سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني

التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن الملف النووي الإيراني يفتح على وضع جديد، وسياسات تقلب ما كان متعارفا عليه في العقود السابقة.

فقد ظهر منذ احتلال السفارة الأميركية في طهران سنة 1980 أن تناقضا يحكم العلاقة بين البلدين، رغم انكشاف فضيحة إيران غيت سنة 1983 التي أظهرت مد إيران بالأسلحة أثناء حربها مع العراق. ورغم التوافق -وربما التنسيق- سنة 2003 حين تقدمت القوات الأميركية لاحتلال العراق، ومن ثم الدور الإيراني في الفرز الطائفي هناك، وكذلك في قتل العلماء والطيارين وكبار الضباط والتدمير والتحريض الطائفي، وأخيرا الهيمنة على السلطة عبر فئات مرتبطة بها.

في كل الحالات، كان "التوسع" الإيراني يمرّ من الشقوق التي توجدها أميركا وبرضاها، رغم كل "التهويش" الإعلامي أحيانا، ورغم أن الإعلام كان يركز على الخلافات التي تحكم العلاقة بين الطرفين، ويظهر "التناقض" الذي يحكم مصالحهما

هذه العلاقة الملتبسة ظلت تحكم العلاقات طيلة كل تلك العقود، وهو الالتباس الذي كان يعطي للنظام الإيراني مسافة يستطيع فيها التكلم باسم المقاومة، والتلطي باسم فلسطين. وبالتالي اللعب باسم "الشيعة" مرة، وباسم فلسطين مرة أخرى من أجل السيطرة والهيمنة، بعد أن اتخذ من شعار "الموت لأميركا" عنوانا عاما، حيث كان واضحا أن السلطة في إيران تعمل بكل السبل لمد سيطرتها على المشرق العربي، وتعزيز نفوذها الدولي عبر ذلك، والتحول إلى قوة دولية لها امتداداتها ونفوذها، بما يخدم مصالحها.

ومن أجل ذلك سيطرت على العراق بعد الانسحاب الأميركي، واستفادت من ضعف السلطة بعد عام ونصف العام من الثورة في سوريا، لكي تحكم سيطرتها عليها، وهي تتحكم في الوضع اللبناني من خلال حزب الله الذي استفاد من مقاومته الاحتلال الصهيوني لكي يتحول إلى قوة داخلية مهيمنة، وتقدمت في اليمن من خلال تدريب ودعم الحوثيين، والدور الذي قاموا به في الفترة الأخيرة.

لكن لم يبدُ أن أميركا محرجة من كل ذلك، فقد سمحت بسيطرة "شيعية" (أي طائفية) على السلطة في العراق، فهي التي مكنتهم تحت عنوان "حكم الأغلبية" (بالمعنى الطائفي)، رغم أنها كانت تريد أن يكون ذلك في إطار سيطرتها هي، الأمر الذي اختل بعد انسحابها.

ولم تعارض دفاع إيران عن السلطة في سوريا، حيث لم تكن تريد انتصار الثورة، بل أرادت إغراق سوريا بالدم والدمار كما فعلت هي في العراق، وفي اليمن تجاهلت توسع الحوثيين بعض الوقت.

وفي كل تلك الحالات كان "التوسع" الإيراني يمرّ من الشقوق التي توجدها هي، وبرضاها، رغم كل "التهويش" الإعلامي أحيانا، أو التأكيد على الخلافات أحيانا أخرى. ورغم أن الإعلام كان يركز على الخلافات التي تحكم العلاقة بين الطرفين، ويظهر "التناقض" الذي يحكم مصالحهما.

الآن، لماذا تصرّ أميركا على الاتفاق مع إيران؟ ولماذا كل هذا التساهل؟

أشرت في مقالات سابقة إلى الإستراتيجية الأميركية التي تبلورت بداية سنة 2012، وأعلنها باراك أوباما في 6/1/2012، فقد أصبحت أولوية أميركا هي منطقة آسيا والمحيط الهادي انطلاقا من التخوف من "الخطر الصيني"، بمعنى أن الصين قد باتت هي محور التصور العالمي في ما يخص الولايات المتحدة.

لم يعد "الشرق الأوسط" أولوية، مع بقاء الخليج جزءا من "الأمن القومي الأميركي" كما جاء في مبدأ كارتر الذي صدر سنة 1980، وذلك نتيجة وجود النفط، والحاجة الأميركية للتحكم بكل السياسات التي تتعلق به، لكي يبقى الدولار العملة الوحيدة التي يباع بها، ولضمان تدفق مدخولاته إلى أميركا.

تفاوضت أميركا مع إيران وهي "تحت الضغط" من أجل أن تقبل بتوافق يعطيها دورا إقليميا ضمن حدود السياسة الأميركية تجاه المنطقة، فتصبح جزءا من الإستراتيجية الأميركية بالمنطقة وليست قوة إقليمية لديها طموح السيطرة والهيمنة

إن مواجهة "الخطر الصيني" المحتمل جعل إيران مفصلا مهما في الإستراتيجية الأميركية، بالضبط لضمان استقرار الخليج من جهة، ولقطع الطريق على الصين للوصول إلى الخليج في حال تصاعد الصراع معها من جهة أخرى. بالتالي، بات التفاهم مع إيران، والتحالف معها، أمرا أساسيا في السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط"، وفي الخليج خصوصا، خاصة بعد أن لم يعد "الشرق الأوسط" أولوية.

لكن، كانت المشكلة تتمثل في "الطموح الإيراني" الذي أشرت إليه للتو، والذي كان يجعلها تتمرد على أن تكون أداة أميركية، بل تريد أن تكون وكيلا كاملا ربما كما في عهد الشاه، وحتى أكثر، ويمكن القول إنها باتت تريد أن يجري التعامل معها كقوة عالمية مكافئة في إطار التحالف الذي سعت هي أيضا إليه، انطلاقا من الأوراق التي باتت تمسك بها بعد عام 2011 (الانسحاب الأميركي من العراق، والثورات العربية)، كما أشرت إلى ذلك من قبل.

ولهذا عملت أميركا خلال الفترة الماضية ضمن سياسة تؤدي إلى فرض "التواضع" عليها عبر العقوبات الاقتصادية التي تصاعدت لتصل إلى فرض الحصار على البنك المركزي الإيراني، الأمر الذي كان يعني التحكم في بيع النفط الإيراني نتيجة أن الدولار هو العملة التي يباع بها، وبالتالي لم تعد إيران قادرة على بيع النفط لأن ريعه يحجز من قبل البنك المركزي الأميركي، مما أدخل إيران في أزمة اقتصادية، باتت تهدد بانفجار داخلي، وفي عجز عن تمويل دورها الإقليمي، في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

لجأت أميركا للتفاوض مع إيران وهي "تحت الضغط" من أجل أن تقبل بتوافق يعطيها دورا إقليميا ضمن حدود السياسة الأميركية تجاه المنطقة، أي أن تصبح جزءا من الإستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة، وليست قوة إقليمية لديها طموح السيطرة والهيمنة.

وإذا كان الملف النووي عنصرا مهما في الخلافات السابقة، حيث كانت أميركا لا تريد أن تصبح إيران قوة نووية، فإن التوصل إلى اتفاق الآن يعني أن الحوار سوف ينتقل إلى التوافق على الدور الإيراني في المنطقة بعد أن بات قادتها يعلنون أنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية، وشطح بعضهم إلى التصريح بإعادة بناء الإمبراطورية التي هدمها العرب مع نشوء الدولة الإسلامية، واعتبار العراق جزءا جوهريا منها، وبعد أن بات وجودها العسكري واضحا في العراق وسوريا، إلى حد ممارسة القيادة الفعلية للصراع ضد الشعب.

بطبيعة الحال، ربما كانت هذه التصريحات هي "طرح أوراق" في إطار الحوار الجاري لكي تُظهر إيران مدى قوتها في إطار المساومات التي تجري لترتيب دورها، لكن الواقع يُظهر هذا الوجود الفعلي في العراق وسوريا، خاصة بعد أن أصبحت القيادة الفعلية لضباط إيرانيين.

في ظل الأزمة الاقتصادية المستعصية، والتي أقرت الإدارة الأميركية بالعجز عن حلها، رسمت أميركا إستراتيجية جديدة تحتاج إيران فيها، وهو ما سينعكس على مجمل "الشرق الأوسط"، وعلى تحالفات أميركا فيها، بعد أن باتت إيران مفصلا فيها
وإذا كانت أميركا "لعبت" بداعش للتدخل في العراق، وجزئيا في سوريا، فمن أجل أن تعدل من هذا الجموح الإيراني بإعادة العراق إلى الشكل الذي رسمته الإستراتيجية الأميركية إبان الاحتلال، أي بسيطرة أميركية أساسية على السلطة، ودور إيراني رديف في ظل بقاء القوى الطائفية العراقية التابعة لإيران مهيمنة على السلطة.

وإذا كانت إيران قد دفعت لتحريك الحوثيين في اليمن من أجل كسب أوراق جديدة، بعد أن باتت تعلن عن دورها المباشر في كل من العراق وسوريا ولبنان، وبالتالي اليمن، فإن التدخل السعودي الخليجي التركي الباكستاني جاء لتعديل الوضع، وتوضيح حدود القدرة الإيرانية، وبالتالي إعطاء أميركا القدرة على فرض توافق "متوازن"، يحد من الجموح الإيراني بالأساس. لهذا انتقلنا بعد أن توضحت إمكانية التوافق على البرنامج النووي الإيراني، إلى تصاعد الصراع بما هو صراع إقليمي، في لحظة الانتقال إلى البحث في الأدوار الإقليمية لكل هذه البلدان (السعودية وتركيا وإيران خاصة).

هذا الصراع سيصبح جزءا من نقاط التفاوض الأميركي الإيراني للوصول إلى تحديد حدود الدور الإيراني في المنطقة، وماذا يعني دورها في الحفاظ على استقرار الخليج. سنشهد إذن في الفترة القادمة تحولا إستراتيجيا يقلب التصورات التي تراكمت خلال العقدين الماضيين، لتنتهي الممانعة في إطار توافق إستراتيجي، وترتيب متوافق عليه لمجمل المنطقة العربية، وتصبح إيران حليفا "موثوقا" لأميركا الإمبريالية.

أميركا في ظل أزمتها الاقتصادية المستعصية، والتي أقرت الإدارة الأميركية ذاتها بالعجز عن حلها وقررت إدارتها، رسمت إستراتيجية جديدة تحتاج إيران فيها، وهذا ما سينعكس على مجمل "الشرق الأوسط"، وعلى تحالفات أميركا فيها، بعد أن باتت إيران مفصلا فيها. هذه هي خلاصة الوضع الذي يشير إلى أن إيران أصبحت حليفة لـ"الإمبريالية الأميركية".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك