مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


تسارعت تطورات عديدة على جبهة المواجهة بين الثوار ونظام الأسد وكامل التحالف الإيراني في الأسابيع الماضية، انتهت بتقدم الثوار من إدلب إلى جسر الشغور، في ظل صراع إقليمي جديد بدأ في اليمن مع أول محاولة لمواجهة التقدم الإيراني فيه.

هذه المحاولة تأخرت كثيرا، ولكن نجاحها الذي لم يُحسم بعد، سيعني الكثير في تحييد التقدم الإيراني الكبير المصحوب بغطاء توافق دولي مع الغرب وتعزيز لآمالها للعودة كشرطي للمنطقة، على حساب استقرار ووحدة الأقطار العربية وبنائها الاجتماعي ودماء المدنيين.

هذا الأمر دفع بعض المراقبين لتوقع تحالف عسكري في ظل تعاطف شعبي كبير مغبون جراء حروب إيران في المنطقة التي عزّزها نقض آمال الربيع ومحاصرة غزة وآمال الشعوب العربية، والتي نفّذها تحالف شرس من النظام الرسمي العربي، فأضحت آمال التطلع تتقد عاطفيا لدعم مركزي وتدخل عسكري مباشر ضد طيران الأسد ومليشيات إيران، دون قراءة موضوعية للمشهد وعوامل حسابات الدول والأنظمة.

ومن حيث البناء الاجتماعي ومساحة وعدد الثوار وجغرافيتهم الممتدة والمحاصرة للنظام في أكثر من مدينة، من حيث السيطرة، أو من حيث التداخل الميداني المهم، فإن قدرات الثورة السورية أكبر من قدرات ثوار اليمن ومقاومتهم المصطدمة بجدار صراع يُخشى منه بين الشمال أو الجنوب أو تصاعد النبرة الطائفية التي تبعثها إيران، وتستغل جريمة مهاجمة بعض الخطاب الأحمق لمدرسة الإمام زيد، وخلطها بالتحول الاثني عشري التكفيري للحوثي، وإيمانه وبيعته لمرشد إيران ومشروعها.
 
مع الاتفاق على أن مذابح الأسد وإيران التاريخية استدعت قديما قصفا جويا ومناطق آمنة نادينا بها قبل مجازرها، لكن بوصلة القرار الدولي المنحازة وقناعة الغرب بقرار تل أبيب أن الأسد أفضل لأمنها الوجودي هو ما حال دون ذلك الإسناد
لكن فرصة تجاوز هذا الانقسام في اليمن مُتاحة مع ضبط التحالف خطة الدعم والإسناد البري التي تعيد تنظيم القوات المسلحة وتعيد الشرعية الاجتماعية والعشائرية شمالا وجنوبا لواجهة الحدث، لتحقيق تقدم ميداني يهزم تحالف صالح والحوثي ومشروع إيران، ويبني مسارا سياسيا وطنيا مهما لكل أهل اليمن وممانعا صلبا أمام التغول الإيراني، الذي شارك في تمكنه موقف دول الخليج السابق.

ومع الاتفاق على أن مذابح الأسد وإيران التاريخية استدعت قديما قصفا جويا ومناطق آمنة نادينا بها قبل مجازرها، لكن بوصلة القرار الدولي المنحازة وقناعة الغرب بقرار تل أبيب أن الأسد أفضل لأمنها الوجودي هو ما حال دون ذلك الإسناد، وليس موقف موسكو الذي استترت به واشنطن حتى قمة سان بطرسبرغ فكُشف المستور إلى العلن.

والسؤال المهم هل تغيّرت هذه الحسابات وهل أضحى بالإمكان أن يحظى ما تبقى من مهاجرين ولاجئين مشردين بهذا الغطاء، بتحالف إقليمي عربي وإسلامي داعم، يمنع المليشيات الإيرانية من التقدم عبر غطاء جوي، أو حتى فقط تحييد طيران الأسد عن قصف المدنيين في المناطق المؤمنة، ثم إمداد الثوار بالسلاح النوعي المطلوب ودعم توحيد صفوف فصائل عديدة كجيش للثورة يأتمر بقرار سياسي لرئيس مؤقت، فتتحول مبادرات جيش الفتح وغيره إلى عمود صلب للحسم ولسوريا الجديدة مستقبلا.

هذه آمال حتى الآن وليست واقعا ولا قرارا إقليميا حتى اليوم، وهذا لا يعني ألا يُستفاد من أجواء القلق الجديدة من إيران، لكن المشكلة هي الإفراط فيها من شخصيات معارضة ميدانية وسياسية، أو من الرأي العام، أو التأثر من حفلات الصخب التي تُحيى في تويتر الخليجي، بناء على إشاعات أو تسريبات، فتندفع الثورة إلى تفكير وعاطفة تصطدم بواقع من انقلاب ميداني جديد، وعودة زحف إيران، خاصة لو تعثرت مواجهتها في اليمن.

إن هناك حسابات لقاعدة القرار لأرضية هذا الدعم من تركيا البلد الراعي تضامنا وجغرافية للثورة والشعب السوري، فقضية الغطاء العسكري، مع دعم بري لوجستي للثوار، تُعتبر تمردا ومواجهة كبيرة مع المحيط الإقليمي الإسرائيلي والإيراني المتفق مع الغرب وموسكو ضده، والأتراك يحسبون كثيرا لضريبة هذا الموقف، الذي من شأنه أن يعزز تحالف إيران والغرب ضد الصعود التركي.

الثاني، لو تمت المراهنة على سرعة قدرات الحسم على الميدان حين يغطى الثوار، فإن أنقرة تحتاج إلى داعم سياسي وعربي وإسلامي واضح، يحيد واشنطن عن أي مواجهة لقرارها ويجعلها تضطر للتعامل مع هذا الواقع الذي أيدته دول خليجية لو قام به على سبيل المثال محور الرياض والدوحة لدعم أنقرة، وعليه فواشنطن لن تُخاطر بمواجهة مع كل هذه الدول ذات العلاقة المصلحية الكبيرة معها.

كما أن أنقرة تدرك تماما تداخلات هذا الموقف في تفجير قضايا الداخل عليها مع الأكراد والبعد الطائفي الشرس في المعارضة التركية ذات القاعدة الانتخابية العلوية المؤثرة، وخاصة في ظل جولة انتخابات محتدمة لمستقبل البرلمان التركي ودستور الجمهورية الثانية.

ومع أن القوة في المبادرات وحسم الملفات له أيضا دور إيجابي حين تنتصر الخيارات التي تتبناها تركيا في دمشق، وكذلك تستفيد دول الخليج المؤمنة بمصلحية تحييد إيران لملفاتها؛ لكن الوضع في تركيا يؤخذ بحذر شديد.

من المؤكد أن تعجيل حسم القيادة الثورية وقيادتها السياسية المؤقتة، وانضباط الميدان في تشكيلاته، سيزيد فرص الدعم النوعي المطلوب، وحينها سيقترب الحسم، وحين تتحرر دمشق من إيران فإن سقوطها في صنعاء وكل مكان سيكون أقرب

فتركيا تلعب إقليميا وسط حقل من الألغام، ولذلك توجهت لدعم هزيمة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في العراق عبر العبادي، رغم خشيتها من نفوذ إيران ومعرفتها بخطورة ذلك عليها، ولكن سيكون الأمر بمثابة الكارثة لو استدرجت لمستنقع الموصل، وهو ما يعزز جانب حذر أنقرة من نموذج الدعم الذي ذكرناه هنا في الملف السوري.

إن هذه الدول تبحث عن مسارات أقل خطورة عليها لدعم الشعب السوري، وأقل حرجا لها، تجنبا لاصطدامات إقليمية ودولية، وخشية من تعثر العملية العسكرية النوعية المساندة للثوار، لو قررت إسنادهم، وبالتالي دفع فواتير الموقف، ولا تعتمد الواجب الأخلاقي بحسب تقديرات الشعوب والرأي العام.

وعليه فإن المراهنة على مثل هذا النموذج خطأ، كما الترويج له، لكنه لا يَمنع أبدا فرصة التحول في الموقف إلى إسناد نوعي مختلف للثوار، وهو هنا مفصل مهم سيعتمد على قدرات التنسيق والتوحد لدى تيارات ثوار سوريا، وإعادة صياغتها.

وحتى الآن في تقديري لم يكتمل هذا المشروع وإن تمت بوادر إيجابية فيه، خاصة في تحديد مرجعية سياسية تخضع لها أكبر كتلة من القرار الميداني، والخروج من فوضى وعشوائية التأثيرات السابقة لمرحلة أمراء الحرب والدعم المُمزِّق الذي ضرب الثوار، وتنظيم الجهود لدعمها ببرنامج إسناد لهذا المحور، قادر على الحد من طيران النظام وتأمين كبير للمدنيين وحفظ ظهر الثوار.

وخلال هذه المرحلة الزمنية، تُعاني إيران بالفعل من صعوبات في جبهتها في سوريا، لكن ذلك لن يمنعها من استهلاك آخر عنصر من حزب الله إلى المليشيات الأفغانية، والتنسيق مع الروس لجولة استرداد جديدة.

ومن المؤكد أن تعجيل حسم القيادة الثورية وقيادتها السياسية المؤقتة، وانضباط الميدان في تشكيلاته، سيزيد فرص تشجع هذا المحور للدعم النوعي المطلوب وحينها سيقترب الحسم، وحين تتحرر دمشق من إيران فإن سقوطها في صنعاء وكل مكان سيكون أقرب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك