محمد غازي الجمل

محمد غازي الجمل

باحث في الشؤون السياسية


رؤية حماس
رؤية إسرائيل
مخاوف المقاولين

تشير العديد من التسريبات الصحفية إلى وجود مساع حثيثة لعقد تهدئة متوسطة إلى طويلة الأمد في قطاع غزة. ويشارك في جهود الوساطة في هذا الأمر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ووفد "لجنة الحكماء" الدولية.

وقد زار كارتر مؤخرا العاصمة القطرية الدوحة والتقى رئيس حركة حماس خالد مشعل لهذا الغرض، كما يزور الضفة الغربية وقطاع غزة لذات الغرض. وتشتمل الوساطة إنجاز مصالحة فلسطينية تدعم التهدئة وتعطيها غطاء شرعيا فلسطينيا، وإن كانت في جوهرها تعتمد على التفاوض مع حركة حماس.

رؤية حماس

نظرا للمخاوف من تداعيات هدنة كهذه على ترسيخ الانقسام الجغرافي بين الضفة وغزة، تصرح قيادة حماس بأن أي هدنة ستتم في إطار التوافق الوطني، إلا أنه في ظل الرؤية السائدة لدى غالبية جمهور الحركة للسلطة في رام الله باعتبارها أداة للاحتلال، فإن الوحدة معه تغدو أمرا غير ذي معنى في نظرهم

رغم الأداء العسكري غير المسبوق لحماس في المواجهة العسكرية الأخيرة، فإن الحركة لم تتمكن من ترجمة الإنجاز العسكري إلى إنجاز سياسي يرفع الحصار عن القطاع ويعيد الإعمار ويوفر الأموال اللازمة لإعاشة عشرات الآلاف من الموظفين.

ولذلك فإن الأسباب التي أدت إلى اندلاع المواجهة السابقة تبقى موجودة، بل إنها تتعزز بشكل مطرد، حيث اضطرت الحركة مؤخرا إلى سن تشريع لفرض ضريبة "التكافل" بمعزل عن التنسيق مع السلطة في رام الله، في مجازفة بإثارة الغضب الشعبي في قطاع يعاني من ظروف اقتصادية غاية في الصعوبة.

ويشكل تراكم الرواتب المتأخرة تحديا أساسيا لسلطة الحركة في القطاع، إذ ينتظر منها الموظفون الذين وقفوا معها طوال سبعة سنوات أن توفر لهم مخرجا يحفظ وظائفهم ومصدر دخلهم، ولا تستطيع الحركة التخلي عنهم ضمن أي تسوية سياسية، لأن ذلك سيشكل ضربة قاسية لشعبيتها، وإخلالا بالتزاماتها تجاه أنصارها.

ويسود اعتقاد داخل أروقة الحركة بأن السبب الرئيسي لإفشال المفاوضات عقب الحرب الأخيرة كان الموقف المصري الذي حرص على حرمان الحركة من أي مكسب جوهري، متفوقا بذلك على الموقف الإسرائيلي، وهو ما دفع الحركة إلى الحرص على وجود وساطات أخرى أكثر اعتدالا، فسعت جاهدة إلى إنجاح الوساطة التركية القطرية إبان المعركة، إلا أن مصر وإسرائيل رفضتاها رغم التفاعل الأميركي معها. وفي الوقت الحاضر تفاعلت الحركة مع وساطة كارتر المعروف بأن له علاقة جيدة معها.

وأكثر من ذلك، فإن تقييم المفاوضات غير المباشرة في ظل الموقف المصري العدواني تجاه الحركة، دفع البعض داخلها إلى المطالبة بالتفاوض المباشر مع دولة الاحتلال، خصوصا أن الموقف الرافض لهذا الأمر ليس مبدئيا ولا شرعيا، بل هو موقف تكتيكي مرتبط بموازين القوى وقاعدة التفاوض التي كان يبرز من خلالها الضرر الذي سيصيب الحقوق الفلسطينية في مفاوضات أوسلو وما قبلها وما بعدها.

ويذكّر أصحاب هذا الرأي بأن الرسول عليه الصلاة والسلام فاوض خصومه من اليهود والمشركين مرات عديدة. ويبرز في هذا الشأن تصريح الدكتور موسى أبو مرزوق الذي لم يستبعد التفاوض المباشر، وهو ما يبرز حضور هذا الموقف رغم تأكيد قيادة الحركة على موقفها التقليدي بعدم التفاوض المباشر مع دولة الاحتلال.

تأخر القيادة الإسرائيلية في التفاعل مع جهود الوساطة يعود إلى المخاوف من تأثيراتها على الانتخابات البرلمانية التي يحرص اليمين خلالها على الظهور بمظهر القوي الذي لا يتفاوض مع حركة إرهابية، إلا أن هذا التأخير لم يدم طويلا

وبالنظر إلى المخاوف من تداعيات هدنة كهذه على ترسيخ الانقسام الجغرافي بين الضفة وغزة، تصرح قيادة حماس بأن أي هدنة ستتم في إطار التوافق الوطني، إلا أنه في ظل الرؤية السائدة لدى غالبية جمهور الحركة للسلطة في رام الله باعتبارها أداة للاحتلال وجزءا من مشروعه الأمني والسياسي والاقتصادي، فإن الوحدة معه تغدو أمرا غير ذي معنى في نظر هؤلاء.

ولذلك فمن غير المتوقع أن تقيم الحركة اعتبارا كبيرا لموقف محمود عباس وسلطته بشأن التهدئة، بل إنها قد تراها فرصة لإثبات حضورها السياسي بمعزل عن الهيمنة التي يحاول أن يفرضها على الكل الفلسطيني دون توافق، وهو ما ظهر في تعامله مع ملف حكومة الوحدة التي أصبحت حكومة الرئيس حصرا ولم تحافظ على المضمون الذي يحمله اسمها.

وتحمل التهدئة للحركة فرصا عديدة أهمها: ترسيخ سيطرتها واستقرارها في قطاع غزة، وفقا لتنظير يرى فيه أرضا محررة وقاعدة مفترضة لتحرير بقية فلسطين، بينما لا يخلو الأمر من مخاطر إسهام التهدئة في توطين "الجهاد" ضمن حدود غزة، والحد من تأثير القوة العسكرية للمقاومة الأساسية على بقية المعادلة الفلسطينية بملفاتها الأهم: القدس والضفة واللاجئين، إضافة إلى مناطق الـ48.

رؤية إسرائيل
تدرك إسرائيل حالة الاحتقان السياسي والاقتصادي في غزة، وتدلها تجربتها السابقة أن هذا الاحتقان سينفجر على شكل موجة جديدة من المواجهة العسكرية خلال الصيف القادم على الأرجح، وفقا لتقديراتها. ويدعم هذه القراءة الاستعداد الحثيث الذي تقوم به فصائل المقاومة لجولة جديدة من المواجهة في حال عدم تحقيق مطالبها في الجولة الماضية من التصعيد، إذ تم تكثيف التجارب الصاروخية وحفر الأنفاق، بينما أظهر سعي حركة حماس في قطاع غزة إلى ترميم العلاقة مع إيران حرصها على الاستعداد للحرب بأسرع وقت.

ولذلك فقد تعاطت القيادة الإسرائيلية مع الجهود الهادفةإلى لتخفيف الاحتقان، إذ سمحت بإدخال مواد البناء الخاصة بالمشروع القطري لإعادة إعمار غزة، وخففت من القيود على حركة الأفراد عبر معبر إيريز، وسمحت بتصدير البضائع من القطاع، كما تفاعلت مع الوساطات الساعية للتوصل إلى تهدئة تحقق جزءا من مطالب حركة حماس.

ويعود تأخر القيادة الإسرائيلية في التفاعل مع جهود الوساطة إلى المخاوف من تأثيراتها على الانتخابات البرلمانية التي يحرص اليمين -خصوصا خلالها- على الظهور بمظهر القوي الذي لا يتفاوض مع حركة "إرهابية"، إلا أن هذا التأخير لم يدم طويلا، إذ برز التفاعل قبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية خشية اندلاع مواجهة تظهر للجمهور وللعالم فشل العدوان السابق في فرض الردع على القطاع.

مخاوف المقاولين
تتخوف مصر والسلطة الفلسطينية من أي اتفاق يتجاوز دورهما، إذ إن فتح "إسرائيل" معابرها مع القطاع وسماحها بتشغيل ميناء فيه سيؤدي إلى تراجع الدور المصري بشأن غزة، وبالتالي في القضية الفلسطينية ككل.

وبالمثل فإن توقيع حماس على اتفاقية بمعزل عن موافقة عباس سيظهره على أنه "غير ذي صلة" بالحرب أو السلم في غزة، وهو ما من شأنه توجيه ضربة قوية إلى جهوده للاستئثار بتمثيل الشعب الفلسطيني، وإلى مشروعه لحشد التأييد الدولي "للدولة الفلسطينية" المفترضة.

تجلس إيران في قائمة المتضررين المحتملين، وقد تكون لها مصلحة في عدم عقد اتفاق تهدئة قبل توصلها إلى اتفاق بشأن دورها الإقليمي بموازاة الاتفاق النووي مع المجموعة الدولية، وبالتالي فقد تسعى لتوتير الأجواء الأمنية من خلال التأثير على مجموعات مختلفة

وبالتالي فمن المتوقع أن يسعى "المقاولون التقليديون" -وعلى رأسهم السلطة الفلسطينية ومصر- لإعاقة الاتفاق والتشويش عليه، ما لم يتم إشراكهم في التفاوض عليه، وهو أمر محفوف بالمخاطر بالنسبة لحماس، إذ إنهما قد تسعيان لإفشاله أو تجييره بالكامل لمصلحتهما. ولمعالجة ذلك قد تلجأ حماس إلى إعطاء مصر "جائزة ترضية" تتمثل في الوساطة في ملف صفقة الأسرى، وهو ما صدرت تصريحات عن قياديين فيها بشأنه.

كما تجلس في قائمة المتضررين المحتملين إيران التي قد يكون لها مصلحة في عدم عقد اتفاق تهدئة قبل توصلها إلى اتفاق بشأن دورها الإقليمي بموازاة الاتفاق النووي مع مجموعة "5+1"، وبالتالي فقد تسعى لتوتير الأجواء الأمنية في غزة من خلال التأثير على مجموعات محسوبة على الجهاد الإسلامي أو حركة فتح أو السلفية الجهادية.

وما لم تحصل مفاجآت من هذا النوع، فمن غير المستبعد أن يتم التوصل إلى تهدئة لمدة ثلاث إلى خمس سنوات على الأقل، وذلك في ضوء رغبة كل من "إسرائيل" وحماس في إتمامها.

وتبقى الأهمية كامنة في تفاصيل الاتفاق وفي سلوك الطرفين عقب إنجازه، فمن المهم معرفة كيف ستتصرف المقاومة في غزة في حال حصول تصعيد إسرائيلي في القدس أو الضفة في ظل سريان اتفاق التهدئة. كما أنه من المهم معرفة الموقف الإسرائيلي في حال قيام فصائل في غزة بتحريك أعمال مقاومة عبر جبهات غير جبهة القطاع.

وفي الإجمال فإن الصراع سيبقى مفتوحا ما لم يتم حل أسبابه الأساسية وهي الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، وخلافا لذلك فإن الاتفاق في حال توقيعه سيكون محطة مؤقتة تسكّن إحدى جبهات المواجهة إلى حين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك