محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي

يكاد المراقبون السياسيون والمحللون الإستراتيجيون يجمعون على أن الأحداث السياسية التي تشهدها المنطقة العربية تسارعت بأكثر مما كان متوقعا لها في السابق، ومضت في طرق فاصلة ومتوقعة، رغم أن الجماهير "العادية" كانت تتوقع مثل هذا التسارع، ومثل هذه المسارات التي حدثت بالفعل.

وهكذا تخلقت مفارقة فكرية حادة لا تزال بحاجة إلى الدراسة المتمعنة، التي لا تقف عند حدود دراسة المنهج والفلسفة، وإنما تنطلق إلى الدراسة المتأنية لروافد الشعور الشعبي ومكونات الضمير الجمعي.

وفي مثل هذا الإطار، فإنه من المفيد أو مما ينبغي علينا أن نبدأ به هو أن نتأمل العوامل التي جعلت توقعات الجماهير الفطرية أكثر صوابا من توقعات الدارسين المراقبين، وهي إشكالية قديمة لكنها لا تزال تواجه العلوم السياسية. وربما يقودنا بعض التأمل المتجرد والمتكرر إلى إدراك السر الحقيقي في هذه المفارقة:

أولا: كانت الجماهير تقول إن الانقلاب المصري أميركي 100%، وكانت التحليلات السياسية تقدر الدور الأميركي بما بين صفر و٩٩٪ عند أكثر المراقبين إيمانا ويقينا بعداوة النظام الأميركي العمياء لكل ما هو إسلامي، ولم تكن الجماهير تؤمن أبدا بوجود هذا الواحد في المائة، وإذا بكل الأحداث المتعاقبة تنحاز للجماهير البسيطة في مواجهة "فذلكات" المثقفين.

كانت الجماهير اليمنية تقول إن الأميركيين هم الراعي الرسمي والفعال للحوثيين في اليمن، وإن رعايتهم تفوق تورط إيران بمراحل كبيرة، بينما كانت التحليلات الأكاديمية والسياسية شبيهة بنظيراتها في مصر لا تعترف بذلك
ولسنا بحاجة إلى استعراض ثلاثين أو أربعين حدثا للتأكيد على صحة بديهة المصريين البسطاء وفطرتهم الذكية، وإنما يكفينا على سبيل المثال أن نتأمل موقف الإدارة الأميركية المتخاذل من حقوق مواطن أميركي (اسمه محمد صلاح سلطان) حُكم عليه مؤخرا بالمؤبد، لا لشيء إلا لأنه مارس حقا وواجبا أميركيا، وليس أدل على ذلك من أن الحكم -كما تقول الجماهير- قد صدر في واشنطن لا في القاهرة، من لهجة الاستنكار المتخاذل التي صدرت تلقائيا ومتزامنة مع صدور الحكم ذرا للرماد في العيون الأميركية.

ثانيا: كانت الجماهير اليمنية تقول إن الأميركيين هم الراعي الرسمي والفعال للحوثيين في اليمن، وإن رعايتهم تفوق تورط إيران بمراحل كبيرة، بينما كانت التحليلات الأكاديمية والسياسية شبيهة بنظيراتها في مصر، وحدث أن اثنين من الزعماء المحليين اختلفا في هذه الجزئية إلى حدود قصوى، فما كان من مؤيد الرأي الجماهيري إلا أن راهن الآخر على ما سوف يحسم هذا الأمر، وقال له إن "فلانا" (وهو قيادي راديكالى من اليمنيين الذين تزعم أميركا مطاردتهم) يعيش الآن كما تعرف في عزوة من قبيلته في الموضع الفلاني، وأنا أطلب منك بحكم اتصالك المشروع والمعلن بالأميركيين أن تلمح لهم بأن لديك علاقة بمن يملك معلومات كاملة عنه وعن أفضل وسائل الإيقاع به دون أن تدلي لهم بأية معلومة من قريب أو من بعيد عن مخبأ الرجل المطلوب لهم.

ولأن الأمر كان قد وصل إلى مرحلة الرهان، فإن الزعيم اليمني فعل ما طلبه منه نظيره، وكم كانت دهشته حين سمع من القائد الأميركي أنهم مكلفون بحماية هذا "المطلوب" وليست ملاحقته، وإن كانت الحماية التي تستلزم المراقبة تبدو بالطبع وكأنها ملاحقة!! وسرعان ما أردف القائد الأميركي قوله في الجملة الثانية المعهودة في السياسة الأميركية (اللعوب على حد وصفي المشهور) فقال: وإن كنا (أي القائد الأميركي نفسه والقوات الأميركية التابعة له) سنلقي القبض عليه إذا رأت القيادة الأميركية المركزية أية فائدة من هذا (أو ضرورة لذلك) في أية لحظة!

وقد انتهز السياسي اليمني أقرب فرصة للقائي ليؤكد لي بحب أنه عرف الحقيقة الحقيقية أخيرا. وكان في واقع الأمر قد تجاوز مرحلة الاندهاش إلى مرحلة نشوة معرفة الحقيقة.

ننطلق من هذين المثالين الواضحين في دلالاتهما إلى المظاهر التي جعلت جماهير المسلمين توقن بعداوة الساسة الأميركيين الحاليين للإسلام، وفي الواقع فإن المظاهر كثيرة وقاطعة الدلالة:

أولا: فبمنطق مادي بحت، أسقط الأفغان والمسلمون المتحالفون معهم الاتحاد السوفياتي الذي لم تستطع أميركا وأوروبا معها إسقاطه، لكن هذا الانتصار الأفغاني صبّ في مصلحة أميركا والغرب، وعوقب عليه المنتصرون مرة واثنتين وثلاثا كما يعرف العالم كله.

الرأي العام بات غير متقبل أي تحليل سياسي يحاول أن يبرئ أميركا من أي شر يحيق بمجتمعاتنا، وفي مقدمة تلك الشرور التمدد الحوثي الذي أصبح بحاجة إلى ردة فعل قوية، والانتعاش العلوي السوري، والانقلاب العسكري المصري، والتناحر العراقي

ثانيا: مهما كان حكمنا على القدرات العقلية أو الإستراتيجية لصدام حسين فإننا لا نستطيع أن ننكر أن سياساته قد عادت بالفائدة على أميركا في قرارته الثلاثة الكبرى التي دفع العراق (وطنا وشعبا) ثمنها مرة بعد أخرى حين بدأ حربه مع إيران عقب ثورتها الإسلامية في ١٩٧٩، وحين اندفع منصوحا ومأذونا له بغزو الكويت، وحين أوصل الأمر إلى صراع مظهري حول قدرات نووية مظهرية. وإذا كان صدام قد عوقب على مواقف نعرفها أو لا نعرفها، فإن الشعب العراقي قد عوقب بكل تأكيد (وبلا ضرورة) على ما لم يكن يستدعي هذا العقاب الجماعي الممنهج الذي حاق به على مدى سنوات متصلة تفجيرا وتهجيرا.

ثالثا: كان اليمن الجنوبي نفسه، وكذلك الصومال على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، قد وقعا في قبضة الحكم الماركسي المرتبط عضويا بموسكو، فلما استعان الشعبان اليمني والصومالي بعقيدة الإسلام ووجدانه وحوافزه الروحية، وتخلصا من الماركسية، كان المنطقي أن يسارع الغرب للملمة آثار التخريب الماركسي في المجالات المتعددة للحياة، لكن ما حدث كان هو النقيض على طول الخط، إذ حرصت أميركا على التعميق المتوالي للتخريب الموروث عن الحكم المرتبط بالنفوذ السوفياتي.

رابعا: يحلو لكثيرين من متأملي الحركية الحضارية أن يقولوا إنه إذا كانت بريطانيا تترك في مستعمراتها منشآت أو مرافق تبنيها من دماء الشعوب المستعمرة، فإن أميركا في المقابل تترك ألغاما أرضية لا تكف عن التفجر، ولهذا يرى هؤلاء أن ارتباط إسرائيل الحميم بأميركا هو الذي قادها إلى حالة العقم التي تعيشها الآن رغم كل ما تضخه الولايات المتحدة من معونات اقتصادية تؤذي الاقتصاد الإسرائيلي بأكثر مما تفيده.

خامسا: يرى الخليجيون العاديون أن علاقاتهم بأميركا كانت على النقيض من علاقاتهم بأوروبا واليابان، وأن الاستثمارات الأميركية المشتركة أقل إفادة لهم، كما أن النصيب الذي يستحوذ الأميركيون لأنفسهم عليه من أموالهم لا يتناسب مع جهدهم الضئيل، وهم لا يرون لهذا تفسيرا واضحا، لكنهم متأكدون من أنهم يطالعون في نظرات الأميركيين حقدا متكررا على منطقة الإسلام وعلى منطق الإسلام وعلى منطقية الإسلام كذلك.

لهذه الأسباب أو السوابق الخمسة التي أصبحت مترسخة في الوجدان الإسلامي لا يتعجب المراقب المحايد أن يجد الرأي العام غير متقبل أي تحليل سياسي يحاول أن يبرئ أميركا من أي شر يحيق بمجتمعاتنا، وفي مقدمة هذه الشرور ذلك التمدد الحوثي الذي أصبح بحاجة إلى ردة فعل قوية، وذلك الانتعاش العلوي السوري، وذلك الانقلاب العسكري المصري، وذلك التناحر العراقي. وفي كل هذه الأحوال أصبح صعبا على الجمهور الإسلامي أن يتقبل لائحة اتهام لا تتضمن الولايات المتحدة في المحل أو الترتيب الأول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك