عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

التكفير يعني أن يعلن شخص أن شخصا آخر خرج عن الملة في الدين، ولما كان ذلك أمرا خطيرا، فقد أوكل إلى المؤسسات الدينية التي ارتبطت تاريخيا بالسلطة السياسية، فأسرفت في التكفير الديني بدافع سياسي، مما أزال عن هذه المؤسسات مصداقيتها وجعلها جزءا من السلطة السياسية.

ولو كانت المنطقة قد عرفت حرية الفكر واستقلال المؤسسات في نظام ديمقراطي، لأقلعت هذه المؤسسات عن هذا السلوك المعيب دينيا وأخلاقيا، ولكن خطورة التهمة على من تلصق به وغشيان الحكم بالدوافع السياسية، أحدث ارتباكا للناس وصار السؤال الملح عندهم: أيصح التكفير الديني ابتداء وما عقوبة من يتم تكفيره؟

ولعل أحداث مصر منذ يناير/كانون الثاني 2011 قد فتحت شهية التيارات الإسلامية إلى التوسع في عملية التكفير لكل من ليس على ملتهم الدينية أو السياسية، ثم اتسع ليشمل كل من ليس على مذهبهم حتى بلغ السيل الزبى بالفتنة التي تكاد تحرق العالم الإسلامي والتي يوقدها الحكام بأنفسهم حتى يكون العداء بين السنة والشيعة عداء دينيا في تربة ينقصها العلم والثقافة واتساع الأفق.

التكفير السياسي أحد أنواع التكفير، وهو شائع  في مصر اليوم حتى في الأسرة الواحدة، والغريب أن ثقافة التكفير السياسي لا تعرف التسامح أو التعايش أو الحوار، والسبب في ذلك هو الاندماج الكامل بين الأنا المتضخمة العربية وبين موقف سياسي معين

ولا زلت أذكر أن الحديث عن الشيعة والتشيع من جانب النظام السابق والأزهر أدى إلى التمثيل بجثث أسرة بأكملها وتصادف أن الأسرة المنكوبة كانت من قرية تجاور قريتي، ولم يميز الناس فيها بين الشيوعي والشيعي بسبب خطاب التحريض، فرفضوا دفنهم وتم دفنهم ليلا وسرا. كذلك يشيع بين العامة أن مصر تحارب إيران في اليمن لأن الشيعة يسبون الصحابة.

فهل يجرؤ أحد على تحرير المسألة أم أنها مقصودة وكأننا اليوم اكتشفنا المذهب الشيعي. والتكفير الديني الذي شاع في العالم العربي للأفراد والجماعات والدول مسألة سياسية، ولكنها جزء من الثقافة العربية التي تكفر كل من يخالفك في أي شيء، ولا يسلم أحد منا من هذه الآفة.

والتكفير إخراج الخصم من الملة إيذانا بإنزال العذاب به، وقد يفتك به بعض الجهلاء، كما حدث في الاعتداء على نجيب محفوظ، وكما حدث في مقتل فرج فوده. وكما يتم التكفير من جانب الهيئات والجماعات والأفراد لنظرائهم، قام القضاء المصري بتكفير د. نصر أبو زيد في عصر، ثم رفع شأنه في عصر آخر، بل قررت محكمة النقض أن الآثار المترتبة على الارتداد تنطبق عليه، وتجرأت محكمة النقض لكي تخوض في بحور الردة -وهي قضية بالغة التعقيد- ورتبت عليها التفريق بين الزوجين اللذين أظهرا تحديا لهذا الحكم.

وقد كتبت بحثا باللغة الإنجليزية حيث كنت أستاذا زائرا بجامعة نيويورك عام 1999 حول دور القضاء في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي مسألة بالغة الحساسية. ولكن المواطن العربي ينتمي إلى ثقافة التكفير في كل المجالات وليس فقط في مجال الدين.

وأبرز هذه المجالات هو مجال التكفير السياسي، وهو شائع اليوم في مصر في الأسرة الواحدة، والغريب أن ثقافة التكفير السياسي لا تعرف التسامح أو التعايش أو الحوار، والسبب في ذلك هو الاندماج الكامل بين الأنا المتضخمة العربية وبين موقف سياسي معين. وحتى لو حدثت مناقشة فإن كل فرد يتمترس وراء موقفه وكأنه عقيدة دينية لا تقبل النقاش ولا يكاد يستمع إلى الطرف الآخر، ومما يساعد على هذا التمزق ويمهد التربة للتكفير السياسي هو الإعلام والتدليس في تقديم المعلومات الملونة.

في الواقع العربي، يتم تكفير كل من له رأي يختلف مع رأي الزعيم ناهيك عن أن يكون معارضا، وقد جرت العادة أن يفرض الزعيم رأيه ولا يسمح بمجرد مناقشته، ومن جرؤ يتم تكفيره سياسيا. فرغم كل أخطاء عبد الناصر، لم يكن وما زال أتباعه حتى الآن لا يحتملون مناقشتها رغم أنها أوردت مصر دار البوار. وعندما حاول نزار قباني -وهو من أشد المعجين بالزعيم- أن ينبه إلى أن مأساة 1967 سببها عدم السماح بالرأي الآخر، رمي بالكفر.

إذا كان الحكام ينكرون على الجماعات التكفيرية فإنهم هم الذين دفعوهم إلى أعلى درجات الكفر السياسي، كما أن الحكام ككل الشعوب العربية تنتمي إلى ثقافة تكفير المخالف في كل شيء بسبب ارتفاع الأنا العربية التي لا تسمح بالحوار لقبول الآخر

فالعقل العربي متشبع بثقافة الاستبداد حاكما ومحكوما، وكل يمارس الاستبداد في نطاقه، وكل يمارس التكفير في مجاله، وهذا العقل لا يصلح لإنهاض الأمة أو إقامة علاقة صحية بين الحاكم والمحكوم.

عندما أبرم السادات اتفاقية السلام اتهم بالكفر الديني لأنه تحالف مع أعداء أمة الإسلام، وعند الإسلاميين -وكذلك المتطرفون اليهود الصهاينة- يعتبر الصراع بين إسرائيل والعرب صراعا دينيا، ومقاتلة اليهود عند الإسلاميين إحياء لسنة رسول السلام في صراعه مع يهود المدينة، تماما كالتكفير السياسي الذي ألصقه السادات بمعارضي هذه المعاهدة من المصريين، بل وحظر نقدها ومناقشتها، في حالة تشبه معاداة السامية، أي حظر نقد السياسات الإسرائيلية وجرائمها، وذلك عندما أصدر قانونا مماثلا لقانون جيسو في فرنسا، وهو القانون الذي عرف بقانون العيب.

هناك أيضا التكفير الأدبي والثقافي والاجتماعي، وكلها أنماط تكفير عرفتها مصر والعرب في تاريخهم القريب، وكذلك في علاقاتهم الدولية. فالشعب يجب أن يكره شعب الدولة التي لا تروق للزعيم، ولا يسمح بالتعقيب على الزعيم في اختياراته ومزاجه ما دام هو الوحيد الذي يجسد الوطنية والمصلحة، والشعب طفل لا يفهم ما يصلح له، وتلك لفتة للحق مصدرها التراث الثقافي المصري الذي خلع القدسية على الحاكم.

ولأجل ذلك تعتبر الثورة على الحاكم في 25 يناير/كانون الثاني 2011 خروجا على هذا الخط وهذا التراث، بل اعتبرت في المنطقة تجرؤا على الحاكم، وعبثا بأقدار الأمة، ومؤامرة ضد طريقته المثلى، تماما مثلما قال الفرعون للشعب المصري يحرضه على موسى "ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري" [القصص: 38]، "أليس لي مُلْكُ مصر وهذه الأنهارُ تجري من تحتي أفلا تبصرون" [الزخرف: 51].

ولذلك اتهم موسى الغريب عن المصريين بالتآمر والحقد، باعتباره من جالية أجنبية هي بنو إسرائيل رغم أنه تربى في بيت الفرعون باعتباره ابنا بالتبني، وهو نفس ما جرى من القوى المضادة للتغيير والتخلص من الفساد في مصر. وعند الحكام، يمكن احتمال التكفير الديني، ولكنهم لا يقبلون أن يكفرهم أحد سياسيا، بينما يطلقون هم العنان لاتهام الشعب عبر كل صور التكفير السياسي، ولعل موجة تعذيب الخصوم السياسيين هي من آثار هذا التكفير، والذي يعني الخروج على الولاء للوطن.

الخلاصة: إذا كان الحكام ينكرون على الجماعات التكفيرية فإنهم هم الذين دفعوهم إلى أعلى درجات الكفر السياسي، كما أن الحكام ككل الشعوب العربية تنتمي إلى ثقافة تكفير المخالف في كل شيء بسبب ارتفاع الأنا العربية التي لا تسمح بالحوار لقبول الآخر، والإصلاح يبدأ بالحاكم وتغيير مكونات الثقافة حتى يتغير الواقع.

المصدر : الجزيرة