خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


الصراع بين "الشمس و"القمر"
الموقف التركي وزيارة أردوغان
قاعدة المصالح والتحالفات الجديدة

وضعت "عاصفة الحزم" -التي تقودها السعودية ضد الحوثيين والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح- العلاقات الإيرانية التركية أمام اختبار جديد قد يغير العديد من المعادلات التي تحكمت بالعلاقة بين البلدين، خاصة إذا تطورت "عاصفة الحزم" إلى تدخل بري وساندت تركيا هذه العملية بعد إعلان أنقرة دعمها القوي للعملية وانتقادها الشديد لدور إيران في المنطقة واحتمال بروز تحالفات إقليمية جديدة.

الصراع بين "الشمس و"القمر"
اتسمت العلاقات التركية الإيرانية عبر التاريخ بالصراع والتنافس على منطقة المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، وفي يومنا هذا فإن هذا الإرث من الصراع بدأ ينبعث من جديد بينهما في ساحات سوريا والعراق واليمن ولبنان على أسس يتداخل فيها الطائفي بالمصالح والنفوذ الإقليمي والدور السياسي، مما يعزز من استحضار الرموز التاريخية على الجغرافية السياسية.

الصراع التاريخي بين الدولتين الصفوية والعثمانية يحضر بقوة في هذه الساحات المتفجرة على شكل مواجهة بين الشمس الإيرانية والقمر التركي، وهو صراع أساسه الصدام على الجغرافيا السياسية والاجتماعية منذ أن ثبتت معركة جالديران 1514 حدودهما الجغرافية

فالصراع التاريخي بين الدولتين الصفوية والعثمانية يحضر بقوة في هذه الساحات المتفجرة على شكل مواجهة بين الشمس الإيرانية (اختار الشاه إسماعيل الصفوي الشمس رمزا لعلم إيران) والقمر التركي الذي يشكل رمزا لعلم البلاد منذ عهد الدولة العثمانية، في إشارة إلى التصادم الإقليمي بين البلدين، أساسه الصدام على الجغرافيا السياسية والاجتماعية منذ أن ثبتت معركة جالديران 1514 الحدود الجغرافية بينهما.

وعليه، فرغم المصالح الكبيرة بين البلدين وحرصهما الحفاظ عليها لأسباب اقتصادية وأمنية بالدرجة الأولى فإن الصراع بينهما سرعان ما يطفو إلى السطح في الأحداث الإقليمية العاصفة، فمنذ بدء الثورات العربية في تونس ومصر وانتقالها إلى اليمن وسوريا تعمقت الانقسامات التركية الإيرانية أكثر فأكثر، ولا سيما في ساحات سوريا والعراق حيث الصدام العميق بين البنى الاجتماعية التي تتداخل مع بعضها وتتصادم في حروب متداخلة محليا وإقليميا.

تركيا وإيران وقفتا على النقيض إزاء ما يجري في سوريا والعراق، كل طرف له أسبابه ودوافعه وإستراتيجيته المختلفة، فطهران أعلنت دعمها الكامل للنظام السوري، وهذا طبيعي ومفهوم في ظل التحالف القائم بينهما منذ نحو أكثر من ثلاثة عقود، وانطلاقا من هذه الرؤية تحركت إيران على كل المستويات لدعم النظام السوري في حربه ضد خصومه في الداخل والخارج.

أما أنقرة فقد تحركت على العكس تماما في كل الاتجاهات لإسقاط النظام السوري، والخلفيات نفسها تنطبق على ما جرى ويجري في العراق، واليوم في اليمن وإن اختلفت ظروف كل ساحة، وعلى هذا الأساس ينبغي النظر إلى الموقف القوي الذي صدر عن أردوغان بدعم "عاصفة الحزم" والردود الإيرانية الغاضبة عليها التي وصلت إلى حد المطالبة بإلغاء الزيارة التي من المقرر أن يقوم بها أردوغان إلى إيران في السابع من الشهر الجاري.

الموقف التركي وزيارة أردوغان
شكلت انتقادات أردوغان لسياسية إيران في المنطقة مع بدء "عاصفة الحزم" أقوى موقف تركي ضد إيران بعد أن حرصت تركيا خلال الفترة الماضية على عدم الصدام مع إيران بسبب الخلافات الجارية بينهما على ما يجري في سوريا والعراق.

فقد اتهم أردوغان خلال لقاء مع قناة "فرانس 24" إيران للمرة الأولى بالسعي "إلى الهيمنة على المنطقة وأن هذا الأمر لم يعد يحتمل"، كما دعاها إلى "سحب قواتها من اليمن وسوريا والعراق" وطالبها "بتغيير عقليتها"، مشيرا إلى أن السعودية وباقي دول الخليج لم تعد تقبل بهذه السلوكيات، وأرفق أردوغان هجومه على سياسة إيران بالإعلان عن دعمه عملية عاصفة الحزم وإبداء الاستعداد لتقديم دعم لوجستي بهذا الصدد.

سواء تمت هذه الزيارة أو لم تتم فإن الحدث سيكون مفصليا في تاريخ علاقات البلدين، فإن تمت فسيكون هدفها تدوير زوايا الخلافات الحادة انتصارا لسياسة الحفاظ على المصالح المشتركة، وإن ألغيت فسيكون ذلك إيذانا بدخول هذه العلاقة مرحلة جديدة من الصدام

موقف أردوغان هذا فجر عاصفة من الردود في إيران، فوزير الخارجية محمد جواد ظريف وصف موقفه بالخطأ الإستراتيجي الذي يهدد الاستقرار في المنطقة، فيما استدعت وزارة الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال التركي في طهران باريش صايجي احتجاجا على هذه التصريحات، كما طالب العديد من النواب والمسؤولين الإيرانيين بإلغاء زيارة أردوغان إلى طهران.

لكن الردود الإيرانية الغاضبة لم تغير من موقف أردوغان الذي جدد مواقفه السابقة خلال اتصال مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، بل كشفت الخارجية التركية أن أنقرة كانت على علم مسبق بعملية عاصفة الحزم، في إشارة إلى وجود تنسيق سعودي تركي في ظل التحسن الجاري في العلاقات بين البلدين.

حرب التصريحات بين أنقرة وطهران على خلفية الموقف من "عاصفة الحزم" دفعت العديد من المراقبين إلى توقع إلغاء أردوغان زيارته، خاصة بعد أن طالب العديد من المسؤولين الإيرانيين بذلك، بل إن أردوغان نفسه ورغم إعلانه أن الزيارة قائمة فإنه أشار ضمنا إلى احتمال إلغائها حين قال "إن التطورات في اليمن مهمة جدا بالنسبة لنا، وقد تحدث أمور تتطلب منا اتخاذ قرارات مختلفة"، في إشارة إلى الزيارة.

وفي جميع الأحوال من الواضح أن هذه الزيارة إن تمت أو لم تتم فإن الحدث سيكون مفصليا في تاريخ العلاقات بين البلدين، فإن تمت فسيكون هدفها تدوير زوايا الخلافات الحادة انتصارا لسياسة الحفاظ على المصالح المشتركة، وإن ألغيت فسيكون ذلك إيذانا بدخول هذه العلاقة مرحلة من الصدام الذي قد يتطور على وقع الأحداث الجارية في اليمن والعراق وسوريا.

قاعدة المصالح والتحالفات الجديدة
الثابت أن الصراع التركي الإيراني على المنطقة ليس بجديد، ورغم ضراوة هذا الصراع في يومنا هذا فإن ثمة من يتوقع أنه سيبقى في حدود قواعد لعبة التنافس التقليدية بين البلدين، فالصراع بينهما على الأزمة السورية التي دخلت عامها الخامس لم يفجر العلاقات بينهما حتى الآن، بل ظل البلدان يعملان على تطوير علاقاتهما الاقتصادية وكأن لا علاقة للمصالح الضخمة بينهما بالصراع الجاري، حيث المشاريع التجارية في مجال النفط والغاز والتجارة تجعل كل طرف ينظر إلى الآخر بأهمية كبيرة، بل لعبت تركيا دورا كبيرا في الحد من تأثير العقوبات الغربية المفروضة على إيران، حيث ظلت العلاقات التجارية والمالية بين البلدين على قدم وساق.

ومع الحديث عن احتمال التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والغرب ثمة من يرى أن هذا الاتفاق سينقل العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى مرحلة جديدة خاصة بعد أن تحولت تركيا إلى ممر دولي لأنابيب النفط والغاز، وهو ما يراهن عليه البلدان في رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى أربعين مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة.

لعل أول ملامح الصدام التركي الإيراني بروز ما يشبه تحالفا تركيا سعوديا في مواجهة تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، وتوقع أن يطلق الاتفاق النووي المرتقب مع الغرب يد إيران في المنطقة

إلى جانب البعد الاقتصادي فإن ثمة اتفاقا ضمنيا بين البلدين على عدم السماح بإقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة، فالعاصمتان تدركان أن إقامة دولة كردية مستقلة في أي جزء من الأجزاء التي يقيم الأكراد فيها (العراق-إيران-تركيا-سوريا) ستنعكس لاحقا على بقية الدول وحدودها التي رسمتها الاتفاقيات الدولية فضلا عن بناها الاجتماعية والقومية، وعليه فإن التنسيق التركي الإيراني بهذا الخصوص ستظل له قيمة إستراتيجية مهما سعرت الخلافات بينهما.

المصالح السابقة لم تمنع المراقبين من توقع احتمال حصول تطورات دراماتيكية في العلاقات التركية الإيرانية وقلب المعادلات التي تتحكم بهذه العلاقة، خاصة إذا تطورت الأزمة اليمنية وتدخلت إيران بشكل مباشر فيها وتحولت "عاصفة الحزم" إلى عملية برية.

لعل أول ملامح الصدام التركي الإيراني بروز ما يشبه تحالفا تركيا سعوديا في مواجهة تصاعد النفوذ الإيراني بالمنطقة، وتوقع أن يطلق الاتفاق النووي المرتقب مع الغرب يد إيران في المنطقة.

وما يمكن ملاحظته هنا هو أن التحالف التركي السعودي الذي يتشكل على وقع "عاصفة الحزم" بات جزءا من محور أشمل يضم إضافة إلى الدول العربية الخليجية مصر والسودان والأردن والمغرب وباكستان وتركيا ويحظى بدعم غربي، وهو ما قد يعطي أنقرة دفعا قويا في صراعها مع إيران على قضايا المنطقة، ولا سيما الأزمة السورية والسعي لإسقاط النظام بالقوة، خاصة بعد أن تعثرت الحلول السياسية حتى الآن.

ولعل ما يلاحظ هنا أيضا في ظل هذه التطورات العاصفة هو تراجع حدة الخلافات التركية المصرية والحديث عن وساطة سعودية لتحسين هذه العلاقة عبر دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إجراء إصلاحات داخلية، وهو ما تشترطه أنقرة للانفتاح على القيادة المصرية. وإن سارت الأمور على هذا النحو فإن أردوغان الذي يقول إن صبر بلاده بدأ ينفد من السياسة الإيرانية قد ينتقل من سياسة تدوير الخلافات مع إيران إلى سياسة الهجوم الحازم ولو عبر الساحة السورية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك