عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


كيف يبدو الواقع السوري بعد عام على مصالحة حمص، ذات التداعيات الكبيرة على المنطقة الوسطى والساحة السورية عامة؟ هل تغير الميزان الإستراتيجي في الداخل السوري؟ وكيف تُقرأ الأحداث في إدلب وجسر الشغور والحدود السورية الأردنية؟


بداية، ثمة سؤال بات قديما ومكررا، ومفاده: متى سيجري استكمال مصالحة حمص في شقها الأخير، أي ذلك الخاص بحي الوعر؟ وبعد ذلك، هل ثمة فرصة لتعميم هذا النموذج على حلب المدنية؟

في الأصل، قضت اتفاقية المصالحة في أحياء حمص القديمة بخروج أكثر من ألفي مسلح إلى قرية الدار الكبيرة، التي تبعد عنها بسبعة كيلومترات وتقع على طرف حي الوعر. وكان يفترض أن تتم الاتفاقية على مرحلتين: الأولى، خروج مسلحي حمص القديمة. والثانية، خروج مسلحي الوعر.

من المهم الذهاب الآن إلى الخيار السياسي باعتباره استثمارا لفرصة تاريخية ولمتغير إقليمي كبير وتاريخي الطابع. ومن يعتقد أن اللحظة هي لحظة التمسك بخيارات المواجهة وتعظيم المضمون الأمني للأزمة فهو ببساطة لا يجيد قراءة التحول الآخذ طريقه في البيئة الجيوسياسية للشرق الأوسط

لقد تحقق الجزء الأول من الاتفاق برعاية ومباركة أممية، وترحيب وطني وأهلي كبير. وكان من المتوقع أن يتحقق الجزء الثاني منه على نحو سلس بعد بضعة أيام على ذلك. بيد أن هذا لم يحدث، واستمر وجود نحو ألفي مسلح في حي الوعر، الذي يضم أكثر من 300 ألف مدني، والذي يعد حاليا الحي الوحيد الذي توجد فيه جماعات مسلحة، من بين أحياء مدينة حمص البالغة 36 حيا، على الرغم من أنه مطوق بالكامل من قبل عناصر الجيش والدفاع الوطني واللجان الشعبية.

واستنادا إلى التسريبات الرسمية، فإن مصالحة حي الوعر قد باتت قاب قوسين أو أدنى. وهي بداية ستكون مشابهة لاتفاق برزة والمعضمية في دمشق وريفها، أي ستبقى في الحي مجموعات من المسلحين تحت مسمى لجان أهلية. وفي مرحلة ثانية، سيتم خروج كافة المسلحين إلى الريف الشمالي.

وسوف يتضمن الاتفاق أيضا بنودا ذات صلة بتسوية أوضاع المسلحين، والإفراج عن جميع المختطفين الذين في حوزتهم.

إن إنجاز التسوية في حي الوعر هو أكثر من ضرورة بالنسبة لأهالي المنطقة، ومدينة حمص عامة. إن من شأن ذلك بث أجواء إيجابية بين الناس، وعودة النازحين الذين لا يزال قسم منهم ينتظر اللحظة التي تُعلن فيها مدينة حمص بكاملها خالية من المسلحين. وحمص هذه متى استعادت عافيتها فإن سوريا ذاتها تكون قد خطت خطوة كبيرة على طريق سلمها الأهلي.

إن من يعرف هذه الأرض، ومكانتها في الجيوبوليتيك السوري، لا يحتاج إلى كثير عناء ليدرك أن استقرار سوريا يمر بالضرورة عبر حمص المدينة وأريافها الكبيرة المترامية الأطراف.

وتُعد حمص أكبر المحافظات السورية من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحتها 42226 كيلومترا مربعا، أي أكثر من 22% من إجمالي مساحة البلاد، البالغة 185.1 ألف كيلومتر مربع. وتتوسط هذه المحافظة سوريا من الشمال والجنوب بعرض 250 كيلومترا، ومن الغرب والشرق بطول 360 كيلومترا. وتطل على محافظة حماة شمالا، والرقة ودير الزور في الشرق، وريف دمشق جنوبا، وطرطوس ولبنان غربا، والعراق والأردن في الجنوب الشرقي.

وبالعودة إلى اتفاقيات المصالحة، فقد دار حديث حول إمكانية استنساخ نموذج حمص القديمة في مدينة حلب. وجاء هذا الأمر في سياق المداولات الخاصة بمبادرة المبعوث الأممي إلى سوريا ستفان دي ميستورا، وحيث اقترح أن يكون حي صلاح الدين الحلبي منطلقا للتسوية، على أن يجري تطبيقها لاحقا على 41 حيا في مدينة حلب.

ووفقا لوسائل الإعلام المحلية، فقد اشترطت الحكومة السورية خروج كل المقاتلين الأجانب. كما وضعت ثلاثة خيارات للمقاتلين المحليين، هي: منحهم جيبا صغيرا يمكنهم المغادرة منه إلى مناطق يختارونها، أو تسليم سلاحهم مقابل تسوية أوضاعهم، أو انضمامهم إلى هيئات الدفاع الوطني أو اللجان الشعبية في مناطقهم.

وهناك تفاصيل أخرى تم تداولها في وسائل الإعلام، إلا أن جوهر المسألة يتمثل في بناء حالة من التطبيع المدني والأمني للحياة العامة، واعتبار المصالحات جزءا من مشروع الوفاق الوطني العام.
هذه المقاربة لم تتحقق حتى الآن، وإذا قدّر لها التحقق يوما ما فإن حلب ستعود تدريجيا إلى سابق أمانها وعيشها الأهلي المشترك، على النحو الذي أخذ الآن يتحقق في مدينة حمص. وهذا مكسب وطني كبير، ولا شك في ذلك.

وبالانتقال إلى المقاربة الكلية للأزمة السورية، يمكن القول بداية إن ثمة تحولا كبيرا قد أخذ يشق طريقه إلى البيئة الجيوسياسية لهذه الأزمة. وهذا التحول يعدّ في جوهره، ومآلاته النهائية، دافعا باتجاه التسوية السياسية، ومعززا لفرص المصالحة والوفاق الوطني المنشود.

ومن هنا، تأتي أهمية الذهاب إلى الخيار السياسي باعتباره استثمارا لفرصة تاريخية ولمتغير إقليمي كبير وتاريخي الطابع. ومن يعتقد أن اللحظة هي لحظة التمسك بخيارات المواجهة وتعظيم المضمون الأمني للأزمة، فهو ببساطة لا يجيد قراءة التحول الآخذ طريقه في البيئة الجيوسياسية للشرق الأوسط.

لا بد من التأكيد على أن ميزان القوى لم يتغير من حيث الجوهر. أو لنقل لم تحدث له استمالة ذات تأثير على الاتجاه الإستراتيجي الكلي للأزمة، على الرغم من التطورات التي حدثت في القطاع الشمالي الغربي، وتحديدا في إدلب وجسر الشغور

وفي الحقيقة، فإن مقاربة البعض حاليا لقضية التسوية السياسية تشير إلى قصر نظر، ومحدودية في الرؤية، وقراءة مقلوبة لاتجاهات وآفاق البيئة الجيوسياسية لهذه المنطقة، ومستقبل التوازنات فيها.

وثمة أمر آخر لا بد من التوقف مليا عنده، وهو الواقع الميداني الداخلي ومدى ارتباطه بفرص التسوية السلمية للأزمة.

بداية، لا بد من التأكيد على أن ميزان القوى لم يتغير من حيث الجوهر. أو لنقل لم تحدث له استمالة ذات تأثير على الاتجاه الإستراتيجي الكلي للأزمة، على الرغم من التطورات التي حدثت في القطاع الشمالي الغربي، وتحديدا في إدلب وجسر الشغور.

إن ما حدث هناك يُمثل حالة موضعية معزولة، لا تمتلك شيئا من مقومات الديمومة والاستمرارية، عند الأخذ بالحسابات العسكرية المباشرة. فجسر الشغور قد جرى تطويقها ناريا، ومحاصرتها بالقوات من الجهات كافة، وباتت ساقطة عسكريا. وليست هناك أدنى قيمة إستراتيجية للتمسك بها من قبل أية مجموعات مسلحة.

أما إدلب المدينة فمستقبلها يبقى محكوما بمستقبل الريف الإدلبي ذاته. وهذا الريف يتغير سريعا الآن في غير مصلحة المجموعات المسلحة الموجودة هناك. إن إدلب لن تكون رقة ثانية في سوريا. ومن يعتقد ذلك فهو لا يجيد قراءة الأحداث.

الصحيح هو أن الرقة قد جرى تأجيل معركتها الكبرى لاعتبارات ذات صلة بمدى تأثيرها على الميزان الإستراتيجي الكلي، وكذلك خصوصية الأوضاع في المناطق المجاورة لها. أما إدلب فقصة مختلفة، وخاصة في سياقها السياسي، إذ إن القراءة السائدة في دمشق اليوم لا ترى فيما حدث في هذه المدينة شأنا ذا صلة بالصراع الداخلي الدائر، بل هو أبعد من ذلك. ولذا يصعب السكوت عنه. ومن هنا، جرى تطويق إدلب بسرعة لم يتوقعها أحد.

وهناك قضية أخرى فيما يتعلق بتطورات الشمال الغربي، وهي أن جماعات القاعدة، والقوى المتحالفة معها التي دخلت إدلب وجسر الشغور، لا تنتمي إلى المجموعات التي تعتبر نفسها ذات صلة بالنقاش الدولي أو المحلي حول التسوية السلمية للأزمة. وهذا أمر مفهوم للجميع على أي حال.

إن هذه الصورة، في بُعديها العسكري والسياسي، يُمكن إسقاطها بقدر ما على التحولات التي حدثت أيضا على الحدود الأردنية السورية وبعض البلدات المجاورة لها.

هذه، كما تلك، لم تُغير من جوهر الميزان الإستراتيجي الكلي، أو لنقل البيئة الإستراتيجية الكلية للأزمة السورية، التي يُمكن تعريفها استنادا إلى منظومة واسعة من المعطيات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وخلاصة، نحن بصدد ميزان إستراتيجي ثابت، من حيث جوهره، منذ نحو عام من الآن. ولا يُمكن منطقيا إخضاع الكل للجزء، أو المتغير الأساسي للمتغير التابع. وهذه من أصول المقاربة العلمية لأية مسألة.

ومن هنا، فإن أحداث الشمال الغربي، وتلك المتصلة بالحدود السورية الأردنية، لا يُمكن تسييلها في صورة رصيد سياسي، وذلك لسبب بسيط هو عدم تمكنها من تغيير الميزان الإستراتيجي الكلي أو العام. ويُمكن للمرء أن يتوسع في شرح وتحليل هذه المسألة عسكريا، إلا أن ذلك ليس من وظيفة هذا المقال.

إن ما نود التأكيد عليه هنا هو أن من يريد مصلحة الشعب السوري عليه أن يتجاوب مع الإرادة الشعبية الداعية للتسوية السياسية، وأيضا الإرادة الأممية الداعمة لهذا الخيار.

كذلك، فإن أحدا لا يصح له الاستغراق في الوهم، والمراهنة على خيارات أمنية عقيمة ثبت عجزها وفشلها، وكل ما يُمكن أن تأتي به هو مزيد من تعطيل مسيرة الوطن ونهضة أبنائه.
نعود للتأكيد على أننا اليوم بصدد منعطف كبير، تاريخي الطابع، على مستوى البيئة الجيوسياسية لهذه المنطقة من العالم. والأحرى بكافة القوى الوطنية أن تدفع باتجاه التأكيد على المقاربة السياسية لحل الأزمة، وعدم إضاعة الوقت في أية رهانات أمنية، صريحة أو مستترة

ولعل من الواضح، في الوقت ذاته أن هناك من الجماعات والأفراد من يدرك تماما أن لا مستقبل للمقاربات الأمنية مهما عظمت، لكنه لا يستطيع القول بذلك صراحة، لأن قراره ليس ملكه، بل ملكا لبازار اللعبة الإقليمية. وهذا أسوأ ما في الأمر، للأسف الشديد.

إن سوريا لها من الخصوصيات الجيوسياسية ما يجعلها عصية تماما على المقاربات الأمنية. وهذه مسألة يدركها الجوار الإقليمي وأيضا المجتمع الدولي عامة. وكل من يقول بهذه المقاربات إنما يستثمر سياسيا في الساحة السورية لحسابات خاصة. وهذا كل شيء بالنسبة له.

ومرة أخرى، نعود للتأكيد على أننا اليوم بصدد منعطف كبير، تاريخي الطابع، على مستوى البيئة الجيوسياسية لهذه المنطقة من العالم. والأحرى بكافة القوى الوطنية أن تدفع باتجاه التأكيد على المقاربة السياسية لحل الأزمة، وعدم إضاعة الوقت في أية رهانات أمنية، صريحة أو مستترة.

وحري بكل ذي عقل وبصيرة عدم الانجرار إلى غواية هذه الرهانات المدمرة، وجدير به أيضا اعتماد قراءة ناضجة، صحيحة وغير مقلوبة، للتطورات الإقليمية والدولية الدائرة من حولنا.

المطلوب أن يتجاوب الجميع مع الدعوة الأممية للحوار في جنيف، وأن يتم ذلك بانفتاح وحسن نية، وشعور عال بالمسؤولية الوطنية. والمطلوب أيضا أن تكتمل مصالحة حمص، وأن يجري استنساخها في حلب المدينة، كونها مطلبا شعبيا صريحا لا لبس فيه. وهذه باختصار مصلحة الشعب والوطن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك