عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي


سينشغل المتخصصون في السنوات -وربما في العقود- القادمة بدراسة الدلالات العميقة لثورة 25 يناير/كانون الثاني في مصر. ذلك أن استعراض خصائص المجتمع منذ العصر الفرعوني حتى إليوم، وخصائص مصر في الإقليم، تكشف عن الكثير من هذه الدلالات التي ستكون موضوعا للدراسات الجادة.


صحيح أن محاولات معينة بدأت واجتهادات قدمت، لكن هذه الدراسات الأولية لم تفسر الظواهر الخطيرة التي لحقت بسلوك المصريين منذ يناير/كانون الثاني 2011 وما أعقبها من تطورات بالغة الخطر خلال السنوات الأربع اللاحقة، بعضها يتعلق بموقف المجتمع من نفسه وفئاته، ومن السلطة، والجيش والإعلام والدين، ومن الدولة والمقدسات الإدارية والاجتماعية والدينية، ومن التيارات السياسية، ومن النظم والحكام السابقين.

كما يتعلق بعضها بمدى قدرة المجتمع في هذا المناخ المتزمت والقاهر على أن يخرج من حالة الاستسلام والقدرية مثل تلك التي أصابته بعد فشل الثورة العرابية واحتلال مصر عام 1882، إلى مستقبل أرحب جديد يعيد ترتيب المكونات، وكيف يخرج المجتمع من حالة التردي النفسية والاجتماعية والعقلية والاقتصادية دون أن تكون لديه قيادات مجتمعية ونخب يعتمد عليها، وحرية في الفكر والعمل، وعقم الخيال والسخط على كل ما مضى، وشيوع حالة من رفض الواقع خاصة بين الشباب، والاتجاه العام إلى الشك في كل شيء، والرغبة الجارفة في الهجرة والتخلص من هذا السياج الحديدي الذي يصهر النفس البشرية المصرية ويحولها إلى حطام.

كانت ثورة يناير ثورة نفسية كاسحة ضد كل ما كان يرمز إليه مبارك ونظم سابقة عليه منذ انقلب عبد الناصر وقلب معه المجتمع وقيمه على المجتمع المدني وعلى الملك، لكي يبشرنا بثورة هي البداية الحقيقية لتراكمات كرسها خلفاء عبد الناصر العسكريون

في هذه المقالة محاولة للتفسير، ومحاولة للعلاج، لعل تلك الخطوة تساعد على إنقاذ المجتمع الذي حاصره اليأس والهذيان والأفكار السوداوية، حتى بالنسبة لأولئك الذين عارضوا الثورة وانضموا إلى مجموعة تستحق الدراسة أطلقت على نفسها "آسفين يا ريس"، وهي صيغة اعتذارية لمبارك الذي عصفت به ثورة الشعب. ونوجز الفكرة في الملاحظات الآتية:

الأولى- أن ما حدث من 25 يناير/كانون الثاني حتى 11 فبراير/شباط 2011 هو ثورة شعبية شاملة، شارك فيها الشعب كله، وحاصرت القلة المستفيدة من نظام مبارك وتحالفاته الداخلية والإقليمية، والتي لم تجرؤ على الظهور أمام قوة الشعب الكاسحة.

كما أن المجلس العسكري الذي تلقف الثورة وحوّر طريقها حتى وصلت إلى ما تعانيه مصر الآن، وقف خاشعا أمام تجليات شعب يهبّ لأول مرة في تاريخه لكي يتولى أموره بنفسه بعدما استنفد كل محاولات جبر الحاكم على أن يصلح بنفسه قبل أن يطاح به. ولذلك فهي ثورة على طبيعة المواطن المصري، ثقافية وشخصية ونفسية، رافقها شعور غريب بالقوة وزانها أن تحرّرَ الذات المصرية من أقانيم الماضي والحاضر كان بطريقه سلمية لا يريد معها المواطن سوى أن يرحل هذا الحاكم ونظامه ورموزه عن مدركاته.

ولذلك فإن الارتدادات التي اضطر الشعب إليها فيما يبدو للبعض أنه ردة وتفكير ثان أو عقلاني بعد ذهاب السكرة بفعل سياسات المرحلة الانتقالية حتى هذه اللحظة، يجب ألا تغري سلطة القهر والاستخفاف والعجز عن فهم الطبيعة الإنسانية للمصريين، لأن الذي تحرر ذاتيًّا لا يستطيع -حتى لو أراد- أن يسجن ذاته بداخله مرة أخرى. وخير لسلطة القهر سواء من ذيول النظام القديم أو النظامين اللذين تعاقبا على مصر بصور مختلفة، ألا يطمع في إعادة المصريين مرة أخرى إلى ملتهم.

وكانت ثورة يناير/كانون الثاني ثورة نفسية كاسحة ضد كل ما كان يرمز إليه مبارك ونظم سابقة عليه منذ انقلب عبد الناصر وقلب معه المجتمع وقيمه على المجتمع المدني وعلى الملك، لكي يبشرنا بثورة هي البداية الحقيقية لتراكمات كرسها خلفاء عبد الناصر العسكريون، حتى كانت يناير/كانون الثاني هي الرد الحاسم الذي يجب أن يصل في مرجعيته إلى الفراعنة.

الثانية- أن من الخطأ المقارنة -كما فعل بعض الفضلاء- بين عامي 1952 و2011، فأنا أرى أن ثورة 2011 عصفت بما حدث عام 1952 في جوهر الثورة على التراكمات، مع عدم الإجحاف بالنقاط المضيئة القليلة في تجربة عبد الناصر أو السادات والتي أتى عليها مبارك.

معنى الثورة على الحاكم الإله والعسكري وصاحب أوهام الضربة الجوية في حرب أكتوبر 1973، أن الشعب قرر أن يضع الدين للديان، والحكم والسياسة للشعب، والجيش في مكانه ومعه الطبقة العسكرية، حتى يكون جيش الدولة لا أن تكون دولة الجيش

الثالثة- أن الربط والعلاقة بين 25 يناير/كانون الثاني 2011 و30 يونيو/حزيران 2013 يحتاج إلى مراجعة عميقة: هل هي علاقة تكامل أم تضاد أم تصحيح؟ إن أحداث 30 يونيو/حزيران التي قامت ضد الإخوان والتيار الإسلامي والمدني وليس حكم الإخوان لأنهم لم يحكموا في الواقع، هي أحد ارتدادات تحرر الذات المصرية يوم 25 يناير/كانون الثاني. ولذلك لا مانع لدينا من القول إن حركة 30 يونيو/حزيران -رغم كل تحفظاتنا المنهجية بشأنها- هي رفض آخر لتقييد هذه الذات الحرة في سياق آخر، حتى لو كان مظهره دينيا. 

الرابعة- أن المصري الذي احتكر الحاكم في مدركه وظيفة الإله والملك قد أمم الدين والسياسة، ولذلك كان بعض الحكام السذج يردون عن سلطتهم الدينية والسياسية بمحاولة الفصل بين الدين والسياسة، على أن تكون السياسة والحكم للحاكم، والدين للمواطن.

ولكن الواقع أن السادات بالذات كان أكثر صراحة مع نفسه من كل الحكام العسكريين من قبله ومن بعده، حين جمع ثلاثة أقنعة في وقت واحد: قناع الدين باعتباره الرئيس المؤمن، وقناع السياسة والحكم من مدخل سطحي وهو أنه رب الأسرة المصرية، فاختزل مصر الدولة في ردة غريبة إلى أصول النظام في مصر إلى أنه رئيس دولة العلم والإيمان، ولا ندري ما علاقة العلم بهؤلاء الحكام، ولا ما هذه الخلطة الغريبة، لأنهم أمموا الدين ومؤسساته، وحاربوا العلم والعقل، وكرسوا عشوائية السلوك والفكر، وقضوا على المجتمع المدني المصري المتحضر منذ عام 1952.

الخامسة- معنى الثورة على الحاكم الإله والعسكري وصاحب أوهام الضربة الجوية في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، رغم ما يحيط به وبدوره مع أشرف مروان من علامات استفهام، أن الشعب قرر أن يضع الدين للديان، والحكم والسياسة للشعب، والجيش في مكانه ومعه الطبقة العسكرية، حتى يكون جيش الدولة لا أن تكون دولة الجيش.

هذه هي المعاني الثلاثة العميقة لثورة يناير/كانون الثاني، ولذلك كان طبيعيا أن تحاربها كل القوى التي تريد للمصريين أن يعودوا إلى الزنزانة التاريخية وأن يعاقب الشعب على أنه تجرأ على الأقداس الثلاثة. ولذلك فإن محاولات إعادته مرة أخرى ستواجه اليوم أو غدا بطوفان، لأن الذات المصرية تحررت يوم 25 يناير/كانون الثاني من أوهام الموت والحياة، وأوهام الدين والدنيا، وأوهام القهر الذي استخدمت السلطات الأمنية والعسكرية فيه لإعادة إخضاع الذات المصرية إلى هذه الأقانيم، حتى لو كانت تحت ستار الدين.

السادسة- أن الشعب الذي ثار على المقدسات الثلاثة في الدين والسياسة والحكم وعلاقة الجيش بالسلطة، تمادى بعض أفراده ممن ليست لديهم المناعة الدينية أو الوطنية أو معرفة أهمية الجيش لمصر أكثر من أهمية مصر للجيش، فظهرت اتجاهات إلحادية وتهجم على ثوابت الثقافة الدينية واحتقار للرموز الدينية التي تواطأت مع الحاكم الفرعون وسوغت له بعلمها الديني استمرار البطش، مما رفضته السليقة المصرية الصافية التي اهتدت إلى السماء قبل أن تصلها الرسالات، وهي التي احتضنت رسالات السماء بفطرتها السليمة، فليست بحاجة إلى من ينصب نفسه وصيًّا على علاقتها بالله، وهي تراه في الحقيقة أهون الداعين إلى الله.

المصري الذي احتكر الحاكم في مدركه وظيفة الإله والملك قد أمم الدين والسياسة، ولذلك كان بعض الحكام السذج يردون عن سلطتهم الدينية والسياسية بمحاولة الفصل بين الدين والسياسة، على أن تكون السياسة والحكم للحاكم، والدين للمواطن

وامتد هذا الاستخفاف إلى الشك في كل شيء، وكأننا بحاجة إلى إعادة بلورة نموذج في الدين والسياسة والمقدسات والقيم. فلاشك أن سلطة الأب والأم قد ضعفت على الأبناء، كما انتشرت حوادث جرائم القتل في الأسرة الواحدة، والعداء بينهم لمجرد أنهم في خنادق سياسية وهمية، واستحال الحوار بين المصريين وارتفعت معدلات الإجرام والعنف تجاه كل الناس، وسادت حالات التربص بالآخر.

ومن العبث أن نطالب في سذاجة بقبول هذا الآخر قبل أن ندل الناس على إجابات منطقية لكل المقدسات التي انهارت، وأولها كيف أن الحاكم "الإله" الذي يملك كل شيء هو أول لص وقائد كتائب اللصوص في مؤسسات رسمية عليها خاتم الجمهورية، وكيف تحولت هذه الجمهورية إلى وراثة حقيقية من نجيب إلى عبد الناصر فما بعدهما، وكيف يتقبل الشعب أن الحاكم "الإله" يستخدم النخبة الإعلامية والمصطلحات والمؤسسات الدينية للتدليس عليه، ويستخدم أبناء مصر في الشرطة لكي يسوم "الإله" رعاياه سوء العذاب ويزج بهم في السجون.

على العكس، كيف يختار الشعب بحرية مسؤولة حاكما ليس إلها؟ وكيف يتدرب على التعامل بحرية مسؤولة على طريقة مراقبة الحاكم وخلعه بالدستور؟ وكيف يكون للدستور حرمة عند المواطن والقاضي؟ وكيف نعيد للإعلام دوره الحقيقي في إعادة صياغة الحياة للمواطن الجديد؟

إنني أهيب بكل من بقي من شرفاء المثقفين والنخب الذين لم تغلب عليهم شقوتهم، أن يلتقوا من أجل صياغة هذا المشروع الحيوي لحياة مصر والمصريين: مصر الجديدة بقيم جديدة ومواطن جديد. فمصر ليست بحاجة إلى ثورات أخرى، ولكنها بحاجة إلى مثل هذه الصياغة.

إن ثورة يناير/كانون الثاني قبس من الله أعز به مصر، فيجب أن تكون مدعاة للفخر وبداية صياغة المجتمع المصري الجديد، والتفاضل بيننا بقدر دور كل منا في هذه الصياغة القدرية، "والله متم نوره ولو كره الكافرون" (الصف، 8).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك