عبد الحكيم هلال

عبد الحكيم هلال

كاتب وصحفي يمني


اليمن تحت تسلط المليشيا
إفرازات الحالة الجديدة
سيناريوهات متوقعة

خلال فترة النصف عام الماضية تقريبا، اتسمت الأحداث في اليمن بطبيعة تصعيدية متقلبة وغير مستقرة، إذ لوحظ تنقلها، وفي أزمنة قياسية، من طور سياسي إلى آخر متجاوزة معظم السيناريوهات المتوقعة.

ومنذ سيطرة جماعة الحوثي المسلحة على العاصمة صنعاء ومحافظات شمالية أخرى بقوة السلاح، نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، باءت توقعات كثيرة بالفشل على حساب بروز مفاجآت لم تكن في الحسبان. ومع ذلك فقد ظل سيناريو الانزلاق إلى الحرب الأهلية هو الثابت الأكثر رسوخا، حيث بدا وكأن الحوثيين عازمون على دفع البلاد نحوه بطريقة غريبة تبعث على الشك.

وبحسب مراقبين سياسيين، فإن ما حدث في اليمن -لا سيما خلال الشهر الأخير، وما زالت تداعياته تتصاعد تباعا- من شأنه أن يجعل من التنبؤات لما سيؤول إليه المستقبل القريب والمنظور عملية أكثر تعقيدا. لكن معظمهم، إن لم يكن جميعهم يضعون سيناريو الاحتراب الأهلي في مقدمة التوقعات، وإن كان قليلون جدا يفضلون التمسك بحذرهم من الحكم البات عطفا على خصوصية الأحداث المتقلبة في اليمن، آخذين في الاعتبار عنصر المفاجآت الحاسم في الحالة اليمنية.

اليمن تحت تسلط المليشيا

منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء ومحافظات شمالية أخرى بقوة السلاح، باءت توقعات كثيرة بالفشل على حساب بروز مفاجآت لم تكن في الحسبان، وظل سيناريو الانزلاق إلى الحرب الأهلية هو الثابت الأكثر رسوخا، حيث بدا وكأن الحوثيين عازمون على دفع البلاد نحوه بطريقة غريبة
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، ازداد هذا السيناريو المخيف رسوخا، بعد أن تسارعت الأحداث الأخيرة وانتقلت فجأة إلى طور أكثر خطورة، بفعل تنفيذ الحوثيين -أواخر يناير/كانون الثاني- عملية انقلابية على شرعية المؤسسة الرئاسية، ومنح مليشياتهم (المسماة بـ"اللجان الثورية") شرعية إدارة شؤون الدولة تحت ما يسمى بسلطة فرض "الأمر الواقع"، بدلا عن رئيس البلاد الشرعي.
 
ولقد ازداد الأمر قتامة، حين تمكن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وبطريقة غامضة، من الإفلات من الإقامة الجبرية المفروضة عليه لقرابة شهر داخل منزله بالعاصمة صنعاء، والفرار إلى محافظة عدن الجنوبية، ليبدأ من هناك إدارة شؤون الدولة، حيث قرر التراجع عن استقالته بعد أن كان سلمها في وقت سابق إلى مجلس النواب الذي لم يتمكن من الاجتماع للبت فيها.

وبعث انتقال الرئيس هادي إلى محافظة عدن الجنوبية واستعادته زمام المبادرة في إدارة شؤون البلاد من هناك، أملا جديدا، حيث عد ذلك أشبه بطوق نجاة للمناوئين الرافضين لإجراءات جماعة الحوثي الانقلابية الأخيرة، لا سيما وقد شرعت الجماعة بممارسة سلطات الدولة واتخاذ القرارات وفرض التعيينات، فضلا عن منع المظاهرات الشعبية المناوئة واختطاف السياسيين والناشطين وتعذيبهم، مستغلة الاختلال الناجم عن الفراغ الدستوري بعد استقالة الرئيس والحكومة، للتفرد بالسلطة وتحويل الدولة إلى إقطاعية لمليشياتها، معززة قوتها العسكرية وفرض المزيد من الإجراءات التسلطية القمعية بهدف الهيمنة وإرضاخ النسبة العظمى من الشعب لسلطاتها.

وكان الرئيس هادي، بمجرد وصوله عدن، أصدر بيانا هاما وصف فيه ما قامت به جماعة الحوثي منذ 21 سبتمبر/أيلول الماضي، بالإجراءات "الانقلابية"، واعتبر كل ما صدر عنها منذ ذلك التاريخ "باطلا وغير شرعي".

لكن جماعة الحوثي، في المقابل، حين وجدت نفسها في تلك الحفرة، لم تتوقف عن مواصلة الحفر. وتعاملت مع تلك التطورات المفاجئة بردة فعل تصعيدية حين اعتبرت الرئيس "فاقدا للشرعية" و"مطلوبا للعدالة"، بل هددت كل من يتعامل معه بمحاكمات وعقوبات تحت جنحة "الخيانة العظمى"..! وصدرت تصريحات عن قياديين في الجماعة بدراسة حل بعض الأحزاب السياسية، محددين حزب الإصلاح (الإسلامي المعتدل) كخطوة أولى.

إفرازات الحالة الجديدة
شكلت تلك التطورات أيضا متنفسا جديدا لدول الخليج، وعلى رأسها السعودية، المتضرر الأكبر من تسلط الحوثيين وتغولهم وتمددهم وتعزيز قوتهم العسكرية، حيث تعاملت مع تلك التطورات على أنها بداية جديدة وجيدة لإصلاح أخطاء سابقة في اليمن.

وأعلنت خمس دول خليجية حتى الآن، باستثناء سلطنة عُمان (التي تربطها علاقات قوية مع إيران، حليفة وداعمة الحوثيين)، نقل أعمالها الدبلوماسية إلى محافظة عدن وقوفا مع الشرعية الدستورية للرئيس ودعما للشعب اليمني.

وفي ردة فعل تصعيدية أخرى، ذهبت جماعة الحوثي لفتح أبواب دبلوماسية مع خصوم الخليج الرئيسيين، وأبرمت اتفاقات تفتح المجال الجوي اليمني لشركة الطيران الإيراني بواقع رحلتين في اليوم بين صنعاء وطهران، كما قام قيادي حوثي رفيع بزيارة طهران على رأس وفد حكومي لإبرام اتفاقيات تجارية وسياسية لم يعلن عنها حتى الآن. ونفذت رحلة أخرى مشابهة إلى روسيا للغرض ذاته، وأعلن قياديون حوثيون أنهم سيقومون بزيارات دبلوماسية لدول أجنبية وعربية أخرى لإبرام اتفاقيات.

وإزاء ذلك، صعد الرئيس هادي من لهجته واعتبر صنعاء "عاصمة محتلة"، ضمن لقاء بسياسيين ومشايخ قبليين من محافظات شمالية أعلنت دعمها له ورفضها الانصياع أو التجاوب مع أية قرارات لجماعة الحوثي الانقلابية. وفي السياق هاجم الرئيس الحوثيين لإبرامهم اتفاقا مع شركات الطيران الإيرانية وتوعد من قام بذلك بالمحاسبة.

وعليه، فثمة واقع جديد يتم تشكله حاليا، كان حتى وقت قريب مثار خشية العقلاء وتحذيرهم، ذلك لأن تلك المستجدات بدأت عمليا بإحداث فرز مذهبي وطائفي وجغرافي. وتلك مقدمات خطيرة محفزة ومسرعة للاحتراب الأهلي. ويزيد من هذا الخطر ذلك الانسحاب التصعيدي للتصارع الإقليمي، الذي من الواضح أنه -وبفضل التسارع والاستقطاب الحاد- يتمدد أكثر نحو فرز تحالفات دولية جديدة تقوم على المصالح المشتركة بين الدول الكبرى ومحاضنها الإقليمية.

سيناريوهات متوقعة

تكشف مصادر أن جماعة الحوثي ترتب للقيام بعملية عسكرية لاجتياح محافظة عدن والسيطرة عليها، وتنفيذ تهديداتها بإحالة هادي إلى المحاكمة باعتباره "مطلوبا" للعدالة. ويعتقد الحوثيون أن هذه العملية ستكون سهلة حيث يتم الإعداد والتجهيز لها حاليا وقد تبدأ في غضون شهر بالكثير
من هنا، يمكن التنبؤ بمجموعة سيناريوهات يتوقع أن تؤول إليها الحالة اليمنية، ولعل أهمها أربعة سيناريوهات نوردها هنا باختصار.

- السيناريو الأول: إمكانية إنجاح مساعي الحوار بين الأطراف السياسية. على اعتبار أن الجميع -بمن فيهم الداخل اليمني بكافة قواه السياسية ومعها الخارج الإقليمي والدولي، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة ومجلس الأمن- يؤيدون الحوار كحل أنجع وأسلم لليمن.
 
ومع ذلك، فإن هذا الخيار سيكون هذه المرة أكثر تعقيدا من السابق، لا سيما وقد شدد الرئيس هادي مؤخرا على ضرورة نقله من العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها المسلحون الحوثيون إلى مكان آمن، وعلى أن تكون مرجعيته الرئيسية متمثلة بـ: المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، دون أن يتحدث عن اتفاقية السلم والشراكة التي وقعت ليلة اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول الماضي، حيث اعتبر الرئيس كل الإجراءات التالية لهذا التاريخ باطلة وغير شرعية. مما أثار تساؤلات: عما إذا كان يقصد أيضا إلغاء اتفاقية السلم والشراكة التي منحت الحوثيين مصالح كثيرة، أم لا؟.

وترفض جماعة الحوثي، ومعها حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، نقل الحوار من العاصمة صنعاء. في وقت برزت فيه مؤخرا خيارات جديدة بإمكانية نقله خارج اليمن.
 
ومؤخرا رمى الرئيس هادي حجرا آخر إلى الواجهة، حين طالب بنقل الحوار إلى مقر مجلس التعاون الخليجي بالعاصمة السعودية الرياض، الأمر الذي من المرجح أن يرفع من منسوب التوتر القائم مع جماعة الحوثي وحزب الرئيس صالح الرافضين أصلا نقل المفاوضات خارج العاصمة، واللذين تربطهما علاقات متوترة مع الرياض.

- السيناريو الثاني: سيناريو الحرب الأهلية، الذي ما زال طاغيا على السطح منذ انفلتت الأوضاع بفعل الانقلاب الحوثي الأخير.

على ضوء ما قدمناه آنفا من تعقيدات، قد لا يبدو الحوار حلا ممكنا للأزمة الراهنة، ذلك لأن المستجدات الأخيرة -تراجع الرئيس عن استقالته، مع إعلان الحوثيين عدم الاعتراف بشرعيته وأنه مطلوب للعدالة، وتمسك حزب المؤتمر بإصراره على أن يبت مجلس النواب في تلك الاستقالة- تأتي ليضفي تعقيدات كبيرة على طبيعة المفاوضات.

كما أنه، وحتى في حال سرّع بن عمر هذه المسألة والتأم الحوار قريبا، سيظل مصير اليمن وإدارة شؤونه معلقا بين: عدن برئيسها الشرعي، وصنعاء بحكامها الجدد، بفرض سلطة الأمر الواقع. الأمر الذي من المرجح أن تحدث فيه -خلال فترة المفاوضات المعقدة أصلا- مستجدات سياسية تصعيدية قد تدفع البلاد نحو الانزلاق إلى الحرب الأهلية المنتظرة.

وفي هذا الصدد، تكشف بعض المصادر أن جماعة الحوثي ترتب أوضاعها للقيام بعملية عسكرية لاجتياح محافظة عدن، وفرض سيطرتها عليها وتنفيذ تهديداته بإحالة الرئيس هادي إلى المحاكمة باعتباره مطلوبا للعدالة بحسب قرار لجنتها الثورية. ويعتقد الحوثيون أن هذه العملية ستكون سهلة حيث يتم الإعداد والتجهيز لها حاليا وقد تبدأ في غضون شهر بالكثير.

كما أن ثمة معلومات تفيد بأن الحوثيين سيعتمدون في إنجاح مخططهم على عنصرين: الأول يتمثل بالدعم العسكري للقوات التابعة للرئيس السابق ونجله، والتي يتواجد بعض منها في عدن ومحافظات مجاورة، والثاني على تحركات من داخل عدن لمناصريهم في الحراك الجنوبي التابع لعلي سالم البيض المدعوم من إيران.

وفي المقابل، يتردد أن الرئيس هادي يعد مع شقيقه ذي المنصب العسكري الكبير في عدن، وقيادات عسكرية كبيرة وقبلية موالية له جنوبية وشمالية، لمواجهة مثل هذا السيناريو. وبدأ ذلك بإحداث تغييرات طالت قيادات عسكرية وأمنية بمحافظة عدن، إلى جانب تجنيد المزيد من أعضاء اللجان الشعبية الداعمة للرئيس.

ويقال أيضا إن دولا خليجية وعدت هادي بدعم سخي للقيام بدوره كرئيس شرعي، بما في ذلك ما قد يتطلبه الأمر من مواجهات ميدانية ضد المتمردين الحوثيين لكسر تحركاتهم العسكرية المقبلة، وربما أيضا لتحرير العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم.
يتردد أن هادي يعد مع شقيقه ذي المنصب العسكري الكبير في عدن، وقيادات عسكرية كبيرة وقبلية موالية له جنوبية وشمالية، لمواجهة سيناريو الحرب الأهلية، وبدأ ذلك بإحداث تغييرات طالت قيادات عسكرية وأمنية في محافظة عدن، إلى جانب تجنيد المزيد من أعضاء اللجان الشعبية الداعمة له

وفي حال هذا السيناريو، فإن الحرب لن تكون سهلة ومرجح أن تطول وتتوسع نحو كافة المحافظات اليمنية الأخرى. وهذا السيناريو يعد الأسوأ من بين كافة السيناريوهات الأخرى، لا سيما إذا كان الرئيس هادي فعلا ينوي هذه المرة المواجهة العسكرية، وانضمت إليه القبائل المؤيدة في المعركة مع الأطراف السياسية الداعمة لشرعيته والمتضررة من الحوثي، في ظل دعم سخي وإسناد قوي من دول الخليج.

- السيناريو الثالث: تكرار سيناريو صنعاء وبقية المحافظات الأخرى التي سيطر عليها الحوثيون سابقا، بحيث يتمكنون هنا أيضا من اجتياح عدن والسيطرة عليها بدون أي مقاومة تذكر. ويعتقد البعض أن ذلك قد يتم لهم: إما بتساهل من الرئيس هادي نفسه، كما حدث في صنعاء، على اعتبار أن ما يقوم به من تصعيد حاليا ليس سوى تكرار للسيناريو ذاته، وإما بخيانات من داخل قيادات بالجيش في عدن ما زالت تتبع الرئيس السابق علي صالح ونجله.

وهنا يبرز تساؤل، في حال تمكن الحوثي من اجتياح عدن، سواء بمقاومة أم بدونها: ما التالي؟ هل سيتوقف عند هذا الحد، ويسلم الجنوب لقيادات الحراك التابع للبيض على سبيل المثال في حال صدقت شائعات التنسيق المشترك بين الطرفين عبر إيران؟ أم سيضمها الحوثي إلى أملاكه وسيواصل تباعا تنفيذ بقية مخططه بالسيطرة على بقية المحافظات في جنوب البلاد وشمالها؟

- السيناريو الرابع: حرب تؤدي إلى انفصال الجنوب، إذ إن هناك من يتحدث عن توجه دولي لإعادة تقسيم اليمن إلى شطرين: شمالي وجنوبي، وفقا للحدود التي كانت عليها الدولتان قبل الوحدة.

لكن الأمر ما يزال غير واضح تماما بشأن ما إذا كان هذا التقسيم سيتم على أساس دولة اتحادية واحدة من إقليمين شمالي وجنوبي، بحسب تصريحات زعيم الحوثيين المتواصلة بهذا الشأن، أم سيكون على أساس دولتين مستقلتين كما يطالب الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال، بقيادة علي سالم البيض.

وفي كلتا الحالتين: هل سيتعارض ذلك مع موقف حليف الحوثي حاليا، الرئيس السابق علي صالح، الذي يرفض مبدأ الإقليمين (شمال وجنوب)، فكيف بالانفصال كليا؟ أم أن هذه الإشكالية قد تم حلها -كما يقال- ضمن صفقة سرية أبرمتها طهران بين الجانبين؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك