زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


اعتبار القضاء المصري مؤخرا كتائب القسام، ومن خلفها حركة حماس، تنظيما إرهابيا أمر يثير الفزع في نفس كل وطني قومي عربي، وفي الوقت نفسه يبعث على الارتياح لدى إسرائيل وحماتها.


بداية نعيد تأكيد ما كتبناه سابقا: ضلت البندقية -فلسطينية كانت أو وطنية عربية- التي لا توجه نحو فلسطين ومغتصبيها.

الأمر هنا لا يتعلق بالاتفاق مع فكر حماس أو الاختلاف معه، جزئيا أو كليا، وإنما بمبدأ أساس هو أن الأمن الإقليمي والقومي العربي تهدده إسرائيل، أولا وثانيا وثالثا وأخيرا، وأي حرف للسياسة الوطنية عن هذا يعني الإضرار بقضايانا الوطنية، التي هي أيضا قومية.

لا مانع أن تقدم الإدارة المصرية الجديدة، للنظام الجديد/القديم، الذي أسقطه شعب مصر العربية مدعوما بقواته المسلحة في عام 2011، لكل التنظيمات الفلسطينية دليلا مقنعا على تورط أي تنظيم فلسطيني في أي عمل عدائي تجاه مصر، عسكريا كان أو غير ذلك، وعندها يكون لكل حادث حديث.

انتظرنا تصدي الإعلام المصري الوطني والقومي للغوغائية غير المسبوقة في الإعلام المصري، والمطالبة بمعاقبته وفق القوانين المعمول بها ووفق الضوابط الإعلامية ذات العلاقة، وما زلنا ننتظر، ويبدو أن الأمر سيطول في ظل التزام المؤسسات الإعلامية المصرية العلني بعدم انتقاد النظام

رغم سحب دعوى تصنيف حماس منظمة إرهابية، فإن الإثباتات التي قدمت إلى الآن بهذا الشأن لا تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه. فهي في شكلها وجوهرها ادعاءات غوغائية وأباطيل لا أكثر، ولا قيمة لها في أي تحقيق يعتمد القانون مرجعا. فالأقوال من نمط ادعاء صحف مصرية أن الشيخ عز الدين القسام، الذي استشهد خلال تصديه للغزو الصهيوني الاستيطاني وللاحتلال البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي، هو الذي يقود الهجمات في سيناء على القوات المسلحة المصرية، وما إلى ذلك، ليس فقط يشع جهلا وتجهيلا ولؤما، بل أيضا ينفث سموما في الجسد المصري والعربي، ويعكس غوغائية تنافس أبواق وزير الدعاية النازي غبلز.

بالمناسبة، انتظرنا تصدي الإعلام المصري الوطني والقومي لهذه الغوغائيات غير المسبوقة والمطالبة بمعاقبته وفق القوانين المعمول بها ووفق الضوابط الإعلامية ذات العلاقة، ولا نزال ننتظر ذلك، ويبدو أن ذلك سيطول في ظل التزام المؤسسات الإعلامية المصرية العلني بعدم انتقاد النظام الذي يشجع بصمته مثل هذا التضليل القصدي.

إن مصر-لكن ليس وحدها من كل الدول العربية- تعاني الكثير، وواجبنا نحن العرب تقديم كل أنماط الدعم لشعبها الشقيق كي يتغلب على كافة الصعاب التي تواجهه، بما يمكنه من النهوض ببلده لخيرنا جميعا. لكن دعم مصر وشعبها يعني في المقام الأول تحديد مكمن المرض وتشخيصه.

لقد ثبت بالدليل القاطع أن سياسة الخضوع للمشروع الصهيوني والاستسلام لشروطه قد ألحقت أضرارا هائلة بكل من مصر والأردن، إضافة إلى الحركة الوطنية الفلسطينية وقضايانا القومية. فلم تتمكن أي منها من استعادة السيادة على أراضيها، ولا هي حققت الاستقلال السياسي والاقتصادي.. الذي ادعته مسوغا لسياساتها.

كل ما حققته مصر تم وفق قول الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم "رجعت سيناء وضاعت مصر". أما الأردن، الذي أجر أراضيه المحتلة للعدو، فهو ضائع أصلا منذ تأسيسه، كأحد أنظمة سايكس بيكو الشرق أوسطية (مثل العديد من بلداننا وأوطاننا العربية).

أمراض مصر الدولة، اقتصاديا وسياسيا وغيرهما، لم تسببها غزة، ولا علاقة لها بها، الأمراض التي تعانيها مصر أسبابها سياسية، وفي مقدمتها الانفتاح الاقتصادي وفق سياسة الباب المفتوح الاستعمارية/الساداتية، وتصفية القطاع العام المنتج، وتسليم البلاد والعباد لحيتان رأس المال من القطط السمان كما عرفهم شعبنا في مصر هو السبب الرئيسي لانهيارها. يضاف إلى ذلك الفساد المريع المستشري فيها.

من يريد العافية لمصر عليه تحديد المرض وأسبابه، ووضع دراسات علمية وتنفيذ مشاريع اقتصادية مناسبة، وليست استعراضية، وأيضا ليس باستخدام الغوغاء، السائدة منذ الارتداد عن سياسات ثورة 23 يوليو الاقتصادية.

المساعدات الاستعراضية غير المبرمجة لن تنقذ مصر لأنها لن تشبعها فتنهض، ولن تميتها تضورا فتوقظ القوم، فقط ستبقيها جسدا مشلولا يطفو على سطح بحار هائجة، لا يغرق ولا يستطيع مقارعة أمواجها العاتية.

إذا أرادت الإدارة المصرية الحالية رسو البلاد في مرفأ السلم الاجتماعي والتطور فلها في الاتجاه شرقا طريق. كما عليها أولا وقبل كل شيء استعادة أموال الشعب المصري التي نهبتها حيتان الرأسمال المتوحش منذ اتباع سياسة الباب المفتوح منذ سبعينيات القرن الماضي.

هذه طرق إنقاذ مصر وليس عبر إعلان حماس تنظيما إرهابيا.

عند اندلاع الحراكات الشعبية في بعض الدول العربية أوضحنا رأينا بكلمات لا لبس فيها أن السؤال المحوري هو الاقتصاد، وأن التوجه في هذا المجال هو الذي سيحدد وجهة التطور. لقد أوضحت التطورات اللاحقة صحة رأينا، كما ثبت صحة الرأي القائل إن الاتفاق والتوافق الوطني من دون تدخل خارجي هو المفتاح، ولنا في ليبيا وتونس واليمن وسوريا أمثلة، بعضها مأساوي بالمطلق.

وثمة أمر آخر أساس وجب عدم نسيانه ألا وهو الواجب الأخلاقي لمصر تجاه الأراضي المحتلة في غربي فلسطين. لقد أدارت مصر "القطاع" مباشرة تحت حكم عسكري تابع للقاهرة، منذ حرب تقاسم فلسطين بين أنظمة سايكس بيكو الشرق أوسطية. لكن إدارتي أنور السادات والمخلوع حسني مبارك تخلتا عنه على نحو مطلق في اتفاقيات كامب دفيد لصالح ارتهان مصر كلها للرأسمال الأجنبي والمحلي المتوحش، واستعادة سيناء منقوصة السيادة. ومن هذا المنظور تقع على الدولة المصرية تقديم كل أشكال الدعم لأهلنا المسجونين في بقعة جغرافية ضيقة، بما يمكنهم من الصمود والعيش بكرامة والمساهمة في تحرير بلادنا.

إذا أرادت الإدارة المصرية الحالية رسو البلاد في مرفأ السلم الاجتماعي والتطور فلها في الاتجاه شرقا طريق. كما عليها أولا وقبل كل شيء استعادة أموال الشعب المصري التي نهبتها حيتان الرأسمال المتوحش منذ اتباع سياسة الباب المفتوح منذ سبعينيات القرن الماضي

سنتوقف هنا كي لا نضيف مادة ملتهبة جديدة إلى صراع قائم هو أولا وأخيرا ضد العدو المغتصب.

المقاتل العربي الفلسطيني، كما رفيقه في الدرب في لبنان، أثبت مقدرات قتالية يحق لنا جميعا الفخر بها وتبنيها ومدها بكل أسباب الصمود والنصر في معاركنا الآتية من أجل تحرير بلادنا وأراضينا.

في العدوان الأخير على الأراضي الفلسطينية المحررة، التي يحاصرها العدو والشقيق، قدم المناضل الفلسطيني مثالا نادرا في تاريخنا المعاصر على المقدرة القتالية، رغم ميل كافة عوامل النجاح ضده ولصالح العدو، تمكن المقاتل الفلسطيني إبان العدوان الصهيوني الأخير من منع العدو من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، رغم الثمن الهائل الذي دفعه أهلنا في الأرض الفلسطينية المحاصرة.

للتذكير هنا، نجاحات المقاتل الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة تأتي في تناقض كامل مع أداء جيوش الأنظمة. ولنتذكر، لم يخض أي جيش من جيوش تلك الأنظمة أي حرب إلا وخسرها. نحن لا ننتقص أبدا من أداء الجنود والضباط الوطنيين العرب وتفانيهم المطلق، لكننا نلفت الانتباه إلى أداء تلك القيادات، فنحن نردد مع شعوبنا الكلمات "العدو ما بيتغلب عاشعوبنا العربية، بيتغلب في الحروب عاحكام الشعوب".

لذا، وتجنبا للخسائر الفادحة التي ستلحق بكل قضايانا الوطنية-القومية، نكرر دعوتنا للنخب العربية، بمعنى الصفوة، لوضع نظرية الأمن العربي الموحد وإجبار الأنظمة على تبني السياسات المناسبة في كافة المجالات ذات العلاقة، السياسية والاقتصادية والفكرية والتربوية والتعليمية والإعلامية وغيرها، من أجلنا جميعا، في عالم تتزايد فيه الصراعات وأيضا التحالفات الإقليمية من أجل ضمان البقاء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك