مصطفى زهران

مصطفى زهران

مصطفى زهران

تدفع الأحداث المتسارعة في شبه جزيرة سيناء إلى تصاعد الحالة "الجهادية" وتكثيف عملياتها، إلا أن ثمة تطورا نوعيا وفارقا في مسيرة تلك الحالة الجديدة بمصر عقب انطلاقها من إطارها المحلي إلى الإقليمي.

وقد تمثل هذا التطور في انعكاسات وارتدادات إعلان "أنصار بيت المقدس/ولاية سيناء" تبعيتها الفكرية والتنظيمية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ومبايعتها لأبو بكر البغدادي خليفة لها، وما توفر لها من عوامل ساهمت في نضجها وتطورها على هذا النحو والشكل الكارثيين.

أما حادثة سيناء الأخيرة فمثلت ذروتها وإحدى ثمرات العمل الجهادي المنظم على الأرض المصرية، عقب الانفجارات التي استهدفت عددًا من الثكنات والمناطق العسكرية الشديدة الحساسية، على رأسها "الكتيبة 101" نقطة الاستهداف الأبرز في هذا الهجوم "غير المسبوق"، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات العسكريين -بينهم ضباط- في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقود عدة.

وفي موازاة ذلك، خلقت هذه الحادثة نوعًا من التخوف من إمكانية استنساخه في الداخل "السيناوي"، وامتداه إلى مدن ومناطق أخرى خارجها، لتمثل تهديدًا مباشرًا ليس للسلطة القائمة فقط، وإنما للسلم والأمن المجتمعي في البلاد، مما أثار القلق حول إمكانية أن تنحو مصر أو تندفع نحو مشاهد قائمة مشابهة في كل من العراق وسوريا، فضلا عن ليبيا المجاورة.

بداية، يخطئ من يُخرج حادثة سيناء من سياقها العام الملتف بها والمتمثل في المكون المجتمعي "السيناوي" الذي تشكل القبيلة والعشيرة محور ارتكازه وصلب استقراره، وهو الذي تزلزل وأصيب جزء كبير منه -خاصة الذي تعانق وتمازج فيه القبلي مع الديني- بهزة كبيرة جراء سياسات التهميش والإقصاء التي استهدفته على مدار عقود متوالية منذ اتفاقية كامب ديفد عام 1978.

وكان آخر هذه المشاهدات وضع الخيار الأمني من قبل السلطة كحل أوحد لما يحدث في العمق السيناوي من أجل القضاء على الجماعات السلفية والجهادية هناك، خاصة بعد ما تمخض عن الثالث من يوليو/تموز 2013 من تحولات ومتغيرات طالت البنى السياسية والمجتمعية في مصر.

وكذلك تصاعد الحالة الراديكالية الذي ساهم بقوة في الإطاحة بكل أمل من قبل هذا المكون تجاه "الدولة"، فانتقل الولاء والانصياع تدريجيا وقسريا من "الدولة" إلى "القبيلة" و"العشيرة" كأحد انعكاسات الاقتصار على هذه الإستراتيجية لمواجهة هذه التنظيمات وأفكارها المتشددة.

وعلى مدار شهور عدة من عمر الحل الأمني في شبه الجزيرة، بدت في الأفق ملامح لما يمكن تسميته "بالحاضنة المجتمعية" لهذه التنظيمات الجهادية على الأرض السيناوية كنتيجة عكسية للممارسات الأمنية المفرطة، خاصة في مناطق جنوب الشيخ زويد وجنوب رفح.

حادثة سيناء الأخيرة مثلت إحدى ثمرات العمل الجهادي المنظم على الأرض المصرية، عقب الانفجارات التي طالت عددًا من الثكنات والمناطق العسكرية الشديدة الحساسية، على رأسها الكتيبة 101، نقطة الاستهداف الأبرز في هذا الهجوم غير المسبوق

وهو ما دل عليه حجم الأريحية التي تمتع بها تنظيم ولاية سيناء في التحرك والتنقل الآمن بين القرى، فأهلته لأن ينفذ أخطر العمليات النوعية، مستفيدا من الرغبة في الثأر لمن قتل واعتقل من قبل القوات الأمنية بشقيها العسكري والشرطي.

إن تلك القوات لم تتفهم طبيعة وواقع الحياة المجتمعية في الداخل السيناوي الذي يحكمه منهج القبيلة، فكانت أشبه بالمعركة القبلية التي تسعى نحو التعبير عن "الذات الجمعية" التي باتت مغيبة من "الدولة الجامعة" بكل أداوتها السياسية والاجتماعية والعسكرية.

فأضحت قطاعات لا يمكن الاستهانة بها -حتى وإن كانت قليلة- من القبائل السيناوية تشعر بالغربة والاعتزال، مما دفعها لأن تستقل -ولو معنويًا- عن مصر الوطن. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت قبيلتا "السواركة" و"الرميلات" من أكثر هذه القبائل التي عانت من التضييق الأمني.

ولا يعني ذلك أن هذا هو المشهد العام هناك، إذ إن هناك عددًا لا بأس به من العشائر التي تقف من التنظيمات الجهادية موقفًا رافضًا يدفعها للتعاون المباشر مع الأجهزة العسكرية والشرطية لمواجهتها والقضاء عليها.

وانطلاقًا من هذا التصور يمكننا القول: إن الحالة الراديكالية في سيناء لم تعد قاصرة على حركة أو تنظيم يتخذ من "الجهاد" إستراتيجية عقدية لتنفيذ أهدافه المخطط لها داخله، بل أصبح هناك داعمون جدد من البيئة نفسها، عبر استقطابهم واحتوائهم وجذبهم إليها.

وكان أبرز مشاهده توزيع الأموال على من تضرر بفعل التهجير من قبل القوى الأمنية من أجل إقامة المنطقة العازلة في سيناء والتي أظهرتها مقاطع تسجيلية مصورة بثها التنظيم، فضلا عن توزيع الأطعمة والأغذية عليهم أيضًا، في محاولة منهم لاحتواء الناقمين وأصحاب الثأر ومن لديهم مظلومية مع النظام الأمني القائم.

وفي الوقت ذاته لا يعيدنا المشهد إلى تجارب جهادية مماثلة في الماضي القريب، بل هو بكل المقاييس حالة مغايرة يمكنها أن تتمدد وتتوسع بشكل يختلف عن سابقه.

خلاصة التصورات السابقة تدفعنا للإشارة إلى أن ثمة شراكة اجتماعية ووحدة في الأهداف والمصالح بين هذه التنظيمات الجهادية -وتحديدًا ولاية سيناء- وطيف ليس بالقليل من المكون المجتمعي السيناوي "العشائري" "والقبلي"، ضد السلطة الحالية.

وهو ما يدفعنا لقراءته في سياق مماثل مع بعض الاختلافات الجوهرية بين ظهور تنظيم الدولة وصعوده وتمدده من سوريا إلى العراق، والتي عززها في بدايته التحاقه بالمكون العشائري "السني" هناك للوقوف أمام سياسات المالكي الشيعية الطائفية.

الحالة الراديكالية في سيناء لم تعد قاصرة على حركة أو تنظيم يتخذ من الجهاد إستراتيجية عقدية لتنفيذ أهدافه المخطط لها داخله، بل أصبح هناك داعمون جدد من البيئة نفسها، عبر استقطابهم واحتوائهم وجذبهم إليها

بيد أن الطرح القائل بأن هناك نية من لدن السلطة المصرية في السير قدمًا نحو إقناع قوات التحالف الدولي ضد "داعش" بأن تضع سيناء ضمن أهدافها للقضاء على التنظيم وروافده باعتبار ولاية سيناء أحد ملحقاته الجهادية في الداخل المصري، يحمل وجهين:

أولهما- أنه لا يمكن بأي حال التكهن بحدوث ذلك، خاصة أنه يدفع نحو خلق "سيناستان" أخرى على غرار المناطق الملتهبة في أفغانستان وباكستان ومناطق الصراع في العراق وسوريا، وهو ما سيزيد الأمر تعقيدًا لدى السلطة الحالية ويدفع نحو تأزيمها أكثر مما هي عليه الآن.

فضلا عن أن ذلك، سيزيد سخط الشعب المصري الذي لن يقبل بأن يجعل مصر أحد أهداف التحالف الغربي، مما يعني أن مصر "الدولة" دخلت النفق المظلم، وسيؤثر ذلك سلبًا على واقعها ومستقبلها سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

ثانيهما- في حال إتمام ذلك بالفعل عبر توجيه ضربات غربية لولاية سيناء فإن السلطة الحالية ستكون أول المتضررين من هذا الأمر، وهي التي ستدفع تكلفته ثمنا باهظا لكونها أولى السلطات الحاكمة التي أتت بالقوى الغربية لتنتهك حرمة الأرض المصرية.

فمجرد التفكير من قبل السلطة في وجود قوات التحالف بسيناء اعتراف ضمني وصريح بإمكانية نزع شبه جزيرة سيناء من حاضنة الدولة المصرية وتكرار تجربة الجنوب اللبناني داخلها، والتي سينتج عنها مزيد من التآزر والتلاحم بين التيارات الجهادية.

وسيضفي ذلك التوجه المزيد من المشروعية والمظلومية "الكربلائية" عليها، باعتبار أن ما سيحدث بمثابة إعادة احتلال لسيناء مرة أخرى ليس من طرف "إسرائيل" هذه المرة، وإنما من طرف قوى التحالف الغربي بأكمله.

سارعت السلطة المصرية إلى لملمة أوراقها والبحث عن حلحلة للأزمة بعدما أضحت سيناء قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، مما دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى محاولة نكء الجرح السيناوي بطرح مبلغ مالي لإعادة إعمار شبه الجزيرة على نحو أفضل، وفي الوقت نفسه المضي قدما نحو تصعيد الحل الأمني للقضاء على الجيوب الجهادية هناك، وهما إطاران لا يمكن أن يسيرا بشكل متوازٍ ولا يقدمان حلا للمشكلة.

ومن ثم أعاد السيسي هيكلة قيادة العمليات العسكرية في شبه الجزيرة، ولم يفوّت استخدام المشهد في تموضع الإخوان مرة أخرى مع ولاية سيناء بالربط بين الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي يوم 3 يوليو/تموز 2013 والصعود الجهادي، مما يدفعنا نحو الارتداد للوراء مرة أخرى إلى المربع الصفر، وهو ما يعني أن السلطة الحالية لا تزال تضع الإسلام السياسي مع الآخر الراديكالي في سلة واحدة.

السلطة المصرية سارعت إلى لملمة أوراقها والبحث عن حلحلة للأزمة بعدما أضحت سيناء قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، مما دفع السيسي إلى طرح مبلغ مالي لإعادة إعمار شبه الجزيرة على نحو أفضل

لم يقف الأمر عند حد الربط بين الإخوان وولاية سيناء من جهة، والتفجيرات التي طالت سيناء من جهة أخرى، وإنما امتد إلى اعتبار كتائب القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) تنظيما إرهابيا بعد قرار القضاء المصري في اليوم التالي للتفجيرات والحكم الصادر منه بذلك.

وهو اتهام غير مباشر لحركة حماس بضلوعها في حادثة سيناء الأخيرة وتفجير "الكتيبة 101" العسكرية، يعكس بشكل كبير خلطا في الأوراق من قبل صناع القرار في الداخل المصري تجاه ملفات عدة منها الملف الفلسطيني، على اعتبار أن مسألة الأنفاق تمثل إحدى الأدوات المساعدة لدى التنظيمات الجهادية في سيناء.

يأتي ذلك على الرغم من أن حماس -التي يتم التعامل معها لكونها أحد التجليات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين المصرية- لا تتقاطع على الإطلاق مع الفكر الداعشي وتنظيم الدولة الإسلامية، بل إن الأخير يعتبر عناصرها مرتدين وخارجين عن ملة الإسلام، كما جاء على لسان المتحدث الرسمي لتنظيم الدولة محمد العدناني.

خلاصة القول.. إن لسيناء طبيعة خاصة يجب على الدولة المصرية مراعاتها، فلا يمكن القفز فوق المكون الاجتماعي وغض الطرف عن نسق متجذر في هذه البنية تلعب "العشيرة "والقبيلة" دورا كبيرا في استقراره وتثبيت دعائمه.

فالاقتصار على الحل الخارجي -الذي لا يراعي ديمغرافية وسيكولوجية المكان من خلال تفعيل الممارسة الأمنية فحسب، ودون أن يكون الحل من داخل المكون القبائلي والعشائري ذاته- سيدفع نحو تضخم الحالة الراديكالية هناك، وخلق مجموعات ثأرية غير منظمة بدافع المظلومية تتقاطع أهدافها ومصالحها مع الأخرى الجهادية المنظمة، مما ستنتج عنه مشاهد كارثية لن تقف صورها عند حادثة سيناء الأخيرة.

لقد نجحت الصحوات التي تكونت من القبائل العراقية "السنية" عام 2007 عقب صعود تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وأدت دورا مهما وقويا في ارتداد هذا التنظيم إلى الوراء، قبل أن تعود على هيئتها "الداعشية" الحالية، بعدما استفحلت معطيات جديدة كرست لقدومها مجددًا واتشاحها بثياب أكثر تطرفًا وراديكالية، بسبب ممارسات رئيس الوزراء العراقي السابق نورى المالكي الطائفية والمليشيات الشيعية تجاه الغالبية السنية هناك.

وما يمكن استخلاصه هو أن القضاء على البؤر الجهادية في سيناء يأتي بإعادة الدولة لهيبة القبائل ومشاركتها لصناع القرار، حتى تخلق من قبلهم صحوات سياسية تقف بشدة أمام المد الراديكالي في شبه جزيرة سيناء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك