شكل اتفاق الإطار حول الملف النووي الإيراني تعبيرا عن رضا قيادة الجمهورية الإسلامية عما حققته على طريق ضمان أمن نظامها واستمراره.


فإيران الإسلامية مهووسة منذ قيامها عام 1979، بهاجس تكرار الانقلاب على حكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953، لذا تبنت إستراتيجية هجومية خلفيتها دفاعية على قاعدة "الهجوم خير وسيلة للدفاع" لتحصين النظام وتوفير الاستمرار ومنع محاولة انقلابية تعتقد أن واشنطن تخطط لها.

يمكن متابعة هذه الإستراتيجية وتجلياتها وتبدل أدواتها السياسية والعسكرية من بدايات الثورة إلى الآن. فقد كان إضعاف الجيش الإيراني من أجل ضرب النفوذ الأميركي أول إجراء داخلي سارعت إلى تنفيذه لأن هذا الجيش مثل أداة واشنطن في إسقاط حكومة الدكتور مصدق.

قامت الثورة من أجل إضعاف الجيش بإعدام أربعمائة جنرال من الصفوف العليا الذين تلقوا تدريبهم في أميركا، وبتشكيل حرس الثورة وتطوير قدراته ووضع الأسلحة النوعية التي سحبت من الجيش تحت تصرفه بالتوازي مع إضعاف الجيش النظامي وتقليص قدراته العددية والتسليحية

وتم البدء بإضعاف الجيش عبر إجراءات منها إعدام أربعمائة جنرال من الصفوف العليا الذين تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة الأميركية، وتشكيل حرس الثورة (البزدران) وتطوير قدراته البشرية والعسكرية ووضع الأسلحة النوعية التي سحبت من الجيش تحت تصرفه بالتوازي مع إضعاف الجيش النظامي وتقليص قدراته العددية والتسليحية، واحتلال السفارة الأميركية، "وكر الجواسيس" كما أطلق عليها آنذاك، واحتجاز موظفيها رهائن لمدة 444 يوما لمنع تحرك واشنطن ضد النظام الوليد.

وقد أكدت محاولة تحرير الرهائن بعملية الكوماندوس التي فشلت بسبب اصطدام الحوامات التي أقلت القوة فوق صحراء طبس قرب طهران هواجس قادة النظام الإسلامي الجديد وشكوكهم في الموقف الأميركي.

وأما خطوتها الثانية فكانت تبني مبدأ "تصدير الثورة" في ضوء اعتبارها للأنظمة في دول الجوار عميلة للولايات المتحدة الأميركية وتشكل خطرا على النظام الإسلامي، لذا قررت إسقاطها وأن تستبدل بها أنظمة إسلامية معادية للولايات المتحدة أو على الأقل ليست على وفاق معها ففتحت ملفات عالقة من تسمية الخليج بالخليج الفارسي إلى الادعاء بإيرانية البحرين مرورا بالتمسك باحتلال الجزر الإماراتية وشن حملة إعلامية على النظام المصري لعقده اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل وإطلاق اسم قاتل السادات خالد الإسلامبولي على شارع رئيس في طهران.

وكانت خطوتها الثالثة تبني خيار مواجهة إسرائيل، ربيبة الولايات المتحدة، باعتبارها قاعدة أميركية متقدمة وأداة محتملة للهجوم على الثورة الإسلامية فرفعت شعار استعادة حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم بتحرير فلسطين وأعلنت نيتها تشكيل جيش القدس المكون من عشرين مليون مقاتل لتحقيق هذا الهدف.

قادت مساعي تصدير الثورة لدول الجوار إلى انفجار الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان من الطرفين، ناهيك عن خسائر مادية قدرت بـ400 مليار دولار وضياع فرص تنمية وتطوير البلدين، وإلى طي مشروع تشكيل جيش القدس وإعطاء الأولوية لـ"تحرير" العراق بإسقاط النظام العراقي حيث رفع شعار "تحرير فلسطين يمر في بغداد".

ترتب على التغير في سلم الأولويات وفشل "تحرير" العراق بإسقاط النظام العراقي والتفرغ لتحرير فلسطين إلى تآكل صدقية النظام الإسلامي ووعوده الثورية، وخاصة في التعاطي مع هدف تحرير فلسطين الذي أكسب الثورة الإسلامية تعاطف العرب والمسلمين، فلجأ إلى تبني حركة أمل اللبنانية الشيعية لمناوشة إسرائيل من لبنان، ثم شقها وتشكيل "حركة أمل الاسلامية" وإرسال فريق من الحرس الثوري قوامه 1500 عنصر إلى البقاع اللبناني لتدريب الحركة الوليدة مع تزويدها بالمال والسلاح والتي أصبحت "حزب الله" الذي كُلف بتنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية في لبنان وضد قوات الأطلسي التي نزلت فيه بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وخطف الرعايا الغربيين في لبنان وسيلة لتحقيق مطالب آنية.

وقد قام بخطف عشرات المواطنين الغربيين (نحو 100 مواطن في 75 عملية اختطاف)، كما قام بعمليات تفجير في الخارج مثل تفجيري العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس ضد السفارة الإسرائيلية عام 1992 ومركز يهودي عام 1994، وتفجير باص سياح في بلغاريا عام 2012.

وقد عملت إيران على تحول الحزب إلى حزب المقاومة الوحيد بمنع القوى الوطنية اللبنانية من الاشتباك مع القوات الإسرائيلية إلا من خلال الالتحاق بقوات الحزب، وكان الحزب الشيوعي اللبناني قد افتتح العمل العسكري ضد الاحتلال قبل ولادة حزب الله كما نفذ الحزب السوري القومي الاجتماعي أول عملية "استشهادية" ضده نفذتها سناء المحيدلي. وهكذا صبغت مقاومة إسرائيل بصبغة مذهبية شيعية تابعة لإيران.

بعد فشل محاولات تصدير الثورة ونجاح تجربة حزب الله في تحقيق الكثير من المكاسب بدّل النظام الإيراني إستراتيجيته وتبنى تعميم تجربة الحزب باختراق دول الجوار بتشكيل أحزاب ومنظمات "جهادية" عبر تنظيم أبناء الطائفة الشيعية في الدول الإسلامية

استمر موقف الولايات المتحدة من النظام الإسلامي كما هو، فقد رفضت الاعتراف به ووضعته على قائمتها للدول الراعية للإرهاب وصنفت إيران مع العراق وكوريا الشمالية دولة مارقة، وتبنت في مواجهته إستراتيجية احتواء نشطة، وعملت على ألا يخرج من الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) منتصرا عبر حشد الجهد العربي المالي والعسكري لدعم العراق، وبتزويدها النظام العراقي بالمعلومات الاستخبارية وصور الأقمار الصناعية حول حركة القوات الإيرانية وتجمعاتها.

بعد فشل محاولات تصدير الثورة ونجاح تجربة حزب الله في تحقيق الكثير من المكاسب بدّل النظام الإيراني إستراتيجيته وتبنى تعميم تجربة الحزب باختراق دول الجوار بتشكيل أحزاب ومنظمات "جهادية" عبر تنظيم أبناء الطائفة الشيعية في الدول الإسلامية (كتائب "عصائب أهل الحق"، وكتائب مقاتلة: كتيبة أبي الفضل العباس، وكتيبة كربلاء، وكتيبة زيد بن علي، لتجتمع تحت اسم موحد هو "كتائب حزب الله العراقي"، وجيش المختار، وجيش المهدي في العراق، لإرباك القوات الأميركية في العراق خوفا من أن يغريها نجاحها السهل في العراق بنقل معركتها إلى إيران، وحركة "أنصار الله" في اليمن، وحزب الوحدة الإسلامي في أفغانستان).

كما تبنى تشييع المسلمين من المذاهب الأخرى لتطبيق إستراتيجيته الجديدة عليهم وبذل المال لتحقيق ذلك باستغلال فقرهم، وضمن هذا السياق قال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، ذراع الحرس الثوري في العمليات الخارجية، "إنه أقام عشر إيرانات خارج إيران".

وتبجح مسؤولون إيرانيون بأن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية (بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء)، ووظفتها في القتال إلى جانب النظام السوري لمنع إسقاطه من قبل الثوار دون اعتبار لمطالب الثورة وللقتل والدمار الذي نفذه النظام ضد البلاد والعباد بالإضافة إلى انعكاس مشاركتها المدمر على العلاقات بين أبناء المذاهب الإسلامية ووقوف المسلمين ضد بعضهم: سني شيعي.

أدرك النظام الإيراني، بعد أن اضطر إلى تجرع كأس السم والقبول بوقف القتال مع النظام العراقي دون تحقيق انتصار حاسم بإسقاط النظام و"تحرير" العراق، هشاشة وضعه العسكري وضرورة تطوير قدراته العسكرية والحصول على أسلحة حديثة تردم الفجوة التقنية مع الأعداء والخصوم المحتملين، خاصة إسرائيل ودول الجوار التي كدست أسلحة أميركية وأوروبية حديثة، فانفتح على روسيا والصين وكوريا الشمالية يستورد منها أسلحة متطورة وخبرات لصنع نسخ من أسلحتها وخاصة صواريخها البالستية في إيران، وأطلق يد الحرس الثوري لخوض عملية تطوير قدراته العسكرية القتالية والتصنيعية مما سمح له بتكديس ترسانة كبيرة ومتنوعة من الأسلحة وخاصة الصواريخ البالستية المتوسطة والبعيدة المدى والزوارق البحرية السريعة والمدمرات والغواصات والطائرات العاملة بدون طيار.

في هذا السياق جرى بعث البرنامج النووي الإيراني الذي أقامه الشاه المخلوع في خمسينيات القرن العشرين على خلفية انعدام الثقة في كفاية الأسلحة التقليدية في ردع الأعداء والخصوم وتوفير حماية للنظام الإسلامي، وتم التعاقد مع روسيا على استكمال بناء وتجهيز مفاعل بوشهر كواجهة علنية لبرنامج نووي سري بالتعاون مع كوريا الشمالية وعالم الذرة الباكستاني عبد القدير خان.

جرى التوسع في البرنامج النووي بشكل سري منذ عام 1989 بإقامة أكثر من مائة موقع بعضها محصن في الجبال، وهو ما تم كشفه من قبل المعارضة الإيرانية التي سربته إلى الخارج وقدمت دلائل على طبيعته غير السلمية فأطلقت معركة احتوائه ومنع إيران من صنع سلاح نووي
وجرى التوسع في البرنامج بشكل سري منذ عام 1989 بإقامة أكثر من مائة موقع بعضها محصن في الجبال (عدد من مراكز الأبحاث ومنجمان لاستخراج اليورانيوم الطبيعي ومفاعل أبحاث ومحطات تخصيب اليورانيوم) حتى تم كشف أمره من قبل المعارضة الإيرانية التي سربت الموضوع إلى الخارج وقدمت دلائل وبراهين على طبيعته غير السلمية فأطلقت معركة احتوائه ومنع إيران من صنع سلاح نووي.

بدأت الضغوط الغربية على إيران من أجل الكشف عن برنامجها النووي وكشفت جولة التفتيش عام 2003 عن وجود آثار ليورانيوم مخصب في محطة ناتانز مما دفع إيران إلى الاتفاق مع بريطانيا وألمانيا وفرنسا على وقف عمليات التخصيب لفترة محدودة في مقابل عدم إرسال الملف إلى مجلس الأمن.

غير أن الضغوط الأميركية اشتدت عبر تقديم دلائل وبراهين على الطبيعة العسكرية للبرنامج، وأصدر مجلس الأمن عام 2009 قرارا بمنع إيران من استيراد وتصدير مواد أولية تدخل في عملية التخصيب وفي صناعة الصواريخ البالستية، وآخر عام 2010 يفرض عقوبات على التعامل مع الحرس الثوري، كما أصدر مجلس الشيوخ الأميركي عقوبات على المصرف المركزي الإيراني، وفرض الاتحاد الأوروبي قيودا على استيراد النفط الإيراني وعلى تأمين ناقلات النفط الإيرانية.

لم تنجح المفاوضات الأوروبية الإيرانية في الاتفاق على مخرج فانطلقت مفاوضات الـ5+1 عام 2009 لكن دون أن تحقق نجاحا واضحا لأن النقطة المركزية في الصراع التي شكلت المحدد الرئيس للسلوك الإيراني: الاعتراف بالنظام الإسلامي والكف عن السعي لتغييره ظلت دون حل إلى أن بدأت المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة في عُمان بالتوازي مع انطلاق لقاءات ثنائية أميركية إيرانية اتسمت بالود والحميمية، قادت إلى إشادة الرئيس الأميركي باراك أوباما بتاريخ إيران وبالدور الحضاري والثقافي الإيراني مما فتح الطريق للتفاهم والاتفاق في لوزان.

فهل يؤدي الاتفاق إلى إزالة هواجس القيادة الإيرانية وتسكين مخاوفها فتعود دولة في حدودها الوطنية أم يدفعها إلى التغول ومزيد من العدوان؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك