عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني

شخصية إشكالية
الخروج من سباق السلطة إلى المعارضة
دوافع وفرضيات

يعيد مقتل المعارض الروسي البارز بوريس نيمتسوف إلى الأذهان موجة الاغتيالات السياسية في روسيا قبل سنوات قليلة، ويكتسب الحدث هذه المرة أهمية كبرى نظراً للظروف السياسية التي تعيشها روسيا في ظل المواجهة المحتدمة مع الغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية، وبروز آمال بحدوث انفراجة كبيرة بعد اتفاق "مينسك 2".

حيث صدرت تصريحات متواترة -من قبل موسكو والعواصم الغربية- رجحت عدم احتمال فرض عقوبات جديدة على روسيا في حال صمود الهدنة بين القوات الحكومية الأوكرانية وقوات الانفصاليين في جنوب شرق البلاد.

عمليات الاغتيال السياسية السابقة انتهت التحقيقات الرسمية فيها إلى فرضية وجود دوافع جنائية بحتة، غير أن التحقيق في جريمة اغتيال نيمتسوف سيكون أكثر تعقيداً لجملة من الأسباب، منها مكان ارتكاب الجريمة الواقع على بعد عشرات الأمتار من الكرملين، والمواقف السياسية المعارضة بشدة التي كان يتخذها نيمتسوف ضد الرئيس فلادمير بوتين منذ سنوات، وتوقيت العملية، وربط ذلك بمواقفه المتشددة في رفض ما كان يصفه بالتدخل الروسي في أوكرانيا ومخالفة ضم شبه جزيرة القرم للقانون الدولي. فضلاً عن علاقاته العميقة مع الدوائر السياسية في البلدان الغربية.

شخصية إشكالية
بدأ بوريس نيمتسوف مشواره السياسي في مطلع تسعينيات القرن الماضي عضوا في مجلس السوفيات الأعلى عشية انهيار الاتحاد السوفياتي، وكان أصغر أعضاء المجلس عمراً (31 عاماً فقط)، وسطع نجمه في عهد الرئيس الراحل بوريس يلتسين بتوليه منصب حاكم منطقة نيجني نوفغورود، ومن ثم أصبح أبرز من كانوا يسمون حينها "الوزراء الإصلاحيين الشباب"، بشغله لحقيبة الطاقة في الحكومة، وصعوده إلى موقع نائب رئيس الوزراء لقطاع الطاقة والاحتكارات.

وكان يُنظر إليه كأقوى المرشحين لخلافة الرئيس يلتسين لقربه منه وتأثيره عليه، ويقال إن يلتسين فكَّر في ذلك بالفعل، قبل أن تنقلب الأوضاع رأساً على عقب بضربة واحدة وخاطفة قصمت ظهر مستقبل نيمتسوف السياسي، وذلك باختيار يلتسين -في الساعات الأخيرة من عام 1999- رئيس الوزراء آنذاك فلاديمير بوتين خليفة له.

ولطالما اعتُبر نيمتسوف شخصية إشكالية، فما حققه من نجومية سياسية ونفوذ في عهد يلتسين لا يتناسب مع قدراته وإنجازاته، حيث فشل في الارتقاء بأوضاع منطقة نيجني نوفغورود عندما كان حاكماً لها، وكان محل سخط شعبي واسع خلال فترة توليه منصب نائب رئيس الوزراء.

لطالما اعتُبر نيمتسوف شخصية إشكالية، فما حققه من نجومية سياسية ونفوذ في عهد يلتسين لا يتناسب مع قدراته وإنجازاته، حيث فشل في الارتقاء بأوضاع منطقة نيجني نوفغورود عندما كان حاكماً لها، وكان محل سخط شعبي واسع خلال فترة توليه منصب نائب رئيس الوزراء

ووجهت إليه اتهامات بالمسؤولية عن التدهور الاقتصادي والفساد في إجراءات الخصخصة، وتضخم نفوذ حيتان المال في روسيا (حينذاك)، من أمثال بوريس بيريزوفسكي الذي توفي في لندن عام 2013، والإمبراطور السابق للإعلام الروسي فلاديمير غوسينسكي الذي هرب إلى إسرائيل إثر صدور مذكرة توقيف بحقه في موسكو، ورومان أركاديفتش أبراموفيتش مالك نادي تشيلسي الإنجليزي، والثلاثة يهود. وكان الروس يشيرون -في حواراتهم- عندما يذكر اسم نيمتسوف إلى أنه يهودي أيضاً.

الخروج من سباق السلطة إلى المعارضة
تحوَّل بوريس نيمتسوف إلى واحد من أشرس المعارضين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولعب دوراً محورياً في بناء التيار الليبرالي اليميني الروسي، ولم يتردد في توجيه انتقادات قاسية للرئيس بوتين، ولمن كان يصفهم بـ"رجالات النظام الأوليغارشي" المحيطين بالكرملين.

ويُشهد له بأنه كان جريئاً في المجاهرة بآرائه، ففي أحد تصريحاته الشهيرة وصف الوضع في روسيا قائلا: "عندما تتركز السلطة في يد شخص واحد فهذا لا يؤدي سوى إلى كارثة...، إلى كارثة بالمطلق"، واعتبر -في تصريح سابق عام 2007- أن الانتخابات التشريعية حينها كانت "الأقل نزاهة في تاريخ روسيا".

وكان نيمتسوف من أبرز منظمي وقادة المظاهرات التي هزت موسكو شتاء 2011 و2012، وتفرَّد بانتقاد الإنفاق الباذخ على دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي عام 2014، واتهم القائمين عليها بالفساد.

وقبل ساعات من اغتياله عشية يوم الجمعة 27 فبراير/شباط الفائت، شارك نيمتسوف في وضع اللمسات الأخيرة على تنظيم مظاهرة في ضواحي موسكو، كان يفترض أن تسيّر يوم الأحد الأول من مارس/آذار الجاري، وفي مقابلة أجرتها معه إذاعة "إيخو موسكفي" الروسية -قبل ثلاث ساعات من مقتله- حدَّد هدف المظاهرة قائلاً: "هذه المظاهرة تطلب الوقف الفوري للحرب في أوكرانيا، وتطلب أن يوقف بوتين عدوانه".

وأضاف مفسرا الأزمة الاقتصادية التي تمر بها روسيا: "سبب الأزمة هو العدوان الذي تلته عقوبات ثم هروب رؤوس أموال، وكل هذا بسبب العدوان العبثي على أوكرانيا الذي يشنه بوتين..".

وحسب ما أوردته صحيفة "روسيا غازيتا" في تقرير عن جريمة الاغتيال، فقد نشر نيمتسوف -قبل بضعة أيام من مقتله- تحقيقات اتهم فيها 133 نائباً في مجلس الدوما والمجلس الفدرالي (المجلسين الأدنى والأعلى للبرلمان الروسي) بعدم دفع الضرائب.

ووفقاً للصحيفة المذكورة، فإن رفاق نيمتسوف يتحدثون عن تقرير آخر بخصوص أوكرانيا لم ينشر بعد، حيث كان نيمتسوف يعتزم تقديم أدلة على أن العسكريين الروس في منطقة دونباس يخضعون لأوامر القيادة الروسية العليا.

دوافع وفرضيات
جاء رد فعل الكرملين سريعاً على لسان الرئيس بوتين شخصياً، الذي وصف عملية الاغتيال بأنها "جريمة وحشية تحمل بصمات قاتل مأجور"، وتعهد الرئيس الروسي بالوصول إلى الجناة ومعاقبتهم.

وبدورها لم توجه المعارضة أصابع الاتهام إلى السلطة، حيث اكتفى ميخائيل كاسيانوف (رئيس الوزراء الأسبق ومن المعارضين البارزين لبوتين، وأحد قادة "الحزب الجمهوري الروسي" الذي كان نيمتسوف أحد مؤسسيه) بقوله إنه ليس لديه "أي تخمينات فيما يتعلق بالدوافع المحتملة وراء حادثة الاغتيال"، وشدَّد -في تصريح لوكالة "سبوتنيك" الروسية- على أن المسؤولين عنها سيدفعون ثمناً باهظاً.

ورغم أن المحللين الروس يستبعدون فرضية تورط السلطات الروسية في عملية الاغتيال للعديد من الأسباب الموضوعية، منها التوقيت ومكان تنفيذ العملية ومكانة نيمتسوف في صفوف المعارضة، وهي الأسباب ذاتها التي تقدم لنفي التورط؛ فإنه من الصعب استبعاد وجود دوافع سياسية وراء الاغتيال، لعل أهمها انتقاده بشدة للسياسات الرسمية الروسية إزاء الأزمة الأوكرانية، والتي اتهِم على خلفيتها من قبل القوميين الروس بـ"خيانة الوطن".

كما تثار تساؤلات حول حقيقة ما إن كان ينوي بالفعل إصدار تقرير يدين فيه القادة العسكريين للمتمردين في جنوب شرق أوكرانيا بالتبعية لروسيا.

يضاف إلى ما سبق، أنه رغم الإزعاج الذي كان يسببه نيمتسوف للكرملين فإنه لم يكن يشكِّل وزناً جدياً في المسرح السياسي الروسي، فالشارع الروسي يتخذ موقفاً سلبياً منه، وتراجع تأثيره على نحو كبير في السنوات القليلة الماضية مع صعود جيل جديد من المعارضين الشباب. وقد اعترف -في مقابلته الأخيرة-  بأن المعارضة اليمينية التي كان أحد قادتها "لا تملك تأثيراً كبيراً في الروس حالياً".

مهما يكن، يبدو أن الغرق في الدوافع والفرضيات بخصوص اغتيال نيمتسوف كلعبة "روليت" روسية، فالمستفيدون المفترضون من غيابه متضررون في الوقت ذاته من جريمة مقتله، والدوافع نفسها تقدَّم كأدلة نفي

ويتم تداول دوافع أخرى في كواليس أروقة السياسيين والمحللين الروس كأسباب محتملة وراء جريمة الاغتيال، من بينها اعتبار نيمتسوف أن نشر مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة لرسوم مسيئة إلى الإسلام والمسلمين يندرج في إطار حرية الرأي، في إشارة ضمنية إلى أن موقفا كهذا قد يستفز متطرفين مسلمين.

كما يجري الحديث عن وجود شبهات بخصوص الأعمال التجارية التي يمارسها نيمتسوف، مما يضع على الطاولة احتمال أن يكون الاغتيال تصفية لحسابات شخصية، إلا أن محللين سياسيين يرون في هذين الاحتمالين مجرد جزء من لعبة لخلط الأوراق.

ومهما يكن، يبدو أن الغرق في الدوافع والفرضيات بخصوص اغتيال نيمتسوف كلعبة "روليت" روسية، فالمستفيدون المفترضون من غيابه متضررون في الوقت ذاته من جريمة مقتله، والدوافع نفسها تقدَّم كأدلة نفي، والمعارضة اليمينية -التي ينتمي إليها- أضعف من أن تحوِّل رحيله المأساوي إلى مواجهة مفتوحة مع الكرملين، والغرب خسر موالياً كبيراً له من الصعب عليه أن يعوضه، لكنه لا يستطيع أن يستخدم جريمة الاغتيال ورقة للتأثير في المعادلة الداخلية الروسية.

وحسب صحفية "روسيا غازيتا"، فإن شرطة موسكو تعمل جاهدة للعثور على الجاني (أو الجناة)، بتتبع مستخدم روسي كان وضع على حسابه في موقع "تويتر" عدداً من الصور من موقع الحادث ووضع وسماً للموضوع: "Nemtsov".

غير أنه من المشكوك فيه أن يؤدي القبض عليه إلى إغلاق باب الأسئلة الشائكة، التي تشبه إلى حد بعيد الأسئلة المطروحة حول صعود نجم نيمتسوف وخفوته لاحقاً، وتنقله في صفوف المعارضة اليمينية إلى أن رحل مقتولاً، تاركاً وراءه تاريخاً حافلاً بالنجاحات والإخفاقات والمشاكسة السياسية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك