاطر "العربي والمسلم" إلى حد وصف المستشرق العربي لمجتمعاته ببيئات منحطة ومتحللة مما ينسب إليها من تاريخ وحضارة فقدت ملامحها حين عبر الإنسان العربي عن خبايا عقله وصدره.

رغم المعاناة التي تكبدها العربي ليدفع عنه ذاك التنميط، فقد أرجعه المثقف العربي "المستشرق" إلى إطار أوسع من السلب والإهانة متجاوزا برنارد لويس في تقفيه أثر مخاطر "العربي والمسلم" إلى حد وصف المستشرق العربي لمجتمعاته ببيئات منحطة ومتحللة

 استشراق المثقف العربي
في زمن انكسار الثقافة إلى حدود التبدد، ثمة تأكد فعلي لنسج ثقافة جديدة، ليست مغايرة عن تلك المقتصرة على شكوى التنميط الغربي لصورة العربي المؤطرة بمفاعيل التشهير والتشويه المتميزة بانفصال متتابع وسافر وبذيلية مفضوحة تقطع بين الفعل والتنظير لتبذير انتفاضات الشارع العربي وتسفيه الإنسان.

يقول هيجل "ينزع الوعي المتخلف إلى عبادة الكم" وهذا الكم يشير إلى افتقار الوعي الذي يؤثر في حركة المجتمعات غير المجدية وغير المفيدة حسب نظرية الانكسار "للمثقف العربي المستشرق" بدراسته المحتجبة عن الواقع لكسب الرضا والتزلف، أنتج معها الاستشراق العربي تقاليده المتبادلة مع الاستشراق الغربي المنمط للمجتمعات العربية الذي وحد الرؤية "الثقافية" ووظيفتها المباشرة التي تتمركز في الداعشوفوبيا توأمة إسلاموفوبيا الاستشراق الغربي.

تعطي ثقافة "المستشرق العربي" في امتهانها لمعاني الالتزام دلالة الانتقال من ديار الحق إلى ديار السلطان, وتحدث هزة عميقة في مصداقيتها التي كانت على المحك أمام الجماهير التي تتقدم في جرأتها وتضحيتها, مقابل تأرنب غير مسبوق لها في الجبهات العربية المشتعلة.

كيف يمكن تحليل الحاصل في تلبس الصمت لأمس ويوم المثقف الذي يشاهد ما يجري من ممارسات وهو المدعي بمقدرته على رؤية المجتمع والوقوف على مشاكله وخصائصه وملامحه؟ علامة استفهام كبيرة تحولت إلى أحجية سياسية وفكرية استطاع أن يفك رموزها الشارع العربي في تونس والقاهرة ودمشق وصنعاء وبغداد والقدس.

يُخضع بعض المثقفين بشكل قسري تحليلاتهم إلى منهج يغترب عن واقع مواطنيهم في تعليق جرس مخاطر انتفاضات شعوبهم التي لا تتعايش مع الحالة الرومانسية والكاريكاتيرية التي أوجدوا أنفسهم بها, وقدموا إجحافا كبيرا بحق مجتمعاتهم التي لحق بها ضرر مضاعف ومركب من خلال تقديم ذرائع نسبتها للعقل الذي أحاطته نظرياتها السابقة والتي اعتصمت داخل جدرانها ورأبت عن رؤية شوارع مدنها وقراها, لتكمن أزمة المثقف في انسلاخه عن فكره الباحث عن مصالح الفقراء المطحونين من أبناء شعبه.

مثلت السنوات الخمس الماضية، من عمر الربيع العربي، انبثاق ثقافة استشراقية عربية نهضت على أكتاف الظلم والاستبداد والقتل، وقدمت العجز وانعدام اليقين لتزييف خطاب الميادين العربية المضاد للثقافة المتشرنقة في ادعاءات كشفت أنها وظيفية لإنكار الاستجابة أو التبادل مع الشارع.

كان "الاستشراق العربي" في ثقافته يبني قلاعا يرمي من أبراجها مجتمعه ويهتك كل السلالم التي رفعته إلى منزلة "المثقف المستشرق" لتظهر الهشاشة الأخلاقية والإنسانية لمعنى الثقافة والانتماء لنقد مختلف عن معنى التسييد والاستعلاء
وكان "الاستشراق العربي" في ثقافته يبني قلاعا يرمي من أبراجها مجتمعه ويهتك كل السلالم التي رفعته إلى منزلة "المثقف المستشرق" لتظهر الهشاشة الأخلاقية والإنسانية لمعنى الثقافة والانتماء لنقد مختلف عن معنى التسييد والاستعلاء.

ليس فيما سبق كله مقدمة لتعداد عبث الثقافة لنهيل التراب عليها, بقدر ما نريد القول إن الثقافة موجودة في الشارع بشكل عفوي ولم تدرس في إطار التلفيق النخبوي, الذي لم يتعامل مع السلوك المقدم كأساس لقراءة جديدة من منظور الواقع وتحويلها إلى أداة فعلية تستطيع اختصار الماديات التاريخية والديالكتيكية، من دون الدخول في تنظيرات نخبوية عاجزة ومنقلبة على ذاتها.

يقول إدوارد سعيد في صور المثقف ص (101) "هل من الجائز للمثقف المعاصر، الذي يعيش في زمن مرتبك فعلا نتيجة اختفاء ما يبدو أنها كانت معايير أخلاقية وسلطة واعية، أن يكتفي، ببساطة، إما بتقديم الدعم الأعمى لسلوك سلطات بلاده والتغاضي عن جرائمها، وإما بالقول بدون مبالاة فعلا: أعتقد أنهم كلهم يفعلون ذلك، وأن هذه حالة الدنيا. ما يجب أن نكون قادرين على قوله بدل ذلك هو أن المثقفين ليسوا محترفين مسختهم خدمتهم المتزلفة لسلطة فائقة العيوب".

شمول التقزيم الذي تحدث عنه سعيد، لمنابر إعلامية وثقافية ونخب تميل في أكثر الأحوال إلى التراجع عن ما تقدمه والامتثال لرواية تغريها بتجنب المخاطر المترتبة على اتخاذ مواقف صعبة ومبدئية وتدرك أنها صحيحة، ارتطمت منذ وقت مبكر مواقف المثقف المتغاضي عن جرائم الاستبداد، بعوائق ضاغطة من الشارع جعلت كل تجربة الثقافة تراوح مكانها فيما كان التغيير يحاكي تطور بنية المجتمعات ويمسخ "الثقافة الأسطورية" المتناقضة مع إحداث التغيير الصائب.

خلاصة
إن غياب الثقافة كما التطلع إليها بالانحياز الأخلاقي، هو الذي يحدد هوية المثقف، وطالما أن الأسباب التي تدفع الإنسان لتأمل العالم المحيط به وطريقة التعامل معه مازالت قائمة على نحو استشراقي ظالم ومتناثر في أمكنة متعددة في العالم العربي، أي أنه لا يزال يعيش جملة الظروف التي دفعته إلى التمرد على واقعه، فإن نظرته لهذا الانهيار الثقافي في نمطه العربي المستشرق لن تختلف عن الغربي الذي حذر منه ذاك المثقف الذي يتغنى باسمه كثيرون.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك