عارف أبو حاتم

عارف أبو حاتم

كاتب وصحفي يمني


الحاجة إلى قيادة
السيادة المستباحة
دمار الجيش اليمني

فاجأت نيران قوات التحالف ما كان يخطط له صالح والحوثيون، وظنوا أن السعودية ودول الخليج لن تتحرك خارج إرادة أميركا المدللة للحوثيين، وكان للإدارة السعودية الجديدة حسابات أخرى بعد أن رأت ألسنة اللهب الفارسية تتصاعد باتجاه الخليج العربي.

وعند منتصف ليلة الـ26 من مارس/آذار الماضي حدث ما كان خارج كل التوقعات وما يتجاوز الحسبان، إذ قادت السعودية حلفا دوليا ضخما ونوعيا ضد المليشيات المسلحة التابعة للرئيس السابق وجماعة الحوثي، والتي كادت أن تقوض بنية الدولة اليمنية، وتقضي على شرعية الرئيس هادي.

العملية العسكرية أُطلق عليها اسم "عاصفة الحزم" وللاسم دلالته، فقد قدم المجتمع الدولي دلالا واسعا وكبيرا للجماعة الحوثية، وصبر عليها، وظل يداريها في القرارات حتى ابتلعت مؤسسات الدولة ومعسكراتها، واجتاحت المحافظات وفتحت السجون لمخالفيها، وحولت ملاعب كرة القدم إلى معتقلات سرية، ووصل الأمر إلى حد حل البرلمان وسجن رئيس الحكومة ووزرائه في بيوتهم، وانتهى بسجن رئيس الدولة في بيته.

الحاجة إلى قيادة

قدم المجتمع الدولي دلالا واسعا وكبيرا للجماعة الحوثية، وصبر عليها، وظل يداريها في القرارات حتى ابتلعت مؤسسات الدولة ومعسكراتها، واجتاحت المحافظات وفتحت السجون لمخالفيها، وحولت ملاعب كرة القدم إلى معتقلات سرية، ووصل الأمر حد حل البرلمان وسجن رئيس الدولة وحكومته

بعد لقاء دام لساعات قليلة بين وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة اللواء محمود الصبيحي والرئيس هادي، قرر الأخير وضع خطة لمواجهة العميد المتمرد عبد الحافظ السقاف قائد القوات الخاصة بعدن. الحركة السريعة التي نفذها السقاف واستولى بموجبها على مطار عدن، وتبعها بساعات قصف بالطيران العسكري الحوثي على قصر الرئاسة بعدن، تمكن اللواء الصبيحي من إجهاضها سريعا بقوات حكومية مسنودة بمجاميع مسلحة من اللجان الشعبية.

وهذا الفعل النوعي يؤكد وجود حاجة ملحة لأن يصدر الرئيس هادي قرارا بتعيين نائب له، وهذا ليس معيبا في حقه، فهو كبير في السن، ويعاني من مرض مزمن في شرايين القلب أرهقه، ويتطلب راحة وعدم تنقل وانفعال، فضلا عن قدراته المحدودة في الإدارة والخيال، وأصبحت البلاد بحاجة إلى دماء جديدة قادرة على لملمة هذا الشتات، وتوحيد الصفوف خلف قائد له كاريزميته وقدرته في الإدارة، وكثيرا ما ضغطت دول الخليج بهذا الاتجاه وطالبت الرئيس بتعيين نائب له.

لكن مشكلة الرئيس هادي أنه منذ صعد إلى كرسي الرئاسة على ظهر صدفة لا يثق إلا بثلاثة أشخاص، هم المبعوث الأممي جمال بن عمر، والسفير الأميركي الذي غادر البلاد، ونجله جلال هادي، مضافا لهم مدير مكتبه السابق أحمد بن مبارك، الذي غادر البلاد بعد أن اختطفته مليشيات الحوثي، وفوق ذلك لم يستطع استثمار أنه رئيس شرعي لكل اليمن ويحظى بدعم الداخل والخارج، ولا يزال عالقا عند إفرازات الحرب الأهلية الجنوبية في يناير/كانون الثاني 1986 ويسعى للتنقل في قراراته الهامة بين تعيين قادة ومسؤولين من منطقته أبين أو يتكئ على رجال صالح.

السيادة المستباحة
حين فرّ الرئيس خلسة من سجانيه الحوثيين، ونجا بجلده إلى عدن يوم الذكرى الثالثة لانتخابه رئيسا لليمن، اتهموه بالإرهاب، ثم لاحقته آلة الموت المشتركة من قوات صالح والحوثيين إلى عدن، فكان لابد من قوة عاصفة وحازمة في آن، لإنهاء التمرد على شرعية الدولة، والإذعان للقوانين المحلية والقرارات الأممية.

ومن المفارقة أن يتحدث الحوثي في هذه اللحظة عن انتهاك حرمة السيادة الوطنية وهو من جعل اليمن ساحة تدريب لإيران وعملائها وضباطها، بل يكشف الدكتور عبد الكريم الإرياني مستشار الرئيس هادي أنه أثناء التفاوض مع الحوثيين قبيل احتلالهم العاصمة، كانوا يتصلون بصعدة في كل أمر ويتأخر الرد، وحين وصل الجميع إلى طريق مسدود، جاء وزير الخارجية العماني في صباح اليوم التالي إلى صنعاء حاملا مقترحا إيرانيا، وتفاجأ الدكتور الإرياني أنه نفس المقترح الذي سبق أن تقدم به.

ويفسر الإرياني ذلك بالقول "لقد كانت المشاورات والمقترحات تخرج من بيتي بصنعاء إلى صعدة، ثم طهران ثم مسقط، وتعود إلى صنعاء مرة أخرى".. ولعل ذلك ما يفسر اعتراض عمان على ضربة "عاصفة الحزم" بسبب تقاربها الحميم مع إيران.

بقطع النظر عن هل نحن مع أو ضد عاصفة الحزم فإن صالح والحوثيين من يتحملون مسؤوليتها،  وهم من استدعوا عشر دول لمحاربتهم، وبمباركة دولية كبيرة للدول الكبرى، وهذا الحشد والتحشيد الدولي دليل كبير على الخطورة التي وصلت إليها حالة الخراب في اليمن
"السيادة الوطنية" هي كلٌ لا يقبل التجزئة، وليست أداة للمزايدة واحتكار الوطنية، "السيادة" هي أن تكون الدولة صاحبة الحق الحصري في توقيع العهود والاتفاقيات الدولية، وهي من يقرر خوض الحروب على الجماعات والمنظمات الإرهابية، وهي أيضا من توقع صفقات شراء الأسلحة، وهي من تحاسب المسؤولين عن فسادهم وتقصيرهم.

لقد وقعت الجماعة الحوثية اتفاقا على تسيير رحلتين يوميا من صنعاء إلى طهران، مع أنه لا يوجد أي مغترب يمني في إيران، ووقعت صفقات الأسلحة شراء أو تزويدا، واجتاحت ثلثي اليمن بحثا عن الإرهاب.. حتى معسكرات الدولة تم إسقاطها ونهب مخزوناتها في مهمة البحث عن الدواعش!

وبقطع النظر عن التقييم الحدي، هل نحن مع أو ضد الضربة الجوية لقوات التحالف، فإن صالح والحوثيين من يتحملون مسؤوليتها، فـ"الطغاة يجلبون الغزاة" وهم من استدعوا عشر دول لمحاربتهم، وبمباركة دولية كبيرة للدول الكبرى، وهذا الحشد والتحشيد الدولي دليل كبير على الخطورة التي وصلت إليها اليمن بفعل الخراب الذي أحدثه صالح والحوثيون.

وإذا كان صالح سيندب ألما على السيادة فليتذكر أنه أول من أدخل سلاح الجو السعودي لقصف الحوثيين خلال الحرب السادسة الممتدة من أغسطس/آب 2009 إلى فبراير/شباط 2010. وإذا كان الحوثيون يشعرون بالألم على سيادة البلاد فليعرفوا أنهم من أدخل ضباط الحرس الثوري الإيراني وعصابات حزب الله إلى اليمن طيلة 10 سنوات، وتوجوها بتوقيع اتفاقية بين مليشيا يمنية ودولة إيران على تسيير رحلتين يوميا بين صنعاء وطهران.

دمار الجيش اليمني
ثمة ندم وأسى أن تدمر بنية الجيش اليمني، لكن الأكثر ندما وألما هو السؤال: هل كان هذا الجيش وطنيا أم عائليا؟ هل كان يحمي الوطن أم يحمي عائلة صالح؟ هل تتحرك إيقاعاته وفق القانون والدستور أم وفق توجيهات صالح حتى وإن دفع بهم للتحالف مع المليشيات المسلحة ضد وطنهم؟

في كل دساتير العالم يكون رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحين يغادر الرئيس كرسي الحكم ويصعد رئيس جديد يكون ولاء الجيش لرئيسه الجديد أمرا طبيعيا، أما في اليمن فإن ولاء الجيش لا يزال للرئيس السابق، بل إن الجيش يتآمر على رئيسه الشرعي ليل نهار.

ومعضلة أخرى في جيش اليمن أنه مبني على أسس مناطقية وليس وطنية، وخصص لحماية صالح وعائلته وليس لحماية الوطن.. الجيش الذي ينتمي إلى 8 مديريات و3 محافظات لا يعول عليه في حماية كل اليمن، تقول دراسة أميركية عميقة إن جميع الضباط المحسوبين على منطقة صالح "سنحان" ينتمون إلى 7 قرى من أصل 15 قرية، وأن حضرموت وهي ثلث مساحة اليمن ينتمي إليها 15 ألف ضابط فقط، في حين أن محافظة ذمار الزيدية ينتمي إليها بين 115 و120 ألف ضابط وفرد.

وفوق ذلك، قادة الجيش هم من نهبوا الأراضي، ومن استنزفوا خزينة الدولة، وامتلكوا التجارة، خاصة في القطاعات النفطية، ومن تقربوا من أميركا ودول الجوار بحثا عن الأموال والترقيات.
 
الجيش الذي يعتصرني الألم عليه اليوم هو الجيش الذي لاحق رئيسه الشرعي إلى عدن لقتله بأوامر من رئيسه السابق، وهو الجيش الذي خان وتآمر على مقتل العميد حميد القشيبي أشرف قائد عسكري في البلاد، نزولا عند رغبة صالح وطمعا بأموال إيران
الجيش، الذي يعتصرني الألم عليه اليوم، هو الجيش الذي لاحق رئيسه الشرعي إلى عدن لقتله بأوامر من رئيسه السابق، وهو الجيش الذي خان وتآمر على مقتل العميد حميد القشيبي أشرف قائد عسكري في البلاد، نزولا عند رغبة صالح، وطمعا بأموال إيران.

الجيش الذي أبكي عليه اليوم وعلى بنيته التحتية، هو الجيش الذي كان يرتب عدته لقتلي وقتل مستقبل أبنائي وأحفادي.

الجيش الذي نندم لإحراقه هو الجيش الذي وقف محايدا في حرب عمران، وفي إسقاط صنعاء بيد المليشيا، وفي اجتياح المليشيات الحوثية تسع محافظات، ومحايدا عند اجتياحها تعز، وحين تحرك الحوثي وصالح لاجتياح الجنوب وقتل الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، هنا لم يقف الجيش محايدا، بل ائتمر بأمر صالح وتوجه إلى تعز أولا، ثم إلى تدمير كل الجنوب اليمني القوي الصامد.

واليوم يحاول الجيش اليمني تدمير أهم محافظات اليمن اقتصاديا، وهي محافظة مأرب وما فيها من مصفاة نفطية وصادرات نفط تساوي 45% من نفط اليمن، وكهرباء غازية تغطي تسع محافظات بينها العاصمة، و90% من صادرات الغاز اليمني تأتي من مأرب، والجيش اليمني هو من يتولى مهمة التدمير نزولا عند رغبة صالح الذي يسعى لتوريط الشعب اليمني، ثم توريط السعودية، فحين تدمر مأرب، لن يلتفت الشعب إلى السعودية، فهي من قادت الحرب، وهي الشقيقة الكبرى التي عليها مهمة الإنفاق.. هكذا يفكر صالح بخبثه المعهود.

ووصلت حيادية الجيش إلى درجة السكوت عن محاولة اغتيال رئيسه الشرعي، وسجن وزير دفاعه، الذي يقبع الآن خلف قضبان سجن الحوثي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك