محمد رؤوف الخماسي

محمد رؤوف الخماسي

من مؤسسي تيار الإصلاح بحركة "نداء تونس"


بعد أقل من خمس سنوات ستحتفل تونس بمئوية الحزب الحر الدستوري التونسي الذي أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي في شهر مارس/آذار 1920، ليعطي إشارة انطلاق حركة تحرير وطني طردت المستعمر وشيدت الدولة الحديثة، ليعود الدساترة إلى المشهد بقوة بعد الثورة مخلصين لها مساهمين في الحفاظ عليها.

لم تكن مسيرة الدساترة عبر تاريخهم سهلة، فقد واجهتهم عديد الأزمات والمحن التي خرجوا منها أكثر قوة وصلابة وتجذرا في تربتهم التونسية الزكية.

لقد كان تأسيس الحزب بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918) خطوة تاريخية أشعلت الوعي الوطني في أبعاد متنوعة تداخل فيها المطلب السياسي بالحرية والدستور -رغم أنه لم يرتق وقتها إلى مستوى المطالبة بالاستقلال- بمطلب الإصلاح الديني وكسر قيود الجمود والتحجر الفكري، برغبة في الترقية الاجتماعية.

كان تأسيس الحزب الحر الدستوري بعد نهاية الحرب العالمية الأولى خطوة تاريخية أشعلت الوعي الوطني في أبعاد متنوعة تداخل فيها المطلب السياسي بالحرية والدستور، بمطلب الإصلاح الديني وكسر قيود الجمود والتحجر الفكري، برغبة في الترقية الاجتماعية

الثعالبي رحمه الله التقط اللحظة التي تمازج فيها وعي التونسيين بأنهم شركاء في النصر الذي حققه العالم الغربي على ألمانيا، من خلال تجنيد آلاف الشباب للقتال في الجيش الفرنسي، باشتداد المِحنة التي خلفتها سنوات الحرب، ببروز أمل في عالم جديد تسود فيه قيم الحرية والكرامة.

كتاب "تونس الشهيدة" الذي ألفه الزعيم الثعالبي يوضح هذا التمازج الذي تحول إلى مرافعة تاريخية دفاعا عن تونس وشعبها. للأسف لم ينجح الثعالبي في إبلاغ صوته للقوى العالمية المنتصرة، ولكنه نجح في إحياء جذوة الكفاح الوطني التي قمعتها فرنسا بالحديد والنار والسجون والمنافي، وتصور المستعمر أن استهداف حركة الشباب التونسي وقادتها وإعدام المناضلين في أحداث الزلاج (1911) وسنوات الحرب الكبرى ستقضي على الحركة الوطنية.

الديناميكية التي أطلقها الثعالبي تحولت مع الزعيم الحبيب بورقيبة (انخرط في العمل السياسي بعد عودته من فرنسا حاملا معه دبلوم المحاماة سنة 1926) ورفاقه في مؤتمر قصر هلال 2 مارس/آذار 1934، إلى مشروع نقدي للتجربة الدستورية الفتية، ومن ثمة إلى بديل غير أسلوب العمل السياسي، باعتماد سياسة الاتصال المباشر بالجماهير، ليتحول الحزب من فضاء نخبوي إلى حراك شعبي سلمي طيلة 18 سنة، قبل أن تندلع في 18 يناير/كانون الثاني 1952 ثورة مسلحة عارمة تواصلت سنتين ودفعت المستعمر إلى القبول بالحكم الذاتي، ثم بالاستقلال فالجلاء وتحرير بنزرت الشهيدة.

عودة الشيخ عبد العزيز الثعالبي من المشرق سنة 1947 لم تغير وضع الحزب الجديد، بعد أن فرض بورقيبة زعامته، وهو ما حدث تقريبا بعد الخلاف الشهير بينه وبين رفيق دربه الزعيم الشهيد صالح بن يوسف.

الخلاف بين الزعيمين على القبول بالحكم الذاتي تطور إلى فتنة دامية، قسمت الحزب الحر الدستوري إلى معسكرين متناحرين، ورغم أنها حسمت لصالح بورقيبة فإنها خلفت جراحا عميقة، وخلفت بالخصوص توجسا من ثقافة الخلاف، وصراعا بين التيار المحافظ الذي نجح بن يوسف في استمالته والتيار الحداثي.

من الكفاح إلى بناء الدولة عرف الدساترة كيف يتأقلمون مع الوضع الجديد، وكيف يشيدون دولة ومجتمعا حداثيا قوامه حرية المرأة والتعليم، أي الاستثمار في الإنسان أو "في الدماغ" كما يقول الزعيم الراحل بورقيبة.

لا مناص لنا نحن معشر الدساترة ونحن نطالب خصومنا بالاعتراف بمساهمتنا في تاريخ تونس وحاضرها ومستقبلها، أن نعترف بقصورنا في المسألة الديمقراطية وفشلنا في إقامة توازن دائم بين الحرية والتنمية

أشد معارضي بورقيبة -ومنهم الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الذي أكد مؤخرا أن مواقفه من بورقيبة أصبحت أكثر واقعية- لا ينكر فضائل الرجل وأياديه البيضاء على تونس وشعبها، ولا ينكر فضل الدساترة وتضحيتهم من أجل استقلال تونس وعزتها ومنعة شعبها واستقراره، ولكن لا مناص لنا نحن معشر الدساترة ونحن نطالب خصومنا بالاعتراف بمساهمتنا في تاريخ تونس وحاضرها ومستقبلها أن نعترف بقصورنا في المسألة الديمقراطية، وفشلنا في إقامة توازن دائم بين الحرية والتنمية.

لا ينفع التعلل بأخطاء المعارضة والسياق العام وخصوصيات المجتمعات النامية لنبرر غياب ديمقراطية حقيقية في بلادنا طيلة عقود.

من أجل ذلك دعوت منذ أشهر إلى مراجعة نقدية للفكر الدستوري، وللمسألة السياسية تحديدا بما شهدته من انحرافات عن النهج الديمقراطي وخاصة منذ مؤتمر الحزب في بنزرت سنة 1964 والذي تبنى نظرية "حزب الدولة" رغم أن الزعيم الحبيب بورقيبة رفض بشدة التنصيص في دستور 1 يونيو/حزيران 1959 على ذلك.

بعد الثورة التي أطاحت بالنظام السياسي الذي حكم تونس من 20 مارس/آذار 1956 تاريخ الاستقلال، تمّ حل التجمع الدستوري الديمقراطي وريث الحزب الحر الدستوري، ليتشتت الدساترة ويتعرضوا لحملة شيطنة قاسية وغير مبررة، ولتسلط على كثيرين منهم مظالم شتى رغم أنهم انخرطوا في الثورة.

جاء الباجي قايد السبسي، الزعيم الدستوري الذي تقلد مناصب وزارية رفيعة في العهد البورقيبي، وأقصي في عهد خلفه الرئيس السابق زين العابدين بن علي في ظرف صعب مليء بالمخاطر والتهديدات، ليكمل البناء الذي أسسه الثعالبي ورسخه بورقيبة، وليقود الدساترة إلى ملحمة جديدة إلى جانب المكونات الأخرى، وهي المشاركة في إقامة نظام ديمقراطي تعددي.

مصالحة الدساترة مع الديمقراطية هي المهمة التي نجح فيها بامتياز بعد الثورة حين نظم انتخابات شفافة، في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وبعد تأسيسه "نداء تونس" في يونيو/حزيران 2012 الذي تصوره البعض "جبهة رفض" فجعله الباجي عامل توازن واستقرار وتوافق.

التاريخ سيذكر اسم هذا الرجل مقترنا بالديمقراطية التي استقال من أجلها من الحزب في سبعينيات القرن الماضي، في مؤتمر المنستير رفقة الزعيم أحمد المستيري مؤسس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، كما ذكر اسمي الثعالبي وبورقيبة مقترنين بالثورة على الاستعمار ومخلفاته وأسبابه. ولعله الآن أمام تحد أكبر من دمقرطة المدرسة الدستورية وهو قيادة تونس نحو مصالحة شاملة تبدأ من القاعدة إلى القمة.

الباجي الآن أمام تحد أكبر من دمقرطة المدرسة الدستورية وهو قيادة تونس نحو مصالحة شاملة تبدأ من القاعدة إلى القمة، وصولا إلى العقل الجمعي الذي يجب أن نحرره من الخلافات والصراعات الأيديولوجية والسياسية والجهوية التي لعب البعض على إشعالها

مصالحة داخل العائلات وفي الأحياء والعروش وبين الحساسيات السياسية والفكرية، وصولا إلى العقل الجمعي الذي يجب أن نحرره من الخلافات والصراعات الأيديولوجية والسياسية والجهوية التي لعب البعض على إشعالها خدمة لمصالح ضيقة الأفق أنانية انتهازية.

صحيح أن الدساترة يعانون الآن من نوع من الانقسام، ولكني أعتقد أن كاريزما الباجي وخطه الوفاقي قادران على التجميع والتوحيد، وهو أحد محركات تيارنا الإصلاحي في النداء الذي نريده تيارا يعبر عن فلسفة الباجي قايد السبسي في تواصلها التاريخي مع الثعالبي وبورقيبة.

خط الباجي الذي نراه الضامن لأمن تونس واستقرارها ووحدة شعبها ونجاح تجربتها هو النبراس الذي يضيء طريقنا ووعينا بأن هذا الخط مستهدف من جهات عديدة، منها من يريد التقليل من شأن الدور التاريخي الوطني لسي الباجي، وهو ما يغذي جذوة المواصلة دفاعا عنه وتحت رايته.

أحسن رئيس الجمهورية الذي منع انهيار الدولة مرتين سنة 2011 و2013، التعامل مع "صدمة الديمقراطية" ليقود الدساترة في منعرج تاريخي إلى التصالح مع الخيار التعددي، وأن يطوي صفحة النزاع الدامي بيننا وبين الفصائل السياسية الأخرى ولا سيما الإسلاميين.

ونحن نتطلع اليوم إلى مواصلة الطريق تحت قيادته وبحكمته السديدة نحو تونس أفضل، ومدرسة دستورية قوية موحدة تتجاوز أخطاءها وتستثمر رصيد زعمائها من الثعالبي إلى بورقيبة إلى الباجي قايد السبسي. فهل ينجح الرهان؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك