إبراهيم أبو محمد

إبراهيم أبو محمد

المفتي العام لقارة أستراليا


الحديث عن التقسيم المذهبي والطائفي حديث بغيض إلى صاحب كل قلب سليم وعقل حر وفكر مستقيم.

ولئن كان وجود الطائفية حقيقة واقعية مرة نتيجة لأبواق تتبنى وجودها وتعمل على تنميتها وإشعال نيرانها بين الشعوب، مستغلة في ذلك نقص المناعة الثقافية والجهل بالمقاصد الكبرى لوجود الأمة الإسلامية دورا ورسالة وحضارة، فإن الواجب يحتم على كل مثقف وطني أصيل أن يستبعد في حواراته كل كلام يزيد من حدة تلك الطائفية أو يؤكد وجودها وبخاصة على مستوى الفكر والثقافة.

ولم نسع في يوم من الأيام أن يقع السنة والشيعة في فخ الخصومة وإشاعة الخلافات المذهبية والحديث عن التقسيم في المذهب، فطوال قرون طويلة يعيش السنة والشيعة في مكان واحد، ولا تكاد تعرف من هو السني ومن هو الشيعي، وكانت حالات الشراكة في المشروعات الاقتصادية وفي العمل الواحد بالآلاف، كما كان السكن والجوار في البيت داخل الحي الواحد كذلك، وكانت أيضا حالات المصاهرة والزواج تتم بينهم بسهولة ويسر، ولا يسأل أحد الزوجين عن مذهب الآخر.

قرون عديدة مرت في كثير من بلدان العالم الإسلامي في العراق ولبنان واليمن وباكستان وأفغانستان ودول الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى دون أن يشعر أحد بحساسية مذهبية أو خلاف يهدد الدين الواحد أو يفصل بين أبناء الأمة.

لئن كان وجود الطائفية حقيقة واقعية مرة نتيجة لأبواق تتبنى وجودها وتعمل على تنميتها وإشعال نيرانها بين الشعوب، فإن الواجب يحتم على كل مثقف وطني أصيل أن يستبعد في حواراته كل كلام يزيد من حدة تلك الطائفية أو يؤكد وجودها وخاصة على مستوى الفكر والثقافة

وكنا ونحن طلاب في جامعة الأزهر نقرأ أدب وشعر وفلسفة محمد باقر داماد، ورباعيات عمر الخيام، وجلال الدين الرومي ، وكليات سعدي، وروضة السعدي لسعد الدين الشيرازي، كما كنا نقرأ مجموعة السلاسل الذهبية للملقب بملك الشعراء عند الإيرانيين محمد تقي بهار، وأدب فريد الدين العطار، وقرأنا أيضا تاريخ إيران شعرا لذبيح الله صفا، وقرأنا في الشعر الحديث شعر "العرفان والإنسان" لحافظ الشيرازي، وفي الفلسفة والاقتصاد قرأنا لمحمد باقر الصدر فلسفتنا، وكذلك اقتصادنا، وقرأنا لمحمد جواد مغنية، وقرأنا في التفسير صدر المتألهين لصدر الدين الشيرازي، وقرأنا "العودة إلى الذات" لعلي شريعتي وغيرهم.

وأعترف -وأنا واحد من ملايين من أبناء جيلي- أنني خلال رحلة حياتي العلمية كنت أنظر إلى الخلاف بين الشيعة والسنة كأي خلاف آخر في الفكر والمذاهب الإسلامية، ولا يجوز أن يحتل أكبر من حجمه ومساحته، كما كنت أحرص في لقاءاتي ومحاضراتي أن أتجنب الخوض فيه، وأُنبه من يسألني إلى أن الخوض فيه شراك مفخخ يمكن أن يتفجر، ولن يستفيد منه شيعة ولا سنة، وإنما المستفيد الوحيد هم أعداء أمتنا الإسلامية الذين يحرِّضون المسلمين على بعضهم ليأكل بعضهم بعضا، وما تبقى منهم فأسلحة العدو كفيلة بإبادته وسحقه والقضاء عليه.

الخلاف بين الشيعة والسنة كان قد تحول في مخيلتنا أو كاد إلى موروث تاريخي يدرس في الجامعات والأكاديميات العلمية بهدوء ودون إثارة للبغض أو الكراهية، وقد مَضى عليه الزمن ولا يجوز لأحد أن يجعل منه محل خلاف، لأن الحديث فيه أو الحديث عنه لن يحل مشكلات مضت وانتهت، وإنما يستحيل ذكريات مرة تثير في النفس أحزانا وأسى، وتضفي على الحياة سواد فترة حالكة من تاريخنا يجب على الأجيال الحاضرة أن تتجنبها منعا للخلاف وسدا لباب فتن كثيرة تتولد من الحديث عنها.

ويكفى جماهير الأمة في ربوع الدنيا كلها أن الجميع يحب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويحب آل بيته وصحابته وتابعيهم وتابعي تابعيهم، ويعتز بهم، ويترضى عليهم جميعا، ويدعو ربه في صلواته أن يميته على ملتهم وأن يحشره في زمرتهم، ثم هو يفتديهم لو يملك بكل ما ملكت يداه، وهذا القدر من المشاعر كان كافيا ليلتقي عنده كل الأطراف السني والشيعي، وبغير تقسيم أو تمييز.

وقد ظل الأمر على هذا المستوى الرفيع من سعة الصدر حتى نهاية السبعينيات وبداية الثورة الإيرانية في أواخر عام 1979.

وعندما قامت تلك الثورة استبشرت جماهير الأمة خيرا ورأت فيها نموذجا للتحرر وظهيرا شعبيا لإرادة شعوب المنطقة والعرب خاصة الذين عانت بلادهم من القهر والسيطرة ومتاعب الحروب مع العدو الصهيوني، وكانت الجماهير تحلم وتتطلع إلى شيء من الصمود، وتشتاق لوجود من يرد ويصد عنها ذلك الاجتياح السياسي والثقافي والاقتصادي البغيض، ومن ثم فقد اشتم الكثير من أبناء الأمة في الثورة الإيرانية رائحة رجولة إسلامية جديدة قادرة على الصمود أمام العدو، وقادرة على التعامل معه بكفاءة واقتدار.

كان المأمول أن تبدأ إيران بعد استقرار ثورتها بتنمية وتطوير شبكة المصالح مع دول المنطقة، غير أن الذي حدث كان عكس ذلك تماما، فما إن استقرت إيران في ثورتها حتى بدأت بإثارة رزمة من المشاكل مع دول المنطقة تمثلت في تصدير الثورة، والتدخل في شؤون الدول

وقد كان لافتا أن السيد حسن نصر الله بعد الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأولى عام 2006 قد حظي بشعبية في كل المدن والعواصم العربية فاقت في تدفقها شعبية كل حاكم عربي.

غير أن الثورة التي شكلت حلما للجميع بدأت بالدخول في المحظور التاريخي فأثارت ضغائن كانت قد هدأت، ونكأت جراحا كادت أن تندمل، وهاجمت رموزا لها عند جمهور الأمة كل التقدير والإجلال والاحترام.

وكان المأمول أن تبدأ إيران بعد استقرار ثورتها بتنمية وتطوير شبكة المصالح مع دول المنطقة، غير أن الذى حدث كان عكس ذلك تماما، فما إن استقرت إيران في ثورتها حتى بدأت بإثارة رزمة من المشاكل مع دول المنطقة تمثلت في تصدير الثورة، والتدخل في شؤون الدول، وتغليبها لفئة موالية لها على بقية الشعب كما حدث في العراق.

ولعل العالم كله لاحظ تجاوزات قوات نظام رئيس الوزراء العراقي السابق وعلى مدى عشر سنوات، وانتهاكها لحقوق العراقيين السنة والتي بلغت إلى حد الإبادة وجرائم الحرب، ثم جاء بعده خليفته فلم يرع في سني إلاً ولا ذمة، وقد نقلت وكالات الأنباء صورا مروعة لما فعله ما يسمى بمليشيات الحشد الشعبي بمناطق أهل السنة وتفريغهم لقرى بكاملها من سكانها في شكل تهجير قسري وبطريقة فجة، وبالطبع كان الوجود الإيراني حاضرا بسلاحه وتخطيطه واستخباراته، وجنوده وكبار قادته.

وتم تصوير ذلك كله وعرضه في قنوات تلفزيونية أميركية، وكانت كلمات التعليق على ذلك تقول: "إننا كأميركيين يجب أن نشعر بالعار، لأننا نحن الذين دربنا هذه المليشيات ونحن الذين سلحناهم" الأمر الذى استلزم مطالبة الأميركيين بعزل هذه المليشيات عن المشاركة في عملية تحرير تكريت خوفا من مذابح يرتكبها هؤلاء في حق السكان الأبرياء.

ثورة التوثيق المرئية والمسموعة عن طريق الفيديو نقلت إلينا من الفظائع والفضائح ما لا يمكن التغاضي عنه أو السكوت عليه، وقد تحدثت عنه وسائل الإعلام العالمية، وطالب بالتحقيق فيه الأمين العام للأمم المتحد بان كي مون، ومع ذلك يصر بعض الكبار من القوم على إنكاره، وبدلا من ضبط المجرمين وتقديمهم لمحاكم الجنايات، يكابر البعض ويكذب، ويدعي بأن الحشد الشعبي جزء من الجيش، وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن جيشه يرتكب مجازر كجيش منظم، الأمر الذي يستدعي تقديمه لمحاكم دولية بتهمة ارتكاب تطهير وجرائم حرب منظمة، ومن هنا فقد طفح الكيل.

وفي الحالة اليمنية كانت المؤشرات كلها تقول "إن الخطر وصل إلى تهديد مصالح الوطن وإشاعة الفوضى، وفرض إرادة الحوثيين على قرارات الدولة، وفرض الإقامة الجبرية على رئيس منتخب والسيطرة على مؤسسات الدولة، وتلك جريمة كبرى في عرف الدول والمجتمعات وفي القانون الدولي أيضا لأن الأمر هنا تعدى مسألة الأشخاص ليشكل خطرا مدمرا لوطن هو جزء من العالم العربي والإسلامي ذاته.

ثم وصل الاستفزاز مداه أيضا بالسخرية من العرب وأن عليهم أن يتخلوا عن ارتداء العقال والغطرة لأنهما أصبحا رمزا للمذلة والغباء.

لم يكتف التعصب المذهبي بذلك، بل راح الحوثيون يتوعدون السعوديين ويهددونهم. فهل بعد ذلك تلام المملكة ويلام الملك إذا قرر أن يحمي أمته ويرد العدوان بعاصفة الحسم وقرار الضرورة ولو كان مرا؟

الملالي في إيران لا بد أن يفهموا الدرس، ويدركوا أن وقوف المسلمين جميعا في صف قرار المملكة له مبرراته في العقل والوجدان والواقع، غير أن شيطان العلمنة ومعه شيطان الطائفية أراد أن يعبث عن عمد في البيت الكبير، ولكن الله سلم، حدثت خسائر بلا شك، ولكنها ليست كبيرة.

في الحالة اليمنية كانت المؤشرات كلها تقول إن الخطر وصل إلى تهديد مصالح الوطن وإشاعة الفوضى، وفرض إرادة الحوثيين على قرارات الدولة، وفرض الإقامة الجبرية على رئيس منتخب والسيطرة على مؤسسات الدولة، وتلك جريمة كبرى في عرف الدول والمجتمعات وفي القانون الدولي أيضا

والمسلمون على اختلاف توجهاتهم تربطهم بهذا المكان علاقات روحية تتعدى حدود علاقة البشر ببعضهم، لأنها علاقة ترتبط بالدين عقيدة وهوية، ومن ثم فهي تتعدى حدود الخلق جميعا، لأنها علاقة تتصل في لبها وعمقها بالخالق الأعلى، ولذلك مهما اختلفت المواقف السياسية، ومهما اختلت موازين العلاقات في البشر وبين الدول تبقى تلك العلاقة فوق اعتبار الزمان والمكان والأشخاص، مهما كانت مواقعهم.

لقد شاء الله أن يكون في هذا المكان (السعودية) مهوى الأفئدة من كل لون وجنس، وأن ترتبط بالجسد النبوي الطاهر في أرضها عواطف كل المسلمين في كل بقاع الدنيا، ومن ثم فالمكان له في عالم القلوب والمشاعر أعلى المكانة، وأعظم تجليات الحب الكبير، وأسمى أنواع التقدير، وليس مسموحا لأحد مهما كان بتهديده أو الإشارة إليه بسوء، كما ليس من حق من يعيشون فيه أن يعزلوه عن محيطه الدولي أو الإقليمي، وليس من حقهم أيضا وإن كانوا أبناءه أن يستأثروا بالحب له وحدهم دون سواهم، ومن ثم فكل المسلمين شركاء في حب هذا البلد، وشؤونه تعنيهم، وشجونه تضطرب له قلوبهم، وتخفق أفئدتهم عند كل قلق يحدث ولو كان قليلا.

غيرة المسلمين ليست على أرض أو ثروة، أو نظام سياسي، ولا تتصل بفقر أو ثراء، وإنما هي غيرة على قيم بدأ شعاعها في هذا البلد، ووحي أشرقت هدايته من هذا البلد، ونبوة تألق نورها من هذا البلد، ووصل أريجها الفواح كل سكان الأرض تقريبا، ورحمة للعالمين حملها رجل شريف ونبي عظيم ولد في هذا المكان وتربى فيه، وبه ربى الله العرب، ثم ربى بالعرب كل العالمين فكانوا يوما "ما" هم العالم الأول.

هذا هو مبعث الفخر والغيرة والانحياز من كل مسلم شهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فهل سيستوعب التعصب الطائفي تلك المعاني العظيمة، وهو الذي لا يرى في الوجود غير أضغاث أحلام لن تتحقق بإذن الله أبدا؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك