حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

إرهاب أفريقيا وعبء الرجل الأبيض
الإرهاب وتراجع ربيع أفريقيا
نحو منظور شامل لمحاربة الإرهاب

يبدو أن العقل الغربي لا يزال أسير رؤيته المعرفية التي تتمحور حول الذات، فهو ينزع دائما للكيل بمكيالين في كثير من الأمور، بما في ذلك قضايا التطرف الفكري والإرهاب. لقد انتفضت وسائل الإعلام في مختلف أنحاء المعمورة عندما وقعت الهجمات الإرهابية على مقر صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية، كما هرول زعماء الدول فرادى وجماعات إلى باريس لإظهار التعاطف والأسى العميق لسقوط الضحايا.

ومن اللافت للانتباه أن الهجمات الإرهابية التي تشهدها أفريقيا لا تجد الاهتمام الواجب من قبل الرأي العام الدولي، ففي نفس توقيت جريمة باريس شهدت مدينة باغا (Baga) النيجيرية مذبحة دموية على أيدي عصابات بوكو حرام، راح ضحيتها نحو 150 شخصاً من المدنيين والجنود، ومع ذلك لم يرفع أحد شعار "كلنا باغا" قياساً على شعار "كلنا شارلي"! وحتى الرئيس النيجيري جوناثان الذي هرع إلى باريس مواسيا التزم الصمت إزاء ما حدث في بلاده.

إرهاب أفريقيا وعبء الرجل الأبيض
لقد شهدت أفريقيا -طبقاً لمؤشر الإرهاب العالمي في عام 2014- تصاعداً ملحوظاً في عدد الهجمات الإرهابية، وتعد جماعات بوكو حرام والشباب المجاهدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أخطر الشبكات الإرهابية في أفريقيا، وقد أدت عملياتها إلى مقتل آلاف الأشخاص في العامين الماضيين.

ويبدو أن بوكو حرام أضحت تشكل خطراً إقليميا حقيقيا، حيث باتت تهدد أمن كل من الكاميرون والنيجر وتشاد ونيجيريا. وقد قتل نحو 13 ألف شخص وشُرد نحو مليون آخرين جراء عنف بوكو حرام منذ عام 2009.

وثمة روايات تقشعر لها الأبدان رواها بعض الناجين، حيث يتم حرق الناس وهم أحياء كما يتم سبي الأطفال والنساء، وفي كينيا تصاعدت حدة هجمات جماعة الشباب المجاهدين الصومالية، فقتل نحو خمسمائة شخص مدني ونحو ثلاثمائة من مسؤولي الأمن منذ 2010.

ويبدو أن التجاهل الغربي لتصاعد حدة الإرهاب في أفريقيا مقارنة بالاهتمام المبالغ فيه بأحداث إرهابية تشهدها بعض العواصم الغربية، يستدعي سياق نظرية "عبء الرجل الأبيض". لقد كانت أفريقيا دائماً تمثل غربيا عالم التوحش والتخلف، وبالتالي فهي بحاجة إلى حكمة وتحضر الرجل الأبيض.

يبدو أن التجاهل الغربي لتصاعد حدة الإرهاب في أفريقيا مقارنة بالاهتمام المبالغ فيه لأحداث إرهابية تشهدها بعض العواصم الغربية، يستدعي سياق نظرية "عبء الرجل الأبيض"، فلقد كانت أفريقيا دائماً تمثل غربيا عالم التوحش والتخلف، وبالتالي فهي بحاجة إلى حكمة وتحضر الرجل الأبيض

ولا يخفى أن تحولات النظام الدولي بعد الحرب الباردة قد أدت إلى لجوء الغرب إلى نفس المنطق الذرائعي لتبرير تفوقه وسموه الحضاري، واتضح ذلك بجلاء في إقرار مبدأ "الحق في الحماية" وإعلان "الحرب الشاملة على الإرهاب"، وفقاً للمنطق والنظام المعرفي الغربي السائد. 

إن رد الفعل الغربي على أحداث الإرهاب في مصر أو الصومال أو كينيا أو نيجيريا لا يتجاوز إصدار تحذيرات السفر، أو منع سفر المواطنين الغربيين إلى هذه الأماكن بوصفها غير آمنة. ولا شك أن ذلك الموقف يعكس مدى النفاق الغربي ورؤيته المزدوجة للتعامل مع قضايا الارهاب، وقد جسدت مسيرة باريس التي رفعت شعار "كلنا شارلي" هذا الواقع الأليم.

ويطرح ذلك العديد من التساؤلات من قبيل: لماذا لم تحدث مسيرات مماثلة في بلدان أفريقية عانت من توحش آلة الإرهاب؟ ولماذا لم يرفع العالم المتحضر شعار "كلنا معاذ الكساسبة" رغم أنه كان يؤدي واجبه النبيل ضمن تحالف دولي في مواجهة إرهاب داعش؟!

إن محاربة الإرهاب تمثل التزاماً نبيلاً من الجميع بغض النظر عن الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو اللون أو العقيدة، فالإرهاب عدو مشترك بين البشر باعتبارهم بشرا. وعليه فإن على الغرب أن يتحول عن شعاراته الزائفة ويدرك أن الإرهاب في أفريقيا ليس خطراً محلياً، وإنما هو تهديد مميت للسلام والتنمية في العالم آجمع.

الإرهاب وتراجع ربيع أفريقيا
من الواضح تماماً أن وضع الهشاشة الذي تعاني منه دول أفريقية كثيرة قد أدى إلى تغليب اعتبارات الأمن على اعتبارات الحرية واحترام حقوق الإنسان، وجاءت "فزاعة" الإرهاب لتمثل مسوغاً مقبولاً للأنظمة الأوتقراطية كي تنفض أيديها من التزاماتها السياسية والأخلاقية بتحقيق تطلعات الجماهير المطالبة بالديمقراطية.

والمتابع لمسيرة "الحوكمة" في أفريقيا على المستوى القاري والإقليمي والوطني يلاحظ تراجعاً حثيثاً عن المكتسبات التي حققها الأفارقة في مجال حرية التعبير والتحول الديمقراطي. ويمكن أن نسوق على ذلك بعض الأمثلة:

لقد تخلى الاتحاد الأفريقي -في اجتماعه الأخير أواخر يناير/كانون الثاني الماضي بأديس أبابا- عن مساندته دعم جهود التحول الديمقراطي في الدول الأعضاء، وذلك عندما أسند منصب الرئاسة لدكتاتور طاعن في السن هو روبرت موغابي. والاعتراض على شخص رئيس زيمبابوي لا علاقة له بسياساته المناوئة للغرب ولكن لأنه يمثل جيل الطغاة من حكام الرعيل الأول الذين اعترضوا سبيل التحول الديمقراطي في بلدانهم.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد أقر الاتحاد الأفريقي في قمة مالابو 2014 تعديلا على بروتوكول النظام الأساسي للمحكمة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان بهدف تحصين الرؤساء وكبار المسؤولين الأفارقة المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. ولعل ذلك يعيد التوكيد مرة أخرى على أن هذه المنظمة القارية الجامعة باتت تمثل "نادي الطغاة" في أفريقيا.

وإذا كانت تجارب التدخل العسكري التي قام بها الاتحاد الأفريقي منذ عام 2002 تتسم بالمحدودية، أو أنها تمت بتوجيه ودعم دولي، فإن الزعماء الأفارقة استشعروا خطر بوكو حرام على عروشهم، فقرروا تكوين قوة تدخل إقليمية قوامها سبعة آلاف وخمسمائة شخص للقضاء على هذه الجماعة.

وضع الهشاشة الذي تعاني منه دول أفريقية كثيرة قد أدى إلى تغليب اعتبارات الأمن على اعتبارات الحرية واحترام حقوق الإنسان. وجاءت "فزاعة" الإرهاب لتمثل مسوغاً مقبولاً للأنظمة الأوتقراطية كي تنفض أيديها من التزاماتها السياسية والأخلاقية بتحقيق تطلعات الجماهير المطالبة بالديمقراطية

ويبدو جليا أن الأجندة الأفريقية في محاربة الإرهاب تركز على التعامل الأمني أكثر من اهتمامها بالاقتراب الناعم الذي يتعامل مع الأسباب الحقيقية المُفضية إلى التطرف الفكري والإرهاب.

وعلى المستوى الوطني، تظهر تجارب كينيا ونيجيريا اتجاها قوياً نحو العسكرة والحلول الأمنية في مقابل تراجع المكتسبات الديمقراطية. لقد أطلقت السلطات الكينية -تحت وطأة هجمات الشباب المجاهدين- يد قوات الأمن في الاعتقال وتوسيع دائرة الاشتباه.

ولا شك أن الجدل الذي صاحب التعديلات القانونية المرتبطة بالإرهاب في كينيا يعكس هذا الجدل الأفريقي الجديد بشأن أولوية الأمن ومكافحة الإرهاب على أي اعتبارات تنموية أخرى. لقد أقرت كينيا -التي يعاني كثير من سكانها مرارة الفاقة والتهميش- مشروعا باهظ التكلفة لتثبيت كاميرات المراقبة الأمنية في المدن الكبرى.

أما في نيجيريا، فقد وقف وول سوينكا الحائز جائزة نوبل في الأدب ليعلن رفضه إعادة انتخاب الرئيس جوناثان. ولقد أضحت الحكمة النيجيرية تقول: "إن خبرة دكتاتور عسكري سابق أفضل من رئيس مدني فاشل"، وذلك في إشارة إلى استدعاء الجنرال محمد بوخاري ليخوض سباق الرئاسة ويتحمل عبء مواجهة خطر بوكو حرام.

نحو منظور شامل لمحاربة الإرهاب
لا يخفى أن الرؤية الغربية للإرهاب لا تتطابق مع التعريف الأفريقي للإرهاب، ويتضح ذلك من خبرة التدخل الغربي في ليبيا وساحل العاج التي جابهت معارضة أفريقية غير خافية.

لقد أشارت صحيفة "فنغارد" (Vanguard) النيجيرية في عدد 28 يناير/كانون الثاني 2015 إلى أن الولايات المتحدة تقوم بابتزاز نيجيريا في حربها ضد بوكو حرام، كما أن إدارة أوباما رفضت إتمام صفقة بيع طائرات عسكرية إسرائيلية كانت أبرمتها الحكومة النيجيرية.

وربما يفسر لنا ذلك لجوء الجيش النيجيري إلى طلب التدريب من قبل كل من روسيا والصين، بل وأخيراً قبوله قوات تدخل أفريقية، وهو ما يعني اعترافا منه بعدم قدرته منفرداً على مواجهة خطر بوكو حرام. ولعل ذلك كله يجعل قضية مكافحة الإرهاب في أفريقيا مرتبطة بعمليات بناء الدولة وتحقيق التنمية الشاملة، وهي مسؤولية أفريقية بالدرجة الأولى.

لا يخفى أن المنظور الشامل المطلوب أفريقياً هو الذي يحقق التوازن بين التدابير الأمنية العنيفة والتدابير "الناعمة" التي تستهدف تغيير الأفكار، بما يعني منع التطرف الفكري، و"فك الارتباط" من خلال إعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي للمتطرفين السابقين

وعليه، فإن التوجه الحالي -سواء على المستوى القاري أو الوطني- لتبني إجراءات وتدابير قمعية تقوم بها قوات الشرطة والجيش لمكافحة الإرهاب، يصبح معيبا وقاصراً على المديين المتوسط والبعيد. فمعالجة الأسباب الجوهرية المتمثلة في الفساد وغياب الحوكمة وهشاشة الدولة وانتشار الفقر والتهميش تجعل "الاقتراب الناعم" في مكافحة الإرهاب ضرورة ملحة.

ويشمل هذا الاقتراب تدابير سياسية واجتماعية وثقافية، مثل تحدي روايات التطرف، وإعادة النظر في الخطاب الديني السائد، وتبني برامج إعادة التأهيل. ويقوم المجتمع المدني بدور محوري في هذا الاقتراب، حيث يصبح الإرهاب هنا قضية مجتمعية بالأساس.

ولا يخفى أن المنظور الشامل المطلوب أفريقياً هو الذي يحقق التوازن بين التدابير الأمنية العنيفة والتدابير "الناعمة" التي تستهدف تغيير الأفكار بما يعني منع التطرف الفكري، و"فك الارتباط" من خلال إعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي للمتطرفين السابقين.

ويتألف المنظور الشامل الذي ندعو إليه هنا من أربعة مكونات أساسية هي: منع التطرف الفكري (إعادة النظر في المناهج الدراسية والخطاب الديني، وتدشين برامج التوعية ودور وسائل الإعلام)، وحماية المجتمع (الدفاع عن الجماعات التي يتهددها خطر الإرهاب)، والتتبع (بمعنى جمع المعلومات والتحقق منها، والتعاون الاستخباراتي لتفكيك شبكات الإرهاب)، وأخيراً إعادة التأهيل، وهو يشمل برامج مدروسة لتغيير أفكار المسجونين وإعادة التأهيل للتائبين أو المفرج عنهم.

على أن التحدي الأكبر هنا يتمثل في ضرورة تحقيق قدر من الثقة المتبادلة بين المجتمع المدني والدولة في أفريقيا، وذلك من أجل تعزيز ثقافة اللاعنف والتوكيد على قيم المدنية والمواطنة والمساواة بين الجميع. ومع ذلك، تبقى المعضلة الكبرى ماثلة في أن الدولة في أفريقيا لا تزال هي بيت الداء، الأمر الذي يجعلها نقطة البداية لأي محاولة جادة للعلاج والإصلاح.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك