عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


الأمن القومي وأمن النظام
بنية الأمن القومي العربي
التيه الأمني

يكثر الحديث في الآونة الأخيرة حول الأمن القومي العربي، وكان الموضوع موقع اهتمام كبير من قبل القمة العربية التي عقدت أخيرا في شرم الشيخ المصرية. يكثر الحديث حول هذا الأمن في مختلف وسائل الإعلام العربية، لكنني لم أرَ بعدُ تعريفا لهذا الأمن.

فقبل الخوض في التفاصيل والتحليل والوصف، يجب أن نقدم تعريفا مقنعا للناس، أو على الأقل نقدم تعريفا يشكل أرضية للنقاش على المستوى الجماهيري العربي. لا يكفي أبدا الاستناد إلى مقولات رسمية وشعارات حول هذا الأمن، ولا بد من مشاركة عموم الناس في النقاش والجدل، وخاصة المثقفين الذين يمكن أن يحملوا رؤى حول هذا الأمن، مما يغني الفكرة ويدفع باتجاه رفع مستوى الوعي الجماهيري بأمن الجماهير.

لم يقدم مؤتمر شرم الشيخ تعريفا لما يتضمنه هذا الشعار، ولم يشرح للناس ما يعنيه الحكام بشعارهم، وتُرك الأمر لكل شخص يفسره كما يرى مناسبا. وهنا أحاول أن أصل إلى تعريف للأمن القومي العربي، إنما بداية لا بد من التمييز بين الأمن القومي العربي وأمن النظام السياسي.

الأمن القومي وأمن النظام
الأمن القومي العربي هو ما يتعلق بأمن الدولة في كل مكوناتها الشعبية والدستورية والمؤسساتية، واستقلالها اقتصاديا وأمنيا عن الدول الأخرى، بينما يعني أمن النظام الحرص على بقاء النظام السياسي واستمراره ولو على حساب المواطنين.

أمن النظام السياسي لا يعني أمن المواطن رغم أنه قد يتقاطع معه أحيانا في الساحة العربية، أما أمن الناس أو أمن الدولة فيعني تلقائيا أمن النظام أيضا، لأن النظام يجب أن يسهر دائما على أمن الناس

أمن النظام السياسي لا يعني بالضرورة أمن المواطن العربي على الرغم من أنه قد يتقاطع معه أحيانا قليلة في الساحة العربية، أما أمن الناس أو أمن الدولة فيعني تلقائيا أمن النظام أيضا، لأن النظام هو الذي يجب أن يسهر دائما على أمن المواطنين.

في الحالة العربية، شكل النظام السياسي عبر أكثر من ستين عاما أكبر تهديد لأمن المواطن العربي من خلال أجهزة أمن النظام، وكثيرا ما تم استعمال المواطن العربي المسكين لخوض حروب الأنظمة التي انتهت بالهزائم والدمار. وقد دأبت الأنظمة العربية على تمجيد جهودها في حفظ النظام داخل حدود دولها، على الرغم من أن المواطن العربي لم يشعر أبدا بالأمن بسبب ملاحقته ومراقبته من قبل أجهزة أمن الأنظمة.

ولهذا كان مفروضا -وما زال- أن يوضح الكتاب والسياسيون والمحللون ماذا يعنون بالأمن القومي العربي، حتى لا تختلط المفاهيم على المواطن العربي العادي الذي يعاني دائما من مآزق أمنية.

بنية الأمن القومي العربي
إذا كنا نعمل على تحقيق الأمن القومي العربي فإن ذلك لا يتحقق بين يوم وليلة، أو من خلال حشود عسكرية وأمنية سريعة، وإنما لا بد أولا من صناعة بنية تحتية تؤهل الدولة وجمهور الناس والقوات العسكرية والقوى الأمنية للقيام بالمهمات بمهنية وعقلية علمية وحسابات دقيقة. ولكي نحقق هذه البنية التحتية، يجب الانتباه إلى النقاط التالية:

أولا- صناعة الإنسان العربي من جديد: المؤتمن على الأمن القومي العربي هو الإنسان، هو المواطن، وإذا غاب المواطن فلن نجد من يسهر على هذا الأمن ويدافع عنه. مشكلة العرب الأولى الآن تتمثل في غياب المواطن بسبب تعرضه للقمع والاستبداد والملاحقة من قبل أجهزة الأمن العربية، وأغلب المواطنين العرب يلاحقهم الفقر والجوع وسوء الأحوال الصحية والغذائية وسوء المستوى التعليمي.

الإنسان العربي غائب لأنه يعاني من الاغتراب في وطنه، ولا يجد نفسه في هذا الوطن، ولا يدرك قدراته وملكاته وقوة طاقاته.. إنه إنسان مهزوز لا يملك نفسه، ويشعر أنه مجرد عبد عند من هو أقوى منه، وينتظر الإحسان.. إنه مهمش ويعاني من قلة الاحترام ومن الحرمان ومن ضعف الانتماء وضبابية الهوية.. إنه لا يشعر بأنه صاحب قرار، أو أن بإمكانه أن يشارك في اتخاذه.. هو مستضعف وفاقد للشخصية ولا يقوى على المبادرة.

بمثل هذا الإنسان المهشم والمحطم لا يمكن أن يكون العرب قادرين على الدفاع عن أنفسهم، أو تحقيق الأمن لأنفسهم، أو مواجهة التحديات. الإنسان المهزوم لا يمكن أن ينتصر، وإذا كان له أن يحقق التقدم والنهوض فعليه أن يتغلب أولا على نفسيته المهزومة. المهزوم داخليا لا يمكن إلا أن يكون مهزوما أمام التحديات التي تواجهه، وأمام الأعداء الذين يطمعون فيه وفي ثرواته.

فإذا كانت الأنظمة العربية معنية فعلا بتحقيق الأمن القومي العربي، فإن عليها أولا فك أسر المواطن العربي، وذلك برفع القبضة الحديدية عنه، وفتح المجال أمامه ليشارك في اتخاذ القرار وفي النشاطات العامة التي تساعد على بلورة وعي المواطن وإخراجه من الغياهب التي يعاني منها. فلا يمكن أن يساهم المواطن في رقي الأمن القومي العربي إلا إذا كان حرا، فهل لدى الأنظمة العربية الاستعداد لوضع برامج للانطلاق بحرية المواطن العربي؟ أما من يصر على إبقاء المواطن العربي محاصرا وضعيفا، فإنه لا يبحث عن أمن قومي عربي.

الإنسان المهزوم لا يمكن أن ينتصر، وإذا كان له أن يحقق التقدم فعليه أن يتغلب على نفسيته المهزومة. المهزوم داخليا لا يمكن إلا أن يكون مهزوما أمام التحديات التي تواجهه والأعداء الذين يطمعون فيه وفي ثرواته

ثانيا- تحرير المواطن العربي من الجهل والأمية وغياب الوعي بماضيه وحاضره وبما يجب أن يكون عليه مستقبله.
نظام التعليم في الوطن العربي متخلف جدا، سواء على مستوى المدارس أو الجامعات، والسبب في الأساس غياب الحريات وتكميم أفواه المدرسين بطرق شتى. يعاني الوطن العربي من الأمية، ومن المطلوب التركيز على محو الأمية، ليس قراءة وكتابة فقط، وإنما برفع مستوى الوعي لدى الإنسان العربي وتنمية قدراته الفكرية والتحليلية لكي يعي العالم من حوله.

المدارس تعتمد التلقين، وقلما تحاول بعث التفكير العلمي والتحليل المنطقي، والجامعات لا تختلف، بل إنها تعاني بشدة من تواجد أجهزة الأمن في الحرم الجامعي، ومن تدخلها السافر والمشين في مواد التدريس وفيما يقال داخل غرفة الدرس. المطلوب أن يركز التعليم على: التفكير العلمي والتحليل المنطقي وبعث المبادرة الشخصية، وذلك بتدريس أسس ومبادئ الحرية وطرق ممارستها نحو انبثاق وتبلور الطاقات الإنسانية، وعلى الرقي بالوعي الإنساني حول مختلف التحديات التي تواجه الأمة.

ثالثا- تحرير المواطن العربي والأمة العربية من العوز والفقر.
في هذا الوطن الكبير والثري، هناك من يتلوون جوعا ولا يجدون ما يسد رمقهم، وكم من مرة هبت الدول الأجنبية لتقديم المساعدات الغذائية في عدد من الأقطار العربية. العرب يستوردون الآن حوالي 70% من احتياجاتهم الغذائية، وإذا كان للدول التي تصدر الغذاء إلى العرب أن تتوقف عن التصدير، فإننا سنموت جوعا رغم امتلاء خزائننا بالذهب.

لا يوجد أمن غذائي في الوطن العربي، وعجزت الأنظمة العربية حتى الآن عن توفير الأموال اللازمة -وهي موجودة- لدعم القطاعات الزراعية العربية وتحقيق مستوى غذائي أفضل لكل العرب في كل الأقطار العربية. نحن نرى الأراضي الزراعية الشاسعة في عدد من البلدان العربية، لكننا لا نرى الصحراء تزهر وتثمر، وهنا يخطر ببالي قول رئيس وزراء الدانمارك عندما هدد العربُ بمقاطعة المنتجات الدانماركية بسبب الرسومات الشهيرة ضد الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ طلب من شعبه ألا يكترثوا لدعوات المقاطعة لأن العرب غير منتجين ولا يستطيعون مقاطعة الدانمارك.

رابعا- البحث عن مصادر مياه ليشرب المواطن العربي.
الوطن العربي فقير في المصادر المائية، وهناك أقطار عربية تعاني يوميا من عدم توفر المياه، وسيأتي زمن تعاني فيه كل الأقطار العربية من نقص المياه الصالحة للشرب والصالحة للزراعة. وبدل تبذير الأموال على الرفاهية والترف، يمكن الحرص على توفير مصادر مياه جديدة، وتطوير الطاقة اللازمة لتحلية مياه البحر بأقل التكاليف الممكنة. والأفضل أن يتم تطوير أساليب عربية لتوفير المياه بدل اللجوء المستمر إلى الغرب لتوجيهنا نحو كيفية حل مشاكلنا.

خامسا- تطوير التقنية العربية عسى أن يستقل العرب في قراراتهم السياسية والاقتصادية.
التقنية تشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق بها الأمم نحو التقدم والنهوض وتحقيق الاستقلال، فالدول التي تعمل على تطوير تقنيتها الخاصة بعلمائها وموادها الخام المتوفرة لديها، تتمكن من الوقوف على أقدامها وتطوير قدراتها على منافسة الدول المتقدمة تقنيا وعلى المساهمة في الحضارة الإنسانية. أما الدول العاجزة عن تطوير تقنيتها فتبقى تحت رحمة أهل الغرب الذين يتطورون تقنيا باستمرار، ولهم أن يمنعوا ما يتوصلون إليه من تطوير، أو يقدموا المعدات والآلات دون تقديم الأسرار العلمية التي تشكل المقدمة الأولى للتطوير التقني.

الأمن القومي العربي هو تحرر المواطن العربي من أجهزة الأمن العربية التي تلاحقه، ومن الإرهاب الذي يقض مضاجعه، ومن الهيمنة الغربية التي تفقده شخصيته، ومن العوز والفقر والجهل وغياب الوعي، ومن الذين يحتلون أرضه، ومن الذين يبددون ثرواته

سادسا- علينا العمل على تحقيق الوحدة الوطنية لكل قطر عربي.
عانى الوطن العربي في السنوات العشرين الأخيرة حالات انقسام مرعبة مستندة إلى القبلية والطائفية والمذهبية، وقد ساهمت الأنظمة العربية بقوة في بث الفساد والفتن داخل صفوف الشعب الواحد حتى باتت الأمة العربية بأجمعها ممزقة.

لقد مزقت الأنظمة النسيجين الاجتماعي والأخلاقي للأمة حتى باتت العلاقات بين الناس تقوم على الشك المتبادل لا الثقة، فكيف بأمة يسودها الشك أن تراعي أمنها؟ وحدة الشعوب أساسية، ولا يبدو أن للعرب مستقبلا بدون الوحدة، ويجب الكف عن استخدام عوامل الانقسام لتشتيت الشعوب.

سابعا- تحديد معسكري الأصدقاء والأعداء.
إنها مسؤولية ضخمة أمام أصحاب القرار في الساحة العربية أن يضعوا معايير تحديد أصدقاء العرب وأعدائهم، وهذه مهمة ليست سهلة بسبب كثرة الأنظمة العربية واختلاف أهوائها السياسية والثقافية والاجتماعية. المواطن العربي لم يعد على يقين مما إذا كانت إسرائيل عدوا أم صديقا، ولم يعد يعي ما تعنيه التدخلات الأميركية المستمرة في الساحة العربية، ولا يعرف تماما ماذا تعني العلاقات القوية مع دول كبرى مثل الهند والصين والبرازيل. لقد ركزت الأنظمة جهودها التثقيفية حول الخصومات الداخلية العربية وتركت المواطن يجتر آلامه المزمنة.

التيه الأمني
هناك تيه أمني في الساحة العربية الآن، فمثلا كيف يتحدث حاكم عربي عن الأمن القومي العربي وهو لا ينبس ببنت شفة حول الاحتلالات المتنوعة التي تجثم على صدر الأمة العربية؟ دول عدة تحتل أراضي عربية ولا نجد من يتحدث عن هذه الاحتلالات أو يتحداها، كما أن أميركا تهيمن على أغلب البلدان العربية وتتدخل بصورة سافرة في الشؤون الداخلية لأغلب الدول العربية وتستبيح حرماتها وتنهب أموالها، دون رقيب أو حسيب.

كيف يتحقق الأمن القومي العربي بينما توجد قواعد عسكرية أجنبية على الأرض العربية؟ وكيف يتحقق هذا الأمن وعدة دول عربية تعيش تحت المظلة الأمنية الأميركية؟ وكيف يتحقق هذا الأمن بينما لا تستطيع عدة دول عربية دفع رواتب موظفيها آخر الشهر إلا إذا حصلت على مساعدات مالية غربية؟

من لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا يستطيع توفير السلاح لنفسه، ولا يستطيع توفير لقمة الخبز لشعبه، لا يستطيع الحديث عن أمن قومي خاص به. ولهذا نرجو من حكام العرب التوقف عن صناعة الأوهام لدى جماهير الأمة العربية. وإذا أرادوا بالأمة خيرا فإن عليهم وضع الحقائق أمام شعوبهم كما هي بدون تزيين وبدون عنجهيات عربية تقليدية سئمها المواطن العربي.

وحتى نتخلص من هذا التيه، أرى أن الأمن القومي العربي هو تحرر المواطن العربي من أجهزة الأمن العربية التي تلاحقه، ومن الإرهاب الذي يقض مضاجعه، ومن الهيمنة الغربية التي تفقده شخصيته، ومن العوز والفقر والجهل وغياب الوعي، ومن الذين يحتلون أرضه، ومن الذين يبددون ثرواته. لا أمن للعرب بدون مواطن حر عزيز كريم محترم مشارك في صناعة القرار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك