بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

الرهان على روحاني
إشارات للتغيير
اتفاق مرحلي جديد
معوقات الانفراج

بحلول موعد إجراء الجولة الجديدة من المفاوضات بين طهران والسداسية الدولية بشأن برنامج إيران النووي، تتجه التوقعات إلى إمكانية نجاح الرئيس روحاني في تحقيق اختراق خلال تلك الجولة، مما يخوله إبرام اتفاق مع الدول الغربية ينهي بدوره العقوبات المفروضة على بلاده ويطوي صفحة الأزمة النووية الإيرانية.

الرهان على روحاني
تتعدد العوامل التي تدفع كثيرا من المراقبين داخل إيران وخارجها للرهان على روحاني في تحقيق انفراجة ناجزة خلال الجولة الحالية من المفاوضات النووية، لعل أبرزها: علاقته المتوازنة مع المرشد، وما يحظى به من تأييد داخلي وقبول دولي، هذا علاوة على تطلع روحاني -الإصلاحي المصمم على مواجهة ضغوط التيار المتشدد المتمثل في أغلبيته بقادة الحرس الثوري وآيات الله- إلى إنجاز اتفاق نووي مع الغرب، يعزز في نهاية المطاف سلطته، ويمهد السبيل لإصلاحات اقتصادية وسياسية أوسع نطاقاً.

مستندا في ذلك إلى إستراتيجيته القائمة على الجمع بين الحسنيين: رفع كافة أنواع العقوبات عن كاهل إيران، وتحسين علاقاتها بالغرب، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بإمكانات علمية وفنية وقدرات نووية كامنة قابلة للتطوير، بعدما تتجاوز طهران أزمة الثقة المتأججة بينها وبين المجتمع الدولي.

هذا فضلا عن تطور إجرائي إيجابي مهم طال عملية صنع القرار الخاص بالسياسة النووية الإيرانية في ظل قيادة روحاني، تجلى في نقل شطر من الملف النووي من دائرة اختصاص "المجلس الأعلى للأمن القومي" إلى صلاحيات وزارة الخارجية، الأمر الذي من شأنه أن يتيح لروحاني ووزير خارجيته جواد ظريف حيزا أوسع من حرية الحركة في مواقفهما التفاوضية.

إشارات للتغيير
ثمة إشارات متنوعة أطلقها الرئيس روحاني في الآونة الأخيرة، تشير إلى إمكانية حدوث تغيير إيجابي في ما يخص إستراتيجية إيران التفاوضية في الجولة الحالية من المفاوضات النووية. فخلال السنة ونصف السنة التي مرت على ولايته، حاول الرجل تقديم صورة مختلفة لإيران بعد 35 عاما على الثورة، عن تلك التي بدت عليها أيام سلفه نجاد، إذ حاول إظهارها كبلد قابل للانفتاح على جواره والعالم أجمع، ومستعد للالتزام بالقوانين الدولية، والتعامل مع التناقضات والخلافات الموروثة في الداخل بطريقة مؤسسية تحترم الحق في الاختلاف.

وفي مسعى منه لطمأنة المجتمع الدولي بشأن طموحات بلاده النووية، أكد روحاني في اجتماع لمجلس الوزراء في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن إيران فضلا عن احترامها جميع القوانين والمواثيق الدولية، التي تحظر امتلاك السلاح النووي، فإنها ملتزمة بفتوى قائد الثورة الإسلامية التي تحرم هذا الأمر، والتي تعتبرها طهران أعلى ضمان لعدم انحراف برنامجها النووي عن مقاصده السلمية، ومن ثم أبدى روحاني استعداد بلاده للتوصل إلى اتفاق على أساس مبدأ "رابح-رابح" لكلا الطرفين، مشيرا إلى أن مكاسب طرف واحد لن تضمن ترسيخ وديمومة أي اتفاق.

وفي إشارة إلى نيته الالتفاف على تعنت التيار المتشدد من خلال الرهان على مستوى من التأييد الشعبي لأية مرونة يبديها خلال الجولة الراهنة من المفاوضات النووية، اقترح روحاني تنظيم استفتاء بشأن المسائل المصيرية التي تمسّ مستقبل البلاد، بعد التصويت من قبل ثلثي أعضاء البرلمان على طرح الاستفتاء، إعمالا بنص المادة 59 من الدستور الإيراني الذي وضع عام 1979 والتي لم يعمل بها حتى الآن ولو مرة واحدة، الأمر الذي بمقدوره أن يتيح للحكومة الالتفاف على مجلس الشورى الذي يراقب عملها ويصادق على المعاهدات والاتفاقات التي تبرمها.

وربما اكتشف روحاني أن مواجهة معارضيه من التيار المحافظ الذي نصب نفسه أميناً على إرث الثورة، ولا يزال نفوذه ممتدا داخل مجلس الشورى والحرس الثوري وسائر المؤسسات التي لا تخضع للسلطة المباشرة للرئيس المنتخب، لن تتأتى إلا من خلال الاستقواء بالشعب، لا سيما أن المزاج العام في إيران أضحى أكثر مرونة وليبرالية مما تبدو عليه الأصوات المتشددة والمحافظة.

وفي كلمته بملتقى اقتصاد إيران بداية يناير/كانون الثاني الماضي، نبّه روحاني إلى أهمية المرونة في التعاطي مع العالم من أجل إنهاء عزلة إيران وتحريرها من براثن العقوبات، مفندا ادعاءات بأن الاستثمارات الخارجية تشكل تهديداً للبلاد، التي يرى أنه لن يمكنها تحقيق نموّ مستدام وهي في عزلة.

اتفاق مرحلي جديد
وفي إيحاء منه بإمكانية الموافقة خلال الجولة 12 من المفاوضات على تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي وتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم مقابل إنهاء العقوبات على بلاده، شدد روحاني على أن مبادئ الإيرانيين ليست منصبة بأجهزة الطرد المركزي المُستخدمة لتخصيب اليورانيوم، وإنما تتعلّق بقلوبهم وإرادتهم، وذهب أبعد من ذلك حينما أكد أن إبداء مزيد من الشفافية وتخفيض مستوى التخصيب بنسبة معيّنة لسنا في حاجة إليها، لا يعني التفريط في المبادئ.

وهي الإشارات التي يفهم منها ميل روحاني إلى التوصل لاتفاق مرحلي جديد مع الدول الست على غرار ذلك الذي تم في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، والذي قضى بتعليق فرض عقوبات جديدة على طهران، فضلاً عن الإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج، مقابل تخفيض طهران مستوى تخصيب اليورانيوم من نسبة 20 إلى 5% فقط.

فانطلاقا من الموقف المتشدد الذي تبديه القوى المؤثرة في إيران استنادا إلى اعتبارات اقتصادية وسياسية وأمنية، يبدو الرهان على إدراك اتفاق نهائي يكفل إنهاء أو تجميد البرنامج النووي الإيراني كلية، نظير التعليق الكلي للعقوبات، أمرا مستبعدا، خاصة مع تمسك كل طرف بمواقفه.

ستبقى فرص التوصل لاتفاق مرحلي جديد أكبر بكثير من احتمالات إدراك اتفاق نهائي، ذلك أن هامش حرية الحركة أو التفويض الممنوح للمفاوض الإيراني لن يسمح له بالذهاب أبعد من ذلك، بينما لن تسمح أطراف إقليمية مؤثرة كإسرائيل ودول الجوار الإيراني للمفاوضين الغربيين بالتجاوب مع المطالب الإيرانية

فإيران تتشبث بمطلب إنهاء كافة صور العقوبات الدولية والأحادية المفروضة عليها بشكل فوري وشامل، بينما يصر المجتمع الدولي بدوره على تجميد طهران أولا كافة أنشطتها النووية بشكل تام، ثم اتخاذ إجراءات بناء ثقة نحو الغرب، قد تمتد إلى عشرين عاما، حتى يتم رفع العقوبات بشكل كامل ونهائي.

وربما يجنح المفاوض الإيراني خلال الجولة الجديدة من المفاوضات للمطالبة بتعليق كافة أشكال العقوبات، مقابل إبداء مزيد من التعاون في ما يخص إجراءات الرقابة والتفتيش والتحقق من قبل الخبراء الدوليين، فضلا عن تخفيض وتيرة الأنشطة النووية الإيرانية فقط، وليس تجميدها كلية، وهو العرض الذي قد يقابله المجتمع الدولي -إذا ما ارتضاه- بتخفيض جزئي ومتدرج بنفس الوتيرة للعقوبات، أملا في بلوغ اتفاق نهائي ولو بعد حين.

وبناء عليه، ستبقى فرص التوصل لاتفاق مرحلي جديد أكبر بكثير من احتمالات إدراك اتفاق نهائي، ذلك أن هامش حرية الحركة أو التفويض الممنوح للمفاوض الإيراني لن يسمح له بالذهاب أبعد من ذلك، بينما لن تسمح أطراف إقليمية مؤثرة كإسرائيل ودول الجوار الإيراني للمفاوضين الغربيين بالتجاوب مع المطالب الإيرانية.

ولعل الولي الفقيه يراهن على أن يدفع الوضع الإقليمي المعقد والنظام الدولي المرتبك المفاوض الغربي إلى تمرير اتفاق نووي مرحلي جديد تراه الجماعة الدولية -رغم تواضعه- إنجازا أفضل من فشل المفاوضات ووضع الغرب في موقف صعب، في ضوء افتقاد أي خيارات بديلة ناجزة يمكن اللجوء إليها في الوقت الحالي، لحمل طهران على إبداء مزيد من المرونة والانصياع للإرادة الدولية.

معوقات الانفراج
لم تحل الآمال المعقودة على مرونة روحاني خلال الجولة الجديدة من المفاوضات النووية دون بروز معوقات عديدة، من شأنها أن تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي مع الغرب، لعل أهمها:

- التمسك بالحلم النووي: فبينما تعهد روحاني بالتمسك بثوابت سياسة بلاده النووية، وألا تتوقف أجهزة الطرد المركزي عن العمل، أكد علي أكبر ولايتي مستشار المرشد للشؤون الدولية أن إيران ستتابع العمل من أجل امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، ولن تتراجع عن حقوقها في هذا الصدد، لأن المرشد لن يسمح بأي تنازلات خلال المفاوضات النووية، امتثالا لإرادة الشعب وحفاظاً على استقلال البلاد.

- تشدد المرشد: فعلى الرغم من الدعم الحذر الذي يبديه خامنئي للمحادثات النووية مع الغرب توخيا منه لتقليص عزلة طهران وثني الغرب عن الضغط عليها بشأن قضايا أخرى كسوريا والتدخل في عدد من الدول العربية، فإنه لا يرغب في تمكين روحاني من إبداء مزيد من المرونة، لا سيما أن خامنئي لا يبدو مستعدا لتقديم أية تنازلات لإنجاح المفاوضات، استنادا منه إلى عدم قناعته بجدواها، إذ لم يتردد في إبداء خيبة أمله بشأن "خطة العمل المشتركة" المؤقتة الموقعة في جنيف خلال مفاوضات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولا حتى تشاؤمه الكبير بشأن الوصول لاتفاق نهائي.

ولعل خامنئي لا يثق في العوائد المنتظرة للتنازل عن مواصلة تطوير البرنامج النووي لبلاده، موقنا بأن تنازلا كهذا قد يثير التيارات المتشددة في الداخل، ويهدد أركان نظام ولاية الفقيه، في الوقت الذي لن يضمن إنهاء العقوبات كلية وسريعا.


التيار المتشدد يسعى بمباركة خامنئي لمحاصرة روحاني داخليا بهدف تكبيل يديه خلال المفاوضات النووية، متيقنا أن ولع روحاني بالاحتفاظ بشرعيته الداخلية ربما يفوق هرولته لبلوغ نجاح قد لا يتسنى تحقيقه، أو جني ثماره على صعيد المفاوضات النووية مع الغرب

ومن ثم لم يتورع المرشد عن تأكيد أنه لا يمكن لأي اتفاق نووي أن يلغي العقوبات المفروضة على إيران، حيث سيكون دائماً هناك شيء ما -حسبما صرح مسؤولون أميركيون- يحول دون رفع العقوبات بشكل كامل وفوري، خاصة مع وجود إدارة أميركية ديمقراطية عاجزة عن كبح جماح كونغرس جمهوري يتوق إلى فرض عقوبات جديدة على إيران.

وتأسيسا على ذلك، يعتقد خامنئي أن الطريق لرفع العقوبات عن بلاده لن يتحقق إلا من خلال دعم قدراتها النووية، بما يتيح زيادة نفوذها كقوة إقليمية وعالمية، وليس من خلال التنازلات التي تهوي بإيران إلى غياهب التمزق والفوضى، على غرار ما جرى مع الاتحاد السوفياتي السابق وليبيا معمر القذافي.

ومن ثم، لم يتورع خامنئي عن جلب 190 ألف جهاز طرد مركزي، بما يتيح لبلاده الحصول على قدرات تفوق عشرات المرات أضعاف قدرات التخصيب الموجودة بحوزتها، كما أعلن قبل أيام أن بلاده ترفض أي شروط لرفع العقوبات المفروضة عليها، إذا كانت تمس كرامتها.

وربما لا يكترث خامنئي كثيرا بمقترح روحاني إجراء استفتاء، حيث تقتضي خصوصية النظام السياسي الإيراني أن يعود القول الفصل في أمر المفاوضات النووية إلى المرشد، بغض النظر عن نتيجة أية استفتاءات شعبية، تظل نتائجها بلا معنى، طالما استعصى الأخذ بها حال مخالفتها إرادة المرشد، ولعل هذا ما يفسر تجميد المادة المتعلقة بالاستفتاء في الدستور منذ وضعه عام 1979.

- تربص المتشددين: لا تزال الدينامية الداخلية في إيران تشكل عقبة رئيسية أمام إدراك اتفاق شامل وطويل الأمد بشأن البرنامج النووي الإيراني، حيث يرفض الأصوليون المهيمنون على مفاصل السلطة -كالبرلمان والإعلام وقوات الجيش والشرطة وغيرها- أي توجه من قبل روحاني لإبداء مرونة خلال المفاوضات النووية، متذرعين بأن هذه التنازلات ستهدد مصالحهم ونفوذهم، وستنال من الثورة كما ستقوض ركائز نظام ولاية الفقيه.

وربما يطمع خصوم روحاني في استثمار اهتزاز شعبيته إثر تبدد وعوده في ما يخص العائد الاقتصادي من المفاوضات النووية، فضلا عن إساءته إدارة الدعم الحكومي المُقدم للفقراء، في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة نيتها رفع أسعار البنزين وبعض السلع الأساسية، علاوة على إخفاق روحاني في إنهاء الإقامة الجبرية لزعماء "الحركة الخضراء"، ووقف الانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان وحرية التعبير، والتي لم تسلم منها حتى صحيفة "آسمان" الموالية لروحاني، والتي أغلقت في فبراير/شباط العام الماضي بعد أسبوع فقط على بدء صدورها.

وما برح التيار المتشدد يسعى بمباركة خامنئي لمحاصرة روحاني داخليا بغية تكبيل يديه خلال المفاوضات النووية، متيقنا أن ولع روحاني بالاحتفاظ بشرعيته الداخلية، ربما يفوق هرولته لبلوغ نجاح قد لا يتسنى تحقيقه، أو جني ثماره على صعيد المفاوضات النووية مع الغرب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك