فراس أبو هلال

فراس أبو هلال

كاتب وصحفي


تشكل اللحظة التاريخية الراهنة لحظة نادرة من الاشتباك العربي مع إيران، حيث تكاد تكون الدولة الجارة للعرب موجودة في كافة الساحات الملتهبة في الإقليم، إما عبر قواتها العسكرية والاستخبارية بشكل مباشر، أو عبر وكلائها المحليين، أو من خلال قوتها الناعمة التي تؤثر في بعض الدول العربية عبر علاقاتها السياسية والدينية مع المكون الشيعي في هذه الدول.

وفي مثل هذه اللحظات النادرة من الاشتباك المتعدد الاتجاهات، ينظر في العادة إلى الدول التي تقع في معسكر الخصومة بنظرة العداء فقط، ويغيب عن هذه النظرة الأحادية محاولات الاستفادة من الخصوم أو الأعداء، على الرغم من المقولة الأثيرة: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

وبالرغم من الحالة الملتبسة بين الدول العربية وإيران، فإنه من المفيد أن يتساءل العربي الرسمي والشعبي عن الدروس التي يمكن أن يتعلمها العرب من طهران، ليتمكنوا من وضع دولهم على خارطة التأثير في الشرق الأوسط، بدلا من أن يبقوا متفرجين على صراع القوى الكبرى والإقليمية ويرضوا بدور المفعول به لا الفاعل.

أول ما يمكن أن يتعلمه العرب من إيران هو أهمية إدراك أوراق القوة التي يمتلكونها، وكيفية استخدام هذه الأوراق، وضرورة اللجوء إلى أوراق دون أخرى في كل مرحلة من المراحل، حسب نوعية الخصم وطبيعة المعركة

إن أول ما يمكن أن يتعلمه العرب من إيران هو أهمية إدراك أوراق القوة التي يمتلكونها، وكيفية استخدام هذه الأوراق، وضرورة اللجوء إلى أوراق دون أخرى في كل مرحلة من المراحل، حسب نوعية الخصم وطبيعة المعركة.

فبينما عملت إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 على بناء وتكوين مجموعة من أوراق القوة والضغط في المنطقة، لم يدرك العرب أهمية دولهم ومواردهم البشرية والروحية والمادية، ولم يتحركوا أولا لاكتشاف أهميتهم، ولا لاستخدام قدراتهم للحصول على موقع يستحقونه في خارطة الدول الإقليمية في الشرق الأوسط.

لقد أدركت إيران أنها تملك ثلاثة عوامل مهمة تؤهلها للعب دور محوري منافس في المنطقة: الموارد البشرية، والطاقة، والأيدولوجيا/الثورة/الطائفة.

وبمجرد قيام الثورة عملت على استثمار الطاقات البشرية المتوفرة لها واحتضنتها، ورعت تطورها العلمي، وأهلتها للاستفادة من العوائد المالية التي تدخل الخزينة الإيرانية من تصدير النفط والغاز، وبدأت ببناء وتطوير نهضة معقولة في مجال التصنيع العسكري والطاقة النووية.

صحيح أن هذه النهضة الصناعية غير قابلة للقياس العلمي بسبب طابعها السري، وهو ما جعلها محل نقاش بين من يهول لها وبين من يقلل من شأنها، ولكن هذا النقاش الذي ينطلق أساسا من منطلقات سياسية لا علمية، لا يخفي أن هذا البلد استطاع أن يسجل اسمه بين قائمة الدول المصنعة للمعدات العسكرية والتسليحية، وأن يحجز مكانه في نادي الدول "النووية"، خصوصا بعد اتفاق لوزان الموقع قبل أسابيع.

ولكن إيران لم تكتف بالقوة العسكرية والمالية والتسليحية، وإنما أدركت منذ قيام الثورة أنها تمتلك "مقولة" أيدولوجية هي الثورة، تختلط بشعار إنساني هو "نصرة المظلومين"، ويدعمه انتماء طائفي أقلوي هو "التشيع"، ولذلك أطلقت شعارها الشهير "تصدير الثورة" الذي -رغم خفوت صوته على صعيد اللغة والخطاب بعد سنوات من الثورة- ظل حاضرا في السياسة الخارجية الإيرانية، التي طورت هذا المزيج الأيدولوجي-الإنساني-الطائفي ليصبح مادتها الأساسية في صناعة قوتها الناعمة التي امتدت من إيران إلى سوريا إلى لبنان والعراق والبحرين واليمن وأفغانستان، كما وصلت هذه القوة أيضا إلى فلسطين عبر بوابة دعم المقاومة التي تندرج في إطار شعار "الانتصار للمستضعفين ضد قوى الاستكبار".

ثاني ما يمكن أن يتعلمه العرب من إيران يتعلق ببناء الحلفاء وتنويعهم، والعمل معهم بسياسة النفس الطويل، ودعمهم بشكل مستمر دون خذلانهم أو التخلي عنهم في اللحظات الحرجة

وبالمقابل، اكتفت الدول العربية التي امتلكت موارد الطاقة بزيادة أرصدتها من الدولارات دون بناء تنمية بشرية وصناعية حقيقية، بينما كانت الدول التي تحظى بالطاقات البشرية طاردة للكفاءات.

كما فشلت الأنظمة العربية منذ الاستقلال وحتى اليوم في الاتفاق على مشروع أيدولوجي يستفيد من رصيد هائل من الشعارات والقواسم المشتركة بين أبناء الدول العربية من لغة ودين وموروث حضاري، كان يمكن أن يمثل أساسا مهما لبناء قوة "ناعمة" عربية تنافس أو تنتصر على القوة الإيرانية، وحتى التركية.

أما الأمر الثاني الذي يمكن أن تتعلمه الدول العربية من إيران فيتعلق ببناء الحلفاء وتنويعهم، والعمل معهم بسياسة النفس الطويل، ودعمهم بشكل مستمر دون خذلانهم أو التخلي عنهم في اللحظات الحرجة.

لقد تعاملت إيران منذ قيام الثورة مع "صناعة الحلفاء" كما ينبغي لأي دولة "إقليمية" أن تفعل، إذ نوعت من تحالفاتها، وحاولت ملء الفراغات الموجودة في دول الجوار، فشكلت تحالفات مع دول تختلف معها أيدولوجيًّا كما فعلت مع سوريا، وساهمت في إنشاء ودعم جماعات تنتمي إلى نفس الطائفة كما حصل مع حزب الله والأحزاب العراقية المعارضة في عهد صدام حسين (حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية)، وناصرت دولا مسيحية ضد دول مسلمة كما حصل مع أرمينيا التي تدعمها ضد أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، وأقامت تحالفات وثيقة مع قوى مقاومة سنية كما هو الحال مع حماس والجهاد الإسلامي.

وكما يتضح من هذه الخارطة الجزئية لتحالفات إيران، فإن الأخيرة وسعت دائرة علاقاتها وتحالفاتها جغرافيا ودينيا وطائفيا وشكلا (دول/مليشيات/تنظيمات وأحزاب)، كما أنها اتبعت سياسة النفس الطويل في بناء هذه التحالفات، فلم تطلب الثمرة السياسية بشكل مباشر، بل انتظرت حتى يصبح الأمر مواتيا أو ملحا لطلب ثمن لهذه التحالفات.

وإضافة إلى ذلك، استمرت طهران في دعم حلفائها لسنوات طويلة ولم تتخل عنهم، حتى انتقل بعضهم من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة (الحوثيون/التنظيمات الشيعية في العراق/حزب الله)، في حين لا يزال بعضهم الآخر مستضعفا ومع ذلك فإنها لم تتركه، كما هو الحال مع الجماعات الشيعية في البحرين والشخصيات المعارضة في المنطقة الشرقية في السعودية الذين تُتهم إيران بمساعدتهم ضد نظامي الحكم في الرياض والمنامة.

ثالث ما يمكن أن يتعلمه العرب من إيران هو السياسة الخارجية النشطة والمتحركة، وهي سياسة تقوم على اعتماد المقاربة المناسبة للتعامل مع كل ملف بمعزل عن الملفات الأخرى، وتبني المفهوم التقليدي للسياسة الخارجية القائم على معادلة المصالح لا الصداقات

وبمقابل السياسة الإيرانية المدروسة والواسعة والمستدامة في بناء التحالفات، اكتفت بعض الدول العربية المؤثرة ببناء تحالفات مؤقتة في هذه الساحة أو تلك، وتخلت دول عربية كثيرة عن حلفائها في أوقات الشدة، وسعت دول أخرى لقطف ثمار تحالفاتها سريعا. ولكن الأسوأ من ذلك أن كثيرا من التحالفات التي بنتها دول عربية كبيرة كانت أساسا موجهة ضد دول عربية أخرى (الجزائر-المغرب/ العراق البعثية-سوريا البعثية/ مصر الناصرية-السعودية الوهابية).

وإذا كان من الصعب على الدول العربية بناء تحالفات مشتركة مع قوى فاعلة بسبب اختلاف المصالح أحيانا، والأيدولوجيات أحيانا أخرى، فليس أقل من أن تبتعد هذه الدول عن محاربة جيرانها من خلال حلفاء محليين في دول الجوار العربي، وليس أقل من التعلم من السياسة الإيرانية التي قامت على تنويع الحلفاء والعمل معهم لسنوات وعقود، وعدم التخلي عنهم في أي ظرف حتى تضمن أن تجدهم عندما تحتاج إليهم مباشرة، أو بشكل غير مباشر للاستخدام كورقة ضغط في ساحات المعارك السياسية مع هذا الطرف أو ذاك.

الأمر الثالث الذي يمكن أن يتعلمه العرب من إيران هو "السياسة الخارجية النشطة والمتحركة"، وهي سياسة تقوم على اعتماد "المقاربة" المناسبة للتعامل مع كل ملف بمعزل عن الملفات الأخرى، وتبني المفهوم التقليدي للسياسة الخارجية والقائم على معادلة المصالح لا الصداقات.

إن هذه السياسة الخارجية النشيطة والمتغيرة يمكن أن تمثل تفسيرا علميا بديلا للتفسيرات الاختزالية التآمرية الموجودة لدى بعض العرب للعلاقة الإيرانية مع أميركا، إذ إن تقلب العلاقات بين البلدين من زمن إلى آخر، ومن ساحة إلى أخرى، لا يمكن تفسيره بوجود "تحالف خفي سري قديم" بين واشنطن وطهران، وإنما بنشاط وحيوية السياسة الخارجية لكلا البلدين.

لقد أعلنت إيران العداء "للشيطان الأكبر" منذ قيام الثورة، ولكنها مع ذلك مارست مع أميركا جميع أنواع السياسة، بين الحرب المباشرة كما حصل في اختطاف الدبلوماسيين في السفارة الأميركية بطهران، والحرب غير المباشرة كما هو الحال في لبنان، والتعاون غير المباشر كما هو الحال في أفغانستان والعراق، والمعاهدات الدولية كما هو الحال في اتفاق البرنامج النووي الأخير.

استطاعت إيران أن تحصل دائما على ثمن مقابل تعاونها المرحلي مع أميركا في هذه المنطقة أو تلك، وبحسب تعبير الخبير الأميركي المخضرم بالشرق الأوسط مايكل هدسون فقد كان من حظ أميركا الحسن أن دعمها لإسرائيل ومواقفها في المنطقة لم تؤد إلى غضب العرب لدرجة تؤثر على مصالحها

وكما هو الحال في سياسة إيران تجاه الولايات المتحدة، فقد تغيرت سياسات طهران مع لاعبين دوليين آخرين باختلاف الزمان والمكان. فإيران التي تعلن عداءها يوميا للقوى السلفية الجهادية، تعاونت مع القاعدة بعد احتلال أفغانستان، وسهلت عملها حسب اتهامات الكثيرين في العراق، وتغاضت عن التسهيلات التي قدمها حليفها الرئيسي بشار الأسد للتنظيمات الجهادية السنية لدخول العراق في الفترة ما بين 2003 و2011، وناصبت علي عبد الله صالح العداء بسبب حربه مع الحوثيين منذ 2006 إلى 2011 قبل أن تتحالف معه من خلال حلفائها الحوثيين بعد توقيع المبادرة الخليجية.

في بمقابل هذه السياسة الإيرانية النشطة، عانت سياسات الدول العربية الكبرى من الجمود، فقد قدمت أوراق اعتمادها بشكل مستمر ودائم لواشنطن، وأعلنت سرا وعلنا أن العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة علاقة "زواج شرعي" كما سماها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي، وهو ما منح واشنطن حالة من الطمأنينة تجاه العرب الذين حافظوا على تحالفهم مع واشنطن بدون ثمن.

أما إيران فقد استطاعت أن تحصل دائما على ثمن مقابل تعاونها المرحلي مع أميركا في هذه المنطقة أو تلك، وبحسب تعبير الخبير الأميركي المخضرم بالشرق الأوسط مايكل هدسون فقد كان من حظ أميركا الحسن أن دعمها لإسرائيل ومواقفها في المنطقة لم تؤد إلى غضب العرب لدرجة تؤثر على مصالحها في النفط والأمن.

وبينما تعاملت إيران مثلا مع تنظيم القاعدة حسب مصالحها السياسية والقومية، أدى خلاف الدول العربية الكبيرة مثل مصر والسعودية (في مرحلة معينة) مع الإخوان المسلمين إلى محاربتهم في كل مكان دون النظر إلى المصلحة الوطنية لهذه الدول، فحاربت مصر حماس رغم أنها تحكم غزة التي تمثل ركنا مهما في الأمن القومي المصري، وتخلت السعودية عن التجمع اليمني للإصلاح مما أدى إلى سيطرة الحوثيين حلفاء خصمها التقليدي (إيران) على اليمن، مع أنه كان من الأجدى أن تتعامل هاتان الدولتان مع كل منطقة بخصوصيتها، بدلا من التعامل بمنطق الخلافات القبائلية التي لا تتوافق مع مفاهيم "السياسة الخارجية النشطة" المتبعة من قبل طهران.

هناك إذن ما يمكن أن تتعلمه الدول العربية من إيران، وإذا كان لا بد من الاشتباك الدبلوماسي وأحيانا الخشن مع طهران، فإن هذا لا يمنع أن يتعلم العرب من سياستها الخارجية التي أثبتت نجاحا معقولا يقر به الجميع، سواء اختلفوا مع نهجها أو اتفقوا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك