ماجد بن عبد العزيز التركي

ماجد بن عبد العزيز التركي

رئيس مركز الإعلام والدراسات الروسية

مسيرة العلاقات الروسية الخليجية لم تكن يوما ما في حالة جيدة ترقى لمستوى ومكانة روسيا الاتحادية (وريثة الاتحاد السوفياتي)، وتتوافق مع مستوى التحديات التي تعيشها المنطقة الخليجية. فأين تكمن مشكلة تعثر وتذبذب هذه العلاقات؟

لروسيا علاقات جيدة مع بعض دول الخليج العربية، والأهم هنا هو مستوى علاقات روسيا بمجلس التعاون الخليجي (بوصفه وحدة وقوة إقليمية) ومستوى اندماج روسيا في قضايا المنطقة الخليجية، مما يبرهن عمليا على الإرادة الروسية تجاه الخليج في جانبه العربي.

وهنا يبرز المحور الإيراني، بكل اتجاهاته وتمظهراته: الملف النووي، ودعم الحوثيين، وإدارة الصراع داخل سوريا، واحتلال جنوب العراق وإدارة الشأن العراقي، والتشويش الطائفي في مناطق تواجد الشيعة في دول الخليج، ويبرز هذا المحور المتخم بالخلافات الخليجية الإيرانية ليتقاطع مع علاقات روسيا ودول الخليج، ويحيل فرص التقارب الروسي الخليجي إلى عقبات ومعوقات.

روسيا شريكة إستراتيجية لإيران، وداعمة لبرنامجها النووي "على حساب أمن وسلامة الخليج"، ومنسجمة مع التحركات الإيرانية في مجريات الملف السوري، ومتجاهلة العبث الإيراني في العراق، وهو ما يحد من فرص التقارب مع الخليج

روسيا شريكة إستراتيجية مع إيران، وداعمة لبرنامجها النووي "على حساب أمن وسلامة الخليج"، وروسيا منسجمة مع التحركات الإيرانية في مجريات الملف السوري، ومتجاهلة العبث الإيراني في العراق وجنوحها لضم الجنوب العراقي، ومتغافلة عن الحضور الإيراني وتوجهاته في العمق الإسلامي السني في روسيا وآسيا الوسطى "كعمق إستراتيجي روسي".

بمعنى أن روسيا مندمجة في كافة تفاصيل الملفات الإيرانية التي تقلق أمن وسلامة واستقرار دول الخليج العربي، وهذا أقل ما يمكن أن يقال عن روسيا وإيران من وجهة النظر الخليجية، مما خلق مصاعب واقعية أمام أية مسيرة لعلاقات روسية خليجية متعمقة وذات جدوى فعلية.

صحيح أن هذا القول يندرج بهذا التفصيل عن أميركا وبريطانيا في علاقاتهما مع إيران على حساب كثير من مصالح دول مجلس التعاون، ولكن الحالة الروسية -من وجهة نظري- مختلفة من عدة اعتبارات:

أولا: روسيا لم تمض في شراكتها مع دول الخليج العربي كما حصل لأميركا وبريطانيا من بناء الثقة وتعدد المسارات وتجذرها، إلى درجة أن بعض المحللين السياسيين الخليجيين جندوا أنفسهم للتبرير أو محاولة قراءة متناقضات مواقفهما في الملفات الإقليمية التي تمس الشأن الخليجي.

ثانيا: روسيا استفادت من التوتر بين الغرب والعالمين العربي والإسلامي، نظرا لتداعيات أحداث سبتمبر/أيلول وما تلاها من أحداث، فقدمت روسيا نفسها كصديقة للعالمين العربي والإسلامي، متكئة على العمق الإسلامي داخل روسيا، كجزء من المكون الثقافي والحضاري والديني لروسيا عبر التاريخ.

ثالثا: وهو غير مفهوم لدي "رغم ظني أنني أفهم الكثير عن روسيا"؛ كيف تدعم روسيا تفاصيل ملفات إيران المقلقة ليس للجانب الخليجي فقط، بل لروسيا بشكل أكبر؟ وذلك لعدة أسباب تتعلق بإيران:

1- إيران دولة ذات حدود مع عدد من الدول، أهمها دول في العمق الإستراتيجي الروسي.
2- إيران دولة ذات جنوح توسعي إستراتيجي "بمفهوم الدولة العظمى استنادا إلى تاريخ وجغرافية الإمبراطورية الفارسية/الساسانية في مناطق إستراتيجية لروسيا.
3- إيران دولة عسكرية ثورية تمتلك ترسانة صاروخية "تعتبر رقم 11 على مستوى العالم"، وتسعى لامتلاك سلاح نووي نوعي، أفلا يمثل هذا تهديدا لروسيا ومناطقها الإستراتيجية؟
4- إيران دولة تقوم على الطائفية الثورية، وجزء من ميدانها الطائفي يقع في العمق الروسي ذاته، وفي عمق النفوذ الإستراتيجي الروسي؟

هذه المعطيات تثير تساؤلا: ماذا تريد روسيا من إيران؟ بل وماذا تريد روسيا في مسارها الدولي وفق المصالح الخليجية؟

استحضار هذا التفصيل في الملف الإيراني/الروسي ضروري لفهم وقراءة معوقات العلاقات الروسية/الخليجية، ويمكن من خلالها أن نفهم لماذا علاقات روسيا بالخليج لم تتقدم بشكل طبيعي.

ورغم العلاقات الشخصية الجيدة التي كانت تربط الرئيس الروسي بوتين بالملك السعودي الراحل الملك عبد الله (رحمه الله) فإنها لم تقدر للمملكة العربية السعودية حق قدرها، ولم تدرك روسيا "عمليا" أن السعودية هي المحور الرئيسي الذي يمكن أن تستند إليه في علاقاتها الخليجية، وعلاقاتها مع العالم الإسلامي، ولعلها تستحضر الدور السعودي في انضمامها لمنظمة التعاون الإسلامي.

ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد حق للسوريين، ومن غير المفهوم تمسك روسيا بنظام بشار، ولا أحد يفهم التواطؤ مع إيران في إدارة الصراع في سوريا، وروسيا تعلم أن هذا خط أحمر للخليج العربي، باعتباره مشروعا إيرانيا توسعيا

ولعله أيضا لم يغب عن الذاكرة الروسية أن تصريح العاهل السعودي أثناء زيارته روسيا بشأن القضية الشيشانية، أسهم في إنهاء الصراع الروسي الشيشاني، ومنح رئيس تتارستان (وهي ضمن فدرالية روسيا الاتحادية) جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، منح الساحة الإسلامية الروسية شعورا بأن روسيا صديقة العالم الإسلامي، هذه إشارات يجب أن يفهمها التنفيذيون وصناع القرار الروسي، فروسيا على مستوى علاقاتها الخليجية لم تستحضر الدور والتأثير السعودي في هذا الاتجاه.

ولو عدنا لخط التماس مع المحور الإيراني، وحساب مفردات المصالح الروسية، سيبرز تساؤل: أي المصالح أعمق وأوسع لروسيا مع إيران أم مع دول الخليج العربية؟ ويمكن أن ينظر لهذا الأمر من عدة زوايا:

1- الحجم الاقتصادي لدول الخليج العربية أكبر من إمكانات إيران الاقتصادية، وتأثيرها في السوق العالمية "النفط والغاز" أكبر وأعمق، ولا سيما أن روسيا تعتمد بشكل رئيسي على النفط والغاز في اقتصادها القومي.

2- علاقات دول الخليج مع روسيا خالية من مشكلة التمدد الطائفي أو الجيوسياسي في روسيا ومناطق نفوذها، خلافا لإيران مع روسيا.

3- مستقبل علاقات دول الخليج مع روسيا ينسجم مع التحول الإستراتيجي الأميركي في المنطقة باتجاه إيران، فإيران ستصبح محور تصادم روسي/أميركي في سياق المصالح بينهما، خلافا لمستقبل العلاقات مع الخليج.

إن تقليب ملفات العلاقات الروسية/الخليجية، يجعلك تلحظ أن فرص بناء الثقة بينهما تحولت إلى عقبات ومعوقات، وكأن روسيا تتعمد تفويت هذه الفرص وتقويضها:

أولا: المشروع النووي الإيراني في أغلبه روسي، بالإضافة إلى وقوف روسيا إلى جانب المفاوض الإيراني، رغم ما يحمله من مهددات لأمن وسلامة منطقة الخليج العربي، وكان بإمكان روسيا أن تتوازن في موقفها وأن تبقى على تواصل وتنسيق مع دول الخليج العربي بما يضمن طمأنتها تجاه الملف النووي الإيراني.

ثانيا: ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد حق شعبي في ظل الطائفية العلوية التي انتهجها النظام، ورفض النظام أية حلول سلمية، فمن غير المفهوم تمسك روسيا بنظام بشار، ولا أحد يفهم التواطؤ مع إيران في إدارة الصراع في سوريا، وروسيا تعلم أن هذا خط أحمر للخليج العربي، باعتباره مشروعا إيرانيا توسعيا.

أدرك شخصيا أن الموقف الأميركي/البريطاني من الملف السوري مخادع ومتحول ولا يعول عليه، وأن أميركا لم ولن تقوم بأي عمل عسكري ضد النظام السوري لو لم يكن الفيتو الروسي/الصيني موجودا، بل تريد إطالة أمد الصراع في سوريا، لصالح إستراتيجيتها الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، تحت مفهوم "الأمن الأميركي الجديد"، وأنها تعمل على تمكين النظام الإيراني في سوريا من خلال المليشيات الشيعية، وابتداع "كذبة داعش بحجمها الحالي" لتكون فزاعة بيد الغرب لإدارة بؤر الصراع في المنطقة، بعد خسارة الغرب ورقة القاعدة بعد مقتل أسامة بن لادن.

كان في وسع روسيا أن تقف إلى جانب مصلحة اليمنيين، وأن تعي التهديد الذي تواجهه السعودية على حدودها الجنوبية، وهنا نذكر روسيا بموقفها من التهديد على حدودها الجنوبية في أوسيتا مع جورجيا والعمل العسكري الكاسح الذي قامت به في عهد الرئيس ميدفيدف لحماية مصالحها

كل هذه المعطيات مفهومة لدى الساحة السياسية الخليجية، ومع هذا كله كان بإمكان روسيا أن تكون أقرب للعرب ولدول الخليج العربية من خلال الملف السوري، كان بإمكانها التفاهم مع الجانب الخليجي وعلى الأقل السعودي قبل استخدام حق النقض الفيتو.

ما زالت الفرصة مواتية للجانب الروسي لتقديم فعل إيجابي في الملف السوري يقرب الموقف الروسي من الخليجي، ولا سيما أن الملف السوري يتجه لمصلحة أميركا وشريكتها إيران، وستبقى روسيا بخيبة الموقف خارج حسابات المستقبل السوري، والمعطيات تشير إلى ذلك، فهذه فرصة تقارب ثانية، خليجية روسية، تحولت إلى عقبة.

ثالثا: الملف اليمني، والذي تظل روسيا من خلاله قرينة إيران. طبيعي أن يثار التساؤل هنا بشأن علاقة إيران باليمن (فاليمن دولة عربية سنة، غير حدودية لإيران)، إلا أنها تقع في خط الأطماع التوسعية الإيرانية، وموقف إيران من اليمن مخجل إلى حد كبير، فهو تأييد ودعم لانقلاب عسكري على الشرعية الدولية التي يتمتع بها عبد ربه منصور هادي، ونقل لليمن من الاتجاه السلمي إلى المواجهة الطائفية.

كان في وسع روسيا أن تقف إلى جانب مصلحة الشعب اليمني، وأن تعي التهديد الذي تواجهه السعودية على حدودها الجنوبية. وهنا نذكر روسيا بموقفها من التهديد على حدودها الجنوبية في أوسيتا مع جورجيا والعمل العسكري الكاسح الذي قامت به في عهد الرئيس ميدفيدف لحماية مصالحها، فهل تتوقع روسيا من المملكة ودول الخليج أن تقف وتتفرج على التمدد الإيراني يصل أراضيها، لا سيما أن القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية لم تتوقف يوما واحدا عن التهديد.

أبت روسيا إلا أن تفوت الفرصة الثالثة لمستقبل علاقات جادة مع الخليج، وأضافت عقبة جديدة دون أن يكون لها مصلحة في المشهد اليمني، إلا التبعية للموقف الإيراني. فأين تكمن المشكلة: هل هي إرادة روسية ترى ميدانها خارج الإطار الخليجي، أم أن إرادة روسيا مرتهنة بقوى إيرانية فاعلة في المؤسسة السياسية الروسية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك